ماذا يكون وضع من ولد في أحد البلدان الأجنبية يوم القيامة؟ | موقع الأستاذ فتح الله كولن

السؤال: ماذا يكون وضع من ولد في أحد البلدان الأجنبية، يوم القيامة؟

الجواب: هذا السؤال هو أحد الأسئلة التي طرحت في السابق ولا تزال تطرح الآن. وأعتقد أنه يطرح لإثارة النقاش، أي يقولون إننا سندخل الجنة لأننا نؤمن بالله وبرسوله، ولكن أيدخل الآخرون الذين ولدوا في بلدان بعيدة عن العالم الإسلامي كباريس ولندن وموسْكو، ولم تتيسر لهم الأمكانيات التي تيسرت لنا ولم يصلهم النور الذي وصل إلينا؟ أيدخل كل هؤلاء إلى جهنم؟

مثل هذا السؤال يحمل أمرين: الأول إظهار رحمة أكثر من الرحمة الإلهية. والثاني، عرض نقد خفي ضد الإسلام.

نقول أولاً إنه خلافاً للعقيدة الشائعة لا توجد قاعدة أو حكم عام يقول إن جميع هؤلاء سيذهبون إلى جهنم. ولكن القاعدة الأصلية هي كما يأتي: إن الذين سمعوا بدعوة رسولنا صلى الله عليه وسلم وشاهدوا النور الذي جاء به، ولكنهم أبَوا وعاندوا وسدوا آذانهم دون هذه الدعوة.. مثل هؤلاء سيذهبون إلى جهنم دون شك. ومن الحماقة هنا التظاهر برحمة أكثر من الرحمة الإلهية. ولا ينطبق هذا على الذين يعيشون في البلدان الأجنبية، بل ينطبق هذا الأمر على الذين يعيشون في بلادنا، فمن لم يتبع النور الذي أتى به الرسول صلى الله عليه وسلم بل أدار ظهره له وخالفه فإن مصيره أيضا إلى جهنم وعاقبته هي الخسران المبين. ونحن نأمل من الرحمة الإلهية التي وسعت كل شيء أن يجعلنا من أتباعه صلى الله عليه وسلم ومن السائرين خلفه في هذا العصر الذي كثر فيه الجاحدون.

لقد تم تناول هذا الموضوع من قِبل علماء الكلام الذين صرفوا جهودهم لإيضاح ما جاء في القرآن وفي السنة النبوية إيضاحاً عقلياً ومنطقياً وفلسفياً وتأييده وتقويته عن طريق الفكر، وتم تحليله مفصّلاً. أجل فهل سيكون مصير الذين لم يجدوا فرصة الاستجابة للرسول صلى الله عليه وسلم، مثل مصير الذين سمعوا به ورفضوه وعاندوه؟ أم هناك فرق بين هاتين الفئتين؟

ويخطر على البال أيضا أسئلة عديدة: فهل يستحق مثل هذه الأسئلة اهتماماً منا بجانب المسائل والمشاكل المهمة التي نعانيها الآن؟ وهل العثور على أجوبة لمثل هذه الأسئلة سيفيدنا في حياتنا الأخروية؟ وهل هناك فائدة حقيقية في حياتنا العملية؟ ولماذا صرف أئمة المذاهب جهوداً كبيرة حول هذه المسائل وهذه الأسئلة؟

والآن لنتناول قبل كل شيء وجهات نظر علماء العقائد حول هذا الموضوع الذي يثير معه كثيراً من الأسئلة.

يقول المذهب الأشعري -الذي هو أحد المذهبين المعتبرين للعقيدة في مذهب أهل السنة- بأن من عاش ولم يسمع شيئاً عن الله تعالى ولم يبلغه شيء عنه فإنه يعد من أهل “الفترة” أي من أهل النجاة أينما عاش وفي أي زمن عاش وكيفما عاش. فإذا كنتم لم تحملوا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أقاصي الأرض وإلى كل أنحاء العالم، فإن الأشعري يقول إن أهل البلاد التي لم تصلها دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم سيكونون من أهل النجاة وإن الله تعالى سيكافئهم على نحوٍ ما وسيدخلهم جنته.

