حتى وإن انهالت علينا الأموال من السماء مدرارًا، وتجمعتْ أمامنا تلالًا وأنهارًا فعلينا أن نقول: “هبّي أيتها الأموال من حيث شئتِ، فلا حاجة لي فيكِ، فلن يمكنك أن تنالي مني أو تنفذي إلى قلبي”.

كان بعض أهل الله يُنفقون أموالهم، ولا يُبقون مما يأتيهم من المالِ ولو درهمًا واحدًا لليوم التالي، وقدوةُ هؤلاء هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الْعَصْرَ بِالْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْصَرَفَ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ سَرِيعًا حَتَّى تَعَجَّبَ النَّاسُ لِسُرْعَتِهِ، فَتَبِعَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَدَخَلَ عَلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: “إِنِّي ذَكَرْتُ وَأَنَا فِي الْعَصْرِ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ كَانَ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَنَا فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِه“.. لقد كان طهره صلوات ربي وسلامه عليه ونورانيته يؤثران فيمن حوله إلى حدِّ أن الثراء لم يغيّر قط من أفعال وسلوكيات سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم.

بعض الناس قد يستهويهم المأكل والمشرب والدعة والخمول، ويقضون حياتَهم في غفلة.

ورسالة الاقتصاد لبديع الزمان سعيد النورسي مصدرٌ مهمّ في هذا الموضوع، فمن المفيد جدًّا قراءتها بين الحين والآخر حتى نعتاد العيش في أُطُرِ القناعة والاقتصاد؛ لأنه لا حدّ للعيش في رفاهية ونشوة وبوهيمية، فلو أسلم الإنسانُ نفسَه لمثل هذه الحياة فقد قضى عمره -حفظنا الله- تحت أسارة الجسمانية، ولذا كان الاقتصاد والقناعة قيمتين عظيمتين للغاية بالنسبة للجميع فقيرًا كان أو غنيًّا.

والقناعة لها أهمية أعظم بالنسبة لمن وهبوا أنفسهم لخدمة الإيمان والقرآن، فعلى مستخدمي هؤلاء الرجال أن يُقدروا لهم راتبًا يستعينون به على إعاشة أنفسهم وذويهم، وفي المقابل ينبغي لمن سلكوا طريق الخدمة أن يتحلوا بالقناعة والاقتصاد طوال حياتهم، وألا يعقدوا مقارنة بين حياتهم وحياة غيرهم، وأن يعوِّدوا أنفسهم على العيش بمرتب زهيد سواء كانوا داخل الوطن أو خارجه، فحصول غيرهم على مرتبات عالية لا يشكل مثالًا لهؤلاء الذين يحلّقون في أفق الخدمة والتفاني؛ لأن هؤلاء لا يفكرون في امتلاك منزل أو غيره، بل يكفيهم بيتٌ للإيجار يؤويهم هم وذويهم، ويتعيشون بما أفاء الله تعالى عليهم.

“هبّي أيتها الأموال من حيث شئتِ، فلا حاجة لي فيكِ، فلن يمكنك أن تنالي مني أو تنفذي إلى قلبي”.

هذا هو أساس التفاني، وما يُفسد هذا الأساسَ هو غبطةُ أصحاب المنصب، والتطلّع إلى مثل حالهم، فبعض الناس قد يستهويهم المأكل والمشرب والدعة والخمول، ويقضون حياتَهم في غفلة.. وقد يوسّع الله سبحانه وتعالى على البعض من دائرة مشروعة، فهذا أمرٌ آخر، لكن يجب على المستفيدين من إمكانيات الخدمة أن يتحرّوا الدقة والحساسية البالغة في هذا الأمر، فلا ينبغي لأحد أن يأخذ شيئًا ليس من حقّه.. فلقد ظلّ سيدنا أبو بكر الصديق رضوان الله عليه مدة خلافته لا يأخذ من راتبه إلا قدر الحاجة فقط، وما زاد عن ذلك كان يضعه في جرة، وحