سؤال: كيف يقال إنه سبحانه في كل مكان مع أنه واحد أحد، أيمكنكم أن تبيّنوا لنا هذا؟

الجواب: نعم، الله تعالى واحد أحد، وهو أيضًا معكم أينما كنتم، لكن بعلمه وقدرته لا بذاته، ولا يلزم من هذا أنه تعالى يشغل حيزًا مكانيًّا كسائر الأجسام، فقولنا: إنه واحد أحد تعبير وإشارة إلى جلاله وعظَمته، ومعنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (سُورَةُ الْحَدِيدِ: 57/4) أنه موجود برحمانيته ورحيميته وبعلمه وقدرته في كل مكان. انظر مثلًا -وللّه المثل الأعلى- إلى أشعّة الشمس تلامس رؤوسنا إلَّا أنها بعيدة عنا ولا نستطيع الوصول إليها، فالله تعالى بصفاته هذه هو بكلّ شيء محيط، وهو أقرب إلينا من حَبل الوريد إلَّا أنه لا يبلغه أحد ولا يحيط به شيء، فالله تعالى يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (سُورَةُ ق: 50/16).

الملائكة الكرام تكون في اللحظة نفسها في أماكن عدة، وكذا الجنّ، وكذلك يستطيع الشَّيطان الوسوسة لكثير من الناس في اللحظة نفسها رغم أنه شيطان واحد.

إذًا فالله تعالى -وهو أقرب إليّ من حبل الوريد- حاكم ومسيطر في كل مكان بلا كمّ ولا كيف، فهو ﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 8/24)، إذًا هو أقرب إلي من قلبي؛ فإن قلتُ بهذا المعنى: “إن الله في قلبي” فهذا صحيح؛ لأنه يعلم عني أكثر مما أعلم عن نفسي، وهو الفاعل المؤثر في كلّ شيء. ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ (سُورَةُ الأَنْفَالِ: 8/17)، فالله تعالى هو الذي رمى في معركة بدر وفي غيرها من المعارك باسم الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فهو سبحانه موجود بقدرته في كل مكان كما دلّت عليه هذه الآية وغيرها ودلَّت أيضًا أن الله تعالى شهيد مسيطر في كل مكان بقدرته وعلمه وبرحمانيته ورحيميته وبجماله وجلاله وبعلمه وإرادته وبسائر صفاته، وهو مع هذا واحد أحد، وهو ما أثبتته الحقائق الكونية؛ ولو كان هناك إلَهان –تعالى الله عن ذلك- لفسدت السماء والأرض، وبهذا نزل القرآن الكريم: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (سُورَةُ الأَنْبِيَاءِ: 21/22)؛ أي لتصادمت النجوم وانفجرت، وتصادمت الذرّات ببعضها، ولأدّت أشعّة الشمس في الأرض إلى سلسلة من الفعاليات الإشعاعية لليُورَانْيُوم… ولَفنيَ كلّ شيء حيّ على وجه الأرض.

ويطلق علماء الكلام على هذا الاستدلال “بُرهان التمانع”، وهو يثبت أن الله واحد، ويستحيل وجود إلهين اثنين؛ فما من شيء تقوده يدان مختلفتان إلا فسد وإن بلغ في الصغر منتهاه كقيادة سفينة مثلًا، ولو أن لسيارة مِقودين وقادها سائقَان لاضطربت واصطدمت بغيرها نتيجة مثل هذه القيادة ولو كانت الطرق معبّدة ميسّرة، فالفساد هو مصير الكون لو أن إرادتين منفصلتين حرتين قامتا على إدارته وتنظيمه.

ونؤمن بأن قدرًا خفيًّا يسري في هذا الكون الهائل المنظم غاية التنظيم بدءًا من العالم الكبير “عالم المجرات”، فالمتوسط “عالم الإنسان”، فالصغير “عالم الذرات”؛ ولا بد لهذا النظام والتناسق والتناغم بين هذه العوالم من خطة علمية، ثم قدرة وإرادة لإخراجه من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ، ثم رقابة مستمرة وسيطرة، وهذا كله لا بد له من واحد أحد لا يشاركه في إرادته أحد، فالإنسان يرفض أن يتدخل أحد في شؤونه الخاصة وفي عمله وفقًا لما يسمونه “قانون الخصوصية”، فأنَّى لمخلوق أن يُشرِكَ نفسَه مع الخالق سبحانه في تنظيم الأمور المركّبة والمعقدة لهذا الكون الهائل؟!

الله سبحانه وتعالى منـزَّه عن المادة ومبرأ عنها، وهو سبحانه ليس ضوءًا ولا إشعاعًا ولا ذَرّةً، بل هو خالق لهذه الموجودات، فليس كمثله شيء.

وهذا معنى قولنا: لو أن إرادتين مختلفتين اشتركتا في خلق هذا الكون لفسد، ونحن نرى أن الكون منظّم غاية التنظيم بلا اضطراب ولا فساد، إذًا فصاحبُه ومالكُه وخالقه واحد أحد.

والآن لنتناول الموضوع بمنظار الضمير:

إن الحوادث الجارية من حولنا تُبَرهن لنا في أعماقنا وفي الواقع كذلك أن لا حول لنا ولا قوّة إلا بالله، فأنا العاجز الفقير أدرك عجزي وفقري فأرفع يديّ متضرِّعًا مُدركًا عجزي وفقري وكأني على خشبة مكسورة في خضمّ محيط هائج وأدعو: “يارب! يارب!” وأنا أشعر في أعماق قلبي بأن هناك من يسمَعني، ولن يسمعني إلا إذا كان سميعًا بصيرًا بكلِّ مكان وربًّا للعالمين، فيسمع ضراعتي ويسمع معها ضراعة نملة وحاجتها إليه سبحانه وابتغاءَها من فضله، فهو أقرب إلى النملة من نفسها؛ وتتبيّن هذه الحقيقة بأنه سبحانه يجيب دعاء من يدعونه جميعًا معًا في العالم كله، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ خَرَجَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَسْتَسْقُونَ فَرَأَى نَمْلَةً قَائِمَةً رَافِعَةً إِحْدَى قَوَائِمِهَا تَسْتَسْقِي، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ إِنَّ هَذِهِ النَّمْلَةَ اسْتَسْقَتْ فَاسْتُجِيبَ لَهَا”([1]).

كل ما في هذا العالم يتوجه إلى الله تعالى ويطلب منه حاجته ويدعوه ويتضرع إليه، وهو سبحانه يجيب دعاءَهم جميعًا، ويكشف لنا هذه الحقيقة فيقول: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ (سُورَةُ النَّمْلِ: 27/62)، ثم أليست ضمائرنا تشهد بهذا أيضًا؟

إذًا فالله تعالى سميع بصير بخلقه جميعًا في كل مكان، يسمع أصواتهم، ويرى أحوالهم، ويغيثهم ويتجلى عليهم جميعًا برحمانيته ورحيميته؛ فهو عظيم جليل عزيز غنيٌّ عمَّا سواه، وهو قادر على فعل كلِّ شيء وَحْده، يستوي عنده خلْقُ الجنة وخلق الرّبيع، وأساس هذا كلّه عظمته وجلاله ووحدانيته، وهو سميع بصير بخلقه أينما كانوا، وهو ليس بجسم يَشْغَل حيِّزًا في الفراغ أو في المكان، فهو قائم على أمر خلقه في كلّ مكان بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى إلا أنه مبرَّأ منـزَّه عن الكمّ والكَيْف، وهذا تجلٍّ من تجليات أحَديته وجماله ورحمانيّته ورحيميّته.

وإليكم هذا المثال: لو سُحِبَ ماء عيني ولم يعط لها الماء لَأُصِبْت بمرض جفاف العين، إذًا فهو يرى عيني كل حين؛ فيرطبها ليحفظها من المرض، فلا بد من وجود من يهبني العين لتكون وسيلة لي لأرى بها الأشياء وهو يرى عيني ويعلم ما تراه عيني لتتم كل هذه الأمور.

مثال آخر: يجب أن يكون هناك من يقوم بترطيب اللّقمة عند تناول الطعام لتُهضم، ويرسل الشفرات إلى معدتي ويحرك فكّي، ويرسل الغذاء إلى الخلايا المحتاجة بعدالة لتستمر حياتي، لذا نقول: “إن أسماء ربنا تتجلى علينا برحمانيته ورحيميته”، ولو لم يكن ربّنا سميعًا بصيرًا بنا أينما كنَّا لجفّت اللقمة في فمي ولنـزلت إلى المعدة وكأنها حجر صلد، ولَما توزّع الغذاء إلى الخلايا بعدالة، إذًا إنه سبحانه أقرب إلينا من أنفسنا، فهو بتجليات أسمائه الحسنى أقرب إلينا من حبل الوريد، ولكننا -بخصائصنا البشرية- بعيدون عنه بعدًا كبيرًا، فكيف نستطيع التوفيق بين هذين الأمرين؟

يستحيل وجود إلهين اثنين؛ فما من شيء تقوده يدان مختلفتان إلا فسد وإن بلغ في الصغر منتهاه كقيادة سفينة مثلًا.

وهاكم المثال التالي: ما أقربَ الشمس منَّا وما أبعدنا عنها، وهي شمس واحدة، لكنها تلاطف رؤوسنا كل يوم بإشعاعاتها المختلفة الأطوال، وتنضج لنا الثمار على الأشجار، ثم إن حرارة الشمس وضياءها وألوانها بمنزلة صفات مختلفة لها، فلو كانت لحرارتها قدرة، ولضيائها علم، ولألوانها السَّبعة صفات كالسمع والبصر لَكانت الشمس أقرب إلينا من أنفسنا ولَأمضَت ما تريد فينا. نعم، الشمس جسم كثيف مادّي، لكنّها تحتوي على الهيدْرُوجِين الذي يتحوّل دائمًا إلى الهيلْيُوم، وتنجم عن تحول ملايين الأطنان من الهيدروجين إلى الهيليوم طاقة كبيرة على شكل إشعاع وضوء يصل إلينا وإلى أماكن أخرى، والشمس أولًا وأخيرًا جسم ماديّ، أمَّا الله سبحانه وتعالى فهو منـزَّه عن المادة ومبرأ عنها، فالله تعالى ليس ضوءًا ولا إشعاعًا ولا ذَرّةً، بل هو خالق لهذه الموجودات، فليس كمثله شيء.

إن الله تعالى هو مُنوِّر النور، ومُصوّر النور، وخالق النور، فهذا النور منه سبحانه، فهو خالقه، وكل أنواع الأنوار والأضواء والحرارة والألوان بيده يصرّفها كيف يشاء، فإذا كانت هذه هي حال الشمس -وهي من خلقه سبحانه- فلا شكّ أن الله تعالى الواحد منذ الأزل يكون شهيدًا بصيرًا بكلِّ شيء في كل مكان.

الله تعالى واحد أحد، وهو أيضًا معكم أينما كنتم، لكن بعلمه وقدرته لا بذاته، ولا يلزم من هذا أنه تعالى يشغل حيزًا مكانيًّا كسائر الأجسام.

ثم إن الملائكة الكرام تكون في اللحظة نفسها في أماكن عدة، وكذا الجنّ، وكذلك يستطيع الشَّيطان الوسوسة لكثير من الناس في اللحظة نفسها رغم أنه شيطان واحد؛ فهو يستطيع نفث وَساوسه إلى كثيرين في اللحظة نفسها، أي يستطيع التأثير عليهم معًا.

فإذا كان لبعض مخلوقات الله تعالى -العاجزة- مثل هذه القابليات فلِمَ يُستبعد وجود الله بتجليات أسمائه في كل مكان وهو الحي القيوم الذي أوجد هذه المخلوقات؟

1 مصنف عبد الرزاق: 3/95؛ مصنف ابن أبي شيبة: 6/62.

المصدر: محمد فتح الله كولن، الرد على شبهات العصر