أما إن جئنا إلى أصحاب المذهب الماتريدي فنراهم في خط مواز للمعتزلة حيث يقولون إن الإنسان إن توصل بفكره وعقله إلى الله تعالى -ولا يهم أي اسم أطلقه عليه- سينجو يوم القيامة. ولكن إن لم يصل بعقله إلى الله تعالى فلن يكون من أهل النجاة.

ومع أن هاتين النظرتين ليستا متطابقتين، إلا أن الفرق بينهما قليل لأن الماتريدي يرى أن الإنسان حيثما كان سواء في الجبل أو السهل أو الصحراء يرى حواليه آيات ودلائل عديدة تشير إلى الخالق اعتباراً من طلوع الشمس والقمر وغروبهما، ومن لَمَعان النجوم في السماء، والأرض المزينة بأنواع الزينة، والجبال وهيبتها، والسهول والوديان التي تجري فيها جداول المياه… منظر الأشجار والأعشاب… بسمة الأزهار والورود… كل هذه المناظر آيات تشير وتدل على الخالق تعالى بلسان بليغ. وكل من به مسكة من عقل سيرى وراء مظاهر هذا الجمال يداً خفية، لذا سيتوصل إلى أنه لا بد من وجود خالق. ومثل هذا الشخص يكون من أهل النجاة وإن لم يعرف صفات الله تعالى ورسله وأنبياءه.

لذا ليس من الصحيح أن نبادر بالقول دون تثبت حول الناس الذين يعيشون في البلاد الأخرى “إنهم لم يؤمنوا، لذا فهم من أصحاب النار”. ليس هذا صحيحاً، بل لا يجوز أصلاً. ذلك لأن وجهات نظر أئمة المذاهب لا تسمح بهذا، وهي تدعونا إلى السكوت والصمت في أقل تقدير.

أما الإمام الأشعري فينطلق في وجهة نظره من الآية: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (الاسراء:15) وآيات أخرى مثلها. أجل، فالقرآن يقول بأن الله جل جلاله لا يعذّب أمة لم ترَ رسولاً. إذن فالذين لم يروا نبيّاً ولم يسمعوا به، لا يُعذبون.[1]

يرى الإمام الماتريدي أن العقل يستطيع التمييز بين الحسن وبين القبيح وهو مقياس مهم في هذا الأمر. ويستطيع أن يقول الإنسان اعتماداً على عقله إن هذا حسن وهذا قبيح… صحيح أن الزعم بأن العقل يستطيع الوصول إلى حدس وإدراك كل شيء زعم باطل، ولهذا أمَر الله تعالى بالخير ونَهَى عن الشرور، ولم يدع هذا الأمر المهم إلى العقل الذي يحتمل سَهْوه وقصوره، بل نظم هذا الأمر بالوحي وبينه ووضحه بوساطة أنبيائه ورسله ولم يدع أي شيء مبهَماً أو غامضاً.

إن العقل -حسب المذهب الماتريدي- يستطيع حدس قبح الزنا، لأنه يؤدي إلى اختلاط الأنساب وضياعها. فمن يأخذ المواريث؟ فإذا لم تحافِظ المرأة على عفّتها، وإذا كان أطفالها مجهولي النسب فمن يأخذ ميراث من؟ إذن يستطيع العقل الوصول إلى أن الزنا قبيح. كذلك يستطيع العقل التوصل إلى أن السرقة شيء قبيح أيضا، لأن من القبح قيام شخص بأخذ مال شخص تعب وشقي في سبيل الحصول عليه. ويستطيع العقل حدس قبح الخمر والمسكرات، لأنها تزيل العقل وتسبب نتائج ضارة وسلبية في النسل وتؤدي إلى أمراض وعلل مختلفة. ويمكن ذكر الشيء نفسه بالنسبة لأمور أخرى كذلك.[2]

والأمر نفسه وارد بالنسبة للأشياء الحسنة. فالعدالة حسنة والإحسان إلى الآخرين ومساعدتهم شيء حسن وجميل، ويمكن للعقل أن يحدس هذه الأمور. والقرآن والسنة النبوية أوضحتْ هذه الأمور وأمرت بها وبينتها وأنقذتنا من الزلل والخطأ في مثل هذه المواضيع.

وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإيمان بالله فهو شيء جميل، لأن الإنسان يصل به إلى الاطمئنان النفسي فيعيش حياته في سعادة ويذوق جزءً من سعادة الآخرة وهو في الدنيا. كما يمكن حدس الطريق الموصل إلى الايمان بالعقل والمنطق، لذا نرى أن بدَويّاً في الصحراء أحس بذلك، وعندما حضر إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم وسُئل كيف عرف ربَّه قال: «البعرة تدل على البعير والروث يدل على الحمير وآثار الأقدام تدل على المسير… فسماء ذات أبراج وبحار ذات أمواج أما يدل على العليم القدير؟!»[3]

إذن فحتى بدويّ بسيط وراعي إبل استطاع بعقله التوصل إلى وجود ذات يملك جميع الأشياء في قبضته ويعلم كل شيء. إذن فلا يستطيع إهمال دور العقل في موضوع الإيمان إهمالاً كليّاً.

وانطلاقاً من هذه النقطة قال الماتريدي: “إن الإنسان يستطيع بعقله الوصول إلى ربه”. والدليل على هذا هو أن الكثيرين أحسّوا بهذا في عهد الجاهلية وفي عهد “الفترة”. فمَن هؤلاء: “ورقة بن نَوفل” الذي كان ابن عم والدتنا خديجة الكبرى رضي الله عنها. وحينما شاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبرائيل عليه السلام على صورته الحقيقية وهو يسدّ المشرق والمغرب جفل وأسرع إلى أمّنا خديجة يخبرها بما رأى، فذهبت به أمّنا إلى ابن عمها ورقة بن نوفل[4] الذي كان قد ترك الأوثان والأصنام، لأنه أحس بأنها لا تضر ولا تنفع وتوصّل بعقله إلى الله تعالى.[5]

ومن هؤلاء “زيد بن عمرو بن نفيل”، كان الخطاب (والد عمر بن الخطاب رضي الله عنه) عمّه وأخاه لأمه. «كان زيد بن عمرو قد ترك عبادة الأوثان وفارق دينهم»[6]، ويروى عنه بأنه قال في عبادة الأوثان: «فلا العزّى أدين ولا ابنتيها * ولا صنمَي بني عمرو أزور».[7] لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قد أعلن نبوته بعد، ولكن زيد بن عمرو كان يحدس قرب مجيء نبي جديد ودين جديد. «عن عامر بن ربيعة قال سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يقول: أنا أنتظر نبيّا من ولد إسماعيل ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه وأنا أُومن به وأصدقه وأشهد أنه نبيّ… فإن طالتْ بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام».[8] كان زيد بن عامر يؤمن بخالق لا يستطيع معرفته، وكان يقول: «اللهم إني لو أعلم أحبّ الوجوه إليك عبدتُك به، ولكني لا أعلم، ثم يسجد على راحلته».[9]

لذا فحتى بمثل هذا التفكير البسيط كان باستطاعة الجميع تقريباً التوصل إلى وجود خالق مالك للسموات والأرض. كان زيد بن عامر وورقة بن نوفل قد فتحا كوة صغيرة في قلوب أقربائهما. لذا نرى أن سيد الأنبياء عندما بدأ بدعوته اختار من هؤلاء أفضل المؤيدين والمؤمنين به، وأحال العقل والمنطق إلى يد الوحي لينطلق به نحو آفاق لا يحدها البصر.

والآن لنعد ونكرر السؤال من جديد: أيذهب إلى جهنم حالاً كل من ولد خارج الديار الإسلامية؟ أجل، من سمع بالقرآن وشاهد نبوة رسولنا صلى الله عليه وسلم ولم يحس بحاجة للبحث عن صحة هذه النبوة ولم يبذل أي جهد في هذا السبيل مصيره هو النار. ولكن الذين لم تتيسر لهم حتى مثل هذه الفرصة ونشأ في الظلام وبقي في الظلام طوال حياته، فإننا نأمل أن يستفيدوا من رحمة الله الواسعة فلا يلاموا ولا يؤاخَذوا بشيء.

واسمحوا لي بتناول جانب آخر من المسألة لكونه متعلقاً بنا. لقد قام المسلمون الأوائل الذين مثّلوا الإسلام خير تمثيل بإيصال رسالة رسولنا صلى الله عليه وسلم إلى جميع أنحاء الأرض وإلى أقاصي العالم، فأضاءوا القلوب بنور الإسلام. وعندما نقرأ الآن مناقبهم نشعر بالروح العالية التي كانوا يتحلون بها وهم ينقلون رسالة النبوة إلى العالم أجمع. ولم يكن من المتوقع بقاء الإنسانية في حالة تفرج ولامبالاة. فهؤلاء الأبطال الذين لم يكونوا يخشون أحداً استطاعوا فتح قلوب الناس جميعاً. لقد صاحوا صيحة مدوية بحيث لم يبق هناك في أرجاء العالم من لم يسمع هذه الصيحة.

