قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ) (رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه). بدأ غريباً، حينما دعا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الناس إليه. فلم يستجب إلا الواحد بعد الواحد. وحتى هاجر إلى المدينة المنورة رجاء أن يهيئ الله له من يؤازره في دعوته، وقد حقق الله رجاءه فأعز جنده ونصر عبده. وقامت دولة الإسلام وانتشر نورها في أرجاء الأرض. واستمر الأمر زمناً، ثم بدأ التفرق والتشرذم، ودب الوهن والتنازع والفشل. فعاد الإسلام غريباً كما بدأ، لكن ليس لقلة المسلمين فإنهم يومئذ كثير، وإنما لعدم تمسكهم بدينهم، واعتصامهم بكتاب ربهم، وتنكبهم هدي رسولهم صلى الله عليه وسلم. فوجد أعداؤهم المداخل عليهم، وتمكنوا من ديارهم ورقابهم، وهذه هي غربة الإسلام التي عاد إليها كما بدأ بها.

 لقد أصبح الإسلام غريبًا على الرؤى والأفكار سواء في تركيا أو في أي بلد إسلامي آخر.

 الصبر علي إنارة القلوب

أصبح الإسلام غريبًا على الرؤى والأفكار، سواء في تركيا أو في أي بلد إسلامي آخر، وبدا وكأنه منبوذٌ عن الحياة، ونابذَ العلمُ والتكنولوجيا الدينَ العداءَ، وخُدع الكثيرون، ومن ثم لا بدّ من معرفة المسائل الإسلامية والقرآنية والإيمانية معرفةً جيدةً.  لكن من الصعب إحلال هذه المعاني الإيمانية في بعض القلوب، ولذا ينبغي عدم الإكراه على تقبُّل الأمر الصعب والتعامل مع الناس رويدًا رويدًا؛ فالعمل على إنارة كل القلوب يتطلّب صبرًا بالغًا، ومنهجًا شاملاً. ويقتضي تأنيًا لا يمكن أدراكه أو استيعابه من أصحاب الفطرة المتسرعة، الأمر الذي يؤدّي في النهاية إلى تمزيق الحواجز بين العبادِ والمعبود جلّ جلاله”.

 خصائص وظيفة الإرشاد

أولًا: دراسة السُّبُلِ الموصلة إلى روح المخاطب. ثم تطبيق مبادئ دينُنا مثل التهادي، ودفع أي ضررٍ يقعُ على المخاطب، وبهذه السبل يجب التواصل معه. وحفاظًا على مرونة المسألة: ينبغي اتخاذ كل السبل المشروعة لِلْوُلُوجِ إلى قلبِه، ولا بد للذي نحدثه عن ديننا أن يتقبل صداقتنا له أولًا، فهذا عامل مهم وضروري في تقبله للأفكار المطروحة.

ثانيًا: المعرفة الجيدة للمستوى الثقافي والعقائدي لمخاطبنا، فمثلًا إن كان ما نقرؤه عليه من قرآن يؤدّي به إلى الفِرار منا وعدم التواصل معنا فلنتوقُّفِ في تلك الأثناء.  والحق أنني ذكرت مثال القرآن هنا تلميحًا إلى بعض الكتب الأخرى، فإن قراءة أي كتاب على من ليس عنده استعداد روحاني لهو خيانة خفيّةٌ لدعوة الإسلام. وإن كان كلُّ سطرٍ منه يفيض بالإلهامات التي تفتح الأرواح والقلوب.

إن قراءة أي كتاب على من ليس عنده استعداد روحاني لهو خيانة خفيّةٌ لدعوة الإسلام. وإن كان كلُّ سطرٍ منه يفيض بالإلهامات التي تفتح الأرواح والقلوب.

إن الله جل وعلا -عند إرساله الرزق للوليد في أيامه الأولي ـ يُجري له من ثديِ أمِّه سائلًا كالعصيدة “اللبأ” (غنيّ بالأجسام المناعية)، ثم يتحَوَّل إلى لبنٍ حليب، وكلّما كبرَ الطفلُ كلّما تغيَّرَ شكلُ الغِذاءِ الذي نقدّمه له، وهذا هو قانون الفطرة الذي يسري على تربية الروح وتغذيتها الروحية، إننا مضطرّون إلى أن نُدَقِّقَ في كل جملةٍ وحرفٍ ونقطةٍ من الأشياء التي أظهرها الله لنا في آياته التكوينية، ونوفِّق تصرفاتنا تبعًا لها”.

وأحيانًا لا يجري هذا التوفيقُ فيؤدّي ما نشرحه في سبيل التبليغ والإرشاد إلى ردِّ فعلٍ لدى المخاطبين، حتى إنكم إن وجدتم مناسبةً بعد ذلك وحدثتموهم بما كنتم تُحَدّثونهم قديمًا فلن يُجْدِيَ هذا الأمر شيئًا. فمن الأهمية بمكان الوقوف على مستوى الإدراك والاستيعاب لدى المخاطب، ويلخِّصُ “بديع الزمان”هذا الكلام بالمثلِ القائل: “لا تُلقوا اللحمَ أمام الحصان ولا العشبَ أمام الأسد”(بديع الزمان سعيد النُّورسي: اللمعات، اللمعة السادسة والعشرون، الرجاء السادس عشر، ص 368)، وهذا يعني أن نعاملَ الناس حسب احتياجاتهم.

———————————————–

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 21-23، بتصرف.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.