أجل، لقد مثلوا الإسلام أفضل تمثيل وأناروا العالم بنور الإسلام فلم تبق هناك بقعة مظلمة لم يصلها هذا النور. ثم إن الإنسان ليذهل من سرعة أدائهم لهذه المهمة، ومن سرعة حركتهم ومن مستواهم الرفيع في تمثيل الإسلام وتمثيل رسالة القرآن التي نشروها من خليج السبت إلى بحيرة “آرال”، ومن الأناضول إلى سد الصين.

أجل، لقد وصل الإسلام في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الصين، وفي عهد معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه استطاع القائد عقبة بن نافع الوصول حتى برج هرقل، ودخل البرابرة جميعاً -أي ممالك المغرب وتونس والجزائر- تحت ظل الإسلام وإمرته. لقد تم هذا في ظرف ثلاثين سنة تقريباً. ففي ظرف هذه السنوات الثلاثين أضاءوا بنور الإسلام أنحاء العالم جميعاً، لأنهم كانوا يمثلون الإسلام أفضل تمثيل، لذا كسبوا قلوب جميع الشعوب إلى درجة أن النصارى واليهود كانوا يفضلونهم على أبناء دينهم.

وعندما ذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مدينة القدس وذهب أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى الشام استقبلوا بكل مودة إلى درجة أن المسلمين عندما اضطروا للانسحاب من مدينة دمشق لجأ النصارى ورهبانهم إلى الكنائس داعين من الله جل جلاله برجوع المسلمين إليهم، وقالوا للمسلمين: “ندعوا الله أن ترجعوا إلنا، نحن راضون بأداء الجزية والبقاء في حمايتكم”[10]. وبسبب هذه المحبة التي استطاع المسلمون أن يكونوا مظهراً لها بين الشعوب بدأت أفواج الناس بالإقبال على الإسلام والدخول فيه. فكل مسلم كان بمثابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لذا فلم يكن من الممكن ألا تقبل الجماهير على الإسلام مثل هذا الإقبال. كان هؤلاء الأبطال رهباناً في الليل فرساناً في النهار. لقد فتحوا القلوب أولاً حتى اعتقد الناس أن المسلمين سيفتحون العالم كله في مستقبل قريب.

أما الآن فنحن عاجزون عن فرض إرادتنا على جزيرة صغيرة[11] ولا نستطيع تأمين سيادة الأمن في المناطق التي نحكمها. بينما كان المسلمون الأوائل مثال الدراية والكياسة والأمن، وتسلّم لهم مفاتيح القلاع والمدن ويُدعون لكي يكونوا رؤساء وحكّاماً فيها وليس بتقديم المفاتيح الرمزية والمواطنة الرمزية.

عندما فتح المسلمون فلسطين وسوريا الحالية طلب القادة مفاتيح بيت المقدس فرفض رئيس الأساقفة قائلاً: “إننا نعرف أوصاف من يحق له تسلم هذه المفاتيح وشمائله ولن نعطيها لأحد سواه…”

توجه عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بيت المقدس مع خادمه. لم يكن أحد يدري كيف سيأتي، ولكنه كان يأتي بالطريقة التي يعرفها ذلك الأسقف.. اشترى من بيت المال بعيراً للسفر… لم تكن هناك آنذاك سيارة، ولكن كان من الممكن أن يأخذ الخليفة جواداً للسفر، ولكنه لم يفعل وفضل أن يتعاقب هو وخادمه ذلك البعير طوال السفر.

عندما اقتربا من بيت المقدس كان قواد الجيش الإسلامي يتمنون أن يكون دور الركوب للخليفة بعد اجتياز نهر الأردن، لأنهم كانوا يعتقدون أن الشعب الذي تعود على مظاهر الفخامة والزينة سيعيب حتماً منظر رئيس الدولة وهو يجر البعير الذي يركبه خادمه وقد رفع أطراف ثيابه حتى ركبتيه بعد اجتياز النهر.. ولكن العيب في نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في عمل شيء غير عادل. لذا كان يحاول الابتعاد عن اقتراف شيء كهذا. ونظم القدر الإلهي الأمر بحيث أن قيادة البعير وإمساك زمامه عند اجتياز النهر كان من حصة الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. نـزل عمر عن البعير وركب الخادم وأمسك عمر بزمام البعير يقود ويجتاز النهر. كانت ملابسه قد تمزقت في مواضع عديدة نتيجة احتكاكها بظهر البعير. جلس عمر وبدأ يرتق ملابسه… كان فيها أربع عشرة رقعة… عفواً المفروض أن نقول كان فيها أربعة عشر وساماً. قال رئيس الأساقفة الذي شاهد وضع عمر رضي الله عنه: “أجل! هذا هو الرجل الذي ترِد صفاته في كتبنا”، ثم قال: “لن نعطي مفاتيحنا إلا لهذا الرجل”.

تسليم مفاتيح بيت المقدس وتسليم المسجد الأقصى للمسلمين أصبح وسيلة لإقبال الناس على الإسلام أفوجاً أفواجاً. لم تكن غايتي هي إثارة مشاعركم بعرض مناقب عملاق الإسلام عمر رضي الله عنه بل التساؤل هل يتم تمثيل الإسلام اليوم بالمستوى السامي اللائق به؟ لقد فتحوا قسمًا كبيرًا من أفريقيا وطشقند وسمرقند وبخارى في ظرف 25-30 سنة؛ ثم تشرفت الدنيا بظهور البخاري ومسلم والترمذي وابن سينا والفارابي والبيروني وغيرهم؛ وامتد حكمهم إلى القفقاس والعراق وإيران… وترددت أصداء “لا إله إلا الله محمد رسول الله” في أرجاء المعمورة، فسمع الجميع رسالة الإسلام.

أما الآن فإننا لا نستطيع الزعم بأننا نبلّغ رسالة الإسلام إلى شعوبنا دع عنك تبليغها للشعوب وللأقطار الأخرى. ونحن نحاول دعوة الآخرين من الذين يستمعون إلينا إلى الايمان وإقناعهم، ولكنهم لا يؤمنون. فكأن كلماتنا تصطدم بجدران من الجليد، ثم ترتد وتنعكس على وجوهنا بكل برودة… نحاول أن نشرح، ولكننا لا نستطيع النفوذ إلى أرواحهم. ولا نقول هذا كشَكوى ضد النعم الإلهية التي لا تُعدّ ولا تحصى.. لا نقول هذا، بل لا نستطيع قول هذا، وإنما نقول هذا كمقارنة بين الصحابة الكرام وبيننا لإيضاح هذا الفرق الشاسع.

مَن هؤلاء الذين فتحوا أقطار الأرض وكانوا كالنسور في الجو وأوصلوا رسالة الإسلام إلى كل بقاع العالم القائد الكبير… عقبة بن نافع الفهري الذي كان نصيبه التوغل في قارة أفريقيا وفتحها. وقد تلاحقت انتصاراته التي ملأت قلوب المسلمين فرَحاً، غير أنه تعرض لمكيدة فعزله أمير ذلك العهد وسجن. إن أكثر ما يحزنه في سنوات سجنه التي بلغت خمس سنوات هو أنه حيل بينه وبين تبليغ الإسلام. كان يريد أن ينشر الإسلام من أقصى أفريقيا إلى أقصاها. وعندما تولى الحكم يزيد بن معاوية قَدِم عُقبةُ على يزيد، فرَدَّه واليًا على المغرب سنة اثنتَين وستّين، فكتب بذلك حسنة كبيرة في صحيفة أعماله المملوءة بالآثام والسيئات. وعاود عقبة نشاطه في الفتوحات هناك. حتى بلغ شواطئ المحيط الأطلسي ودخل بجواده الشاطئ وقال: “ياربّ! لولا هذا البحر لمضيتُ في البلاد مجاهداً في سبيلك!”[12] ولو أن شخصاً حدثه عن وجود قارة مثل أمريكا هناك لتساءل عن كيفية الوصول إليها لنشر الإسلام فيها.

أجل! كان المسلمون في تلك العهود يبلغون الإسلام لجميع الناس، ويحسون بتأنيب الضمير بالنسبة للبلدان التي لم يستطيعوا تبليغ دعوة الإسلام إليها. أما نحن فلم نستطع لا تمثيل الإسلام في أنفسنا ولا حمل الإسلام بسرعة البرق إلى أنحاء العالم، إذ لم نستطع ترك مشاغلنا وأعمالنا الخاصة، ولم نستطع أن نعد العمل للإسلام الشاغل الأول لنا، وأعمالنا الأخرى الشاغل الثاني والثالث والرابع. صحيح أننا ذهبنا لجلب المارك والدولار والشلن والفرنك. لم نذهب من أجل الله تعالى، لذا لم نستطع أن نُسمعهم الحقيقة السامية للإسلام. فإذا كانت تلك الشعوب لا تزال تعيش في ظلام الكفر والضلال فبسبب كسَلنا وعجزنا وفشَلنا نحن. فإن وُجّه إليهم سؤالٌ يوم القيامة فسيوجه إلينا أيضا سؤال.

بالأمس تفرّجتُ على شريط لمحاضرة ألقيتْ هناك. كانت المحاضرة باللغة الألمانية. ومع أنني لا أعرف الألمانية إلا أن المنظر أمامي كان يقول ليَ الكثير. وكنت قبل مدة وجيزة في مقبرة في مدينة برلين… أحسست أنّ ركبتـيّ لا تحملانني، قلت متضرعاً: “رحماك يارب! لم نستطع أن نوصل اسمك الجليل إلى هنا…” والآن عندما شاهدت شريط الفيديو هذا غمرتني مشاعر فوارة… المكان كنيسة في هولندة والمحاضر شاب مسلم، والقس جالس يستمع، والنساء الهولَنديات المسلمات والمحجّبات جالسات يستمعن إليه ويسألنه بشوق وهو يجيب، ونساء لم يسلمن بعد يشاركن في السؤال. والحقيقة أنني عاجز عن وصف مشاعري، غير أنه يجب ألاّ ننسى أن كل هذه الأمور ليست إلاّ فعاليات تؤدَّى من قِبل هواة وهي لا تكفي أبداً. هذه الجهود تعد خطوة في مضمار الخدمة الإسلامية، ولكنها ليست الخدمة ذاتها.

لا نـزال نتجول في أروقة هذا القصر.. قصر الخدمة الإيمانية والإسلامية، ولا نستطيع الادّعاء بأننا فعلنا الشيء الكثير. وهذا هو السبب في أن الكثيرين لا يزالون يعيشون في الضلال. صحيح أننا ذهبنا إلى تلك الأقطار في سبيل الخدمة الإسلامية أيضا، ولكننا لم نملك أنفسنا من الدخول في نـزاعات عقيمة فيما بيننا. ولم نستطع أن نمثل الإسلام كما مثله السابقون من أمثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعقبة بن نافع وأبي عبيدة وأحنف بن قيس ومغيرة بن شعبة والقعقاع. فمن يدري كيف كانت قلوب الأعداء الذين شاهدوا مروءَة هؤلاء ورجولتهم وعدالتهم وإنسانيتهم وإيمانهم وعزمهم… كيف كانت قلوبهم ترتعش، وكم من مرة مالت هذه القلوب إلى الإسلام عندما شاهدت هؤلاء الأبطال.

إذا نظرنا إلى هذا الموضوع من هذه الزاوية عند ذاك ننظر بنظرة متسامحة إلى الذين يعيشون في باريس ولندن ونيويورك. بل ربما ضربنا على صدورنا أسفاً لأننا لم نقم بواجب التبليغ -كما يجب- نحوهم. أريد أن أنقل هنا قصة واقعية سمعتها من الواعظ المشهور الشيخ “نجم الدين نورساج”:

ذهب أحد مواطنينا إلى إحدى الدول الأوروبية للعمل فيها، وسكن في بيت وتعرف على صاحب البيت وعائلته. وكان كثيراً ما يجلس ويتسامر معهم. وتوثقت بينه وبينهم الصداقة. ولم يكن صاحبنا هذا يقصر في تمثيل الإسلام والحديث عنه والإجابة عن استفساراتهم عنه. وبعد مضيّ مدة أعلن صاحب البيت إسلامه. ولم تلبث زوجته أن أعلنت هي أيضا إسلامها ونطقت بالشهادتين، ثم التحق الأبناء بهما، وخيمت السعادة على العائلة حتى انقلب البيت إلى قطعة من الجنة.

بعد مرور عدة أيام قال صاحب البيت لمرشده ما أدهشه. قال: “هناك أوقات أرغب أن أضمك إلى صدري وأشبعك تقبيلاً. ولكن هناك أوقات أرغب فيها أن أشبعك ضرباً، ذلك لأنك أتيت إلينا وأصبحت نـزيلاً عندنا، وبوساطتك جاءنا الرسول صلى الله عليه وسلم وجاء القرآن الكريم وجاء الإيمان بالله تعالى، وبفضلك جاء الإيمان وأصبح بيتنا قطعة من الجنة، ولكن كان لي أبٌ طيّب طاهر الروح والنفس. وقد مات قبل أن تأتينا بمدة قصيرة، فلماذا… لماذا لم تأتنا قبل وفاته؟”.

وأنا أعتقد أن هذه الصرخة هي عقاب العالم المسيحي واليهودي للمسلمين. نحن لم نستطع أن نذهب إليهم بالإسلام، بل لم نستطع تمثيل الإسلام حتى في بلادنا، ولم نستطع أن نَحيا بالإسلام ولا قُمنا بشرحه ولا إيصاله إلى القلوب المحتاجة إليه.

واسمحوا لي بالتطرق إلى أمر آخر. فالذين أبعدونا عن الإسلام وعدونا بأنهم سيصلون بنا إلى حياة في مستوى المدنية الغربية. ولكن على الرغم من مرور 150 عاماً على هذا الوعد فلا نـزال نتسول عند أبواب الغرب ولم يحدث أيّ تغير ولم يتم تقدم خطوة واحدة، واستمر الغرب في نظره إلينا كخدّام عند عتَبة بابه.. خدام جاءوا إليه من أجل دراهم معدودة. والآن أريد أن أسألكم:

“إن المسيحيين واليهود لا يسلمون ولا يُقبلون على مبادئكم السامية، فهل فكّرتم لحظة في السبب الكامن من وراء هذا الأمر؟ السبب بسيط للغاية: لو جاءكم أحد بمبادئ وبرسالة سامية جداً، بل لو فتح السماء على مصراعيها وأراكم الطرق المؤدية إلى الجنة فهل تدخلون في دين هذا الشخص إن كان يعمل لدَيكم خادماً ويقوم بأداء أحقر الأعمال في نظركم؟” لا شك أنكم لن تكونوا تابعين لخادمكم، ولن تسيروا خلف من ترونه متسولاً عندكم.

إن العالم الإسلامي لم يلم شمله ولم يرجع إلى نفسه بعد، ولم يمثل الإسلام في حياته، ولا يزال متسولاً عند أعتاب الغرب. لذا فطالما كان هذا العالم الإسلامي مغلوباً المرة تلو الأخرى بالضربة القاضية، وطالما بقي أسيراً ومتسولاً ومتمسحاً بأعتاب الغرب وخائفاً من الغرب ومرتجفاً منه؛ فلن يكون هناك أي احتمال لأن يعيرك الغرب سمعه أو يهتم بالرسالة التي تحملها. ولكن إن كنا في مستوى شخصية أسلافنا وعزتهم ومثّلنا الإسلام بما يليق به من رفعة وطرَقْنا أبواب الغرب بهذه الهوية فإنه سينصت إلينا وسيهتم بنا وسيَقبَلنا. لا أقول إنهم محقون في عدم الإصغاء إلى الذين يعملون عمالاً وخدماً عندهم، ولكن قد يكونون معذورين في هذا. ماذا كان هناك من يراهم مسؤولين في عدم القبول، فإن مسؤوليتنا نحن في عدم تمثيل الإسلام بالمستوى اللائق أكبر.

أرى أن ننظر إلى هذا الأمر من هذه الزاوية وأن نعلم أن المسؤولية مشتركة بيننا، ويجب أن تكون أحكامنا عادلة ومنصفة. ونحن بعيدون جدّاً عن عقلية الذين يصدرون أحكاماً غير متوازنة، ويرون أن جميع من يعيش في البلدان الأجنبية هم حطَب جهنم. كما نحن بعيدون جدّاً عن عقلية الذين يتوقعون أنهم ما أن يعرضوا الإسلام بشكل ناقص وغير لائق حتى سيقبل عليهم الجميع من كل حدَب وصوب.. فهذا خيال ووهم.ولكننا نؤمن بأنه سيكون هناك تغيّر في التوازن الدولي الحالي وأن الجيل القادم في تركيا ومصر وبلدان تركستان[13] وسائر البلاد الإسلامية سيعود إلى نفسه وإلى شخصيته وهويته الحقيقية، وسيعيش عقيدته ومبدأه، وسيأخذ هذا الجيلُ الطاهر والمضحِّي مكانه ضمن التوازن الدولي الجديد. عند ذاك سيُصغي الشرق والغرب إلينا.

ليس هذا بالشيء المستحيل.. سيتحقق هذا بالتأكيد، بل لقد بدأ فعلاً بالتحقق.. فرجال الفكر في الغرب الآن مذهولون من سحر الإسلام وشبابه الدائم. ويبدو أن هذا سيكون سبباً في تغييرات كبيرة. وليس من المستبعد حدوث تغيرات اجتماعية كبيرة في المستقبل القريب. وستكون هناك تغيرات في خريطة العالم. ولكن لن يستطيع إنجاز هذا إلا الذين وجدوا أنفسهم وشخصيتهم وهويتهم الحقيقية، وليس العاجزون والفاشلون الذين يؤجّلون العمل في هذا السبيل إلى أوقات فراغهم.

وكما قلت في مرة سابقة فالذين يرفعون هاماتهم من القبور ويطلون عليكم من بين أحجارها قائلين: “أجل! هؤلاء هم المنتظَرون” عند ذاك يكون الأمر قد تمّ وستقومون بالمحاسبة مع أنفسكم ومع العالم أجمع.

الهوامش

[1] مقالات الإسلاميين للأشعري، ص 127؛ الأصول لفخر الإسلام البزدوي، 4/1350-1351؛ التبصير في الدين للإسفراييني، ص 170-171؛ أصول الدين لعبد القادر البغدادي، ص 24-25؛ بحر الكلام للنسفي، ص 8؛ جمع الجوامع لتاج الدين السبكي، 1/61-63؛ مسالك الحنفاء في والدي المصطفى، ص 1-2، 12-13، 16-18.

[2] أصول الدين للبزدوي، ص 207؛ تبصرة الأدلة للنسفي، 1/453-457؛ المسايرة في علم الكلام لابن الهمام، ص 165-166؛ إشارات المرام لبيازيزاده، ص 74-82.

[3] نفح الطيب لأحمد بن محمد المقري التلمساني، 5/289؛ روح المعاني للآلوسي، 26/62؛ زاد المسير لابن القيم الجوزي، 1/362.

[4] البخاري، بدء الوحي 3، التعبير 1؛ مسلم، الإيمان 252؛ المسند للإمام أحمد، 1/312، 4/198، 6/223، 233.

[5] عن محمد بن إسحق قال: وكانت قريش حين رفعوا بنيان الكعبة وسقوفها يترافدون على كسوتها كل عام، تعظيماً لحقها، وكانوا يطوفون بها، ويستغفرون الله عندها، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشرك في ذبائحهم ودينهم كله، وقد كان نفر من قريش: زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، وعثمان بن الحارث بن أسد بن عبد العزى، وعبد الله بن جحش بن رئاب، وكانت أمه أميمة بنت عبد المطلب بن هاشم حليف بني أمية، حضروا قريشاً عند وثن لهم كانوا يذبحون عنده لعيد من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر إلى بعض، قالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقال قائلهم: تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطأوا دين إبراهيم عليه السلام وخالفوه، ما وثن يعبد لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسون أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلها، الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام. (السيرة النبوية لابن إسحاق، ص32)

[6] البداية والنهاية لابن كثير، 2/237.

[7] البداية والنهاية لابن كثير، 2/242.

[8] البداية والنهاية لابن كثير، 2/240.

[9] البداية والنهاية لابن كثير، 2/237.

[10] سيرة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لشِبلي النعماني، 1/212-214؛ تاريخ انتشار الإسلام لآرنولد، ص 95-98.

[11] المقصود هو جزيرة قبرص. (المترجم)

[12] الكامل في التاريخ لابن الأثير، 4/106.

[13] المقصود هو البلدان المسلمة التركية التي تحررت من الاستعمار الروسي. (المترجم)

المصدر: مسجد “بُورْنُوَا”، 18 أكتوبر 1977؛ الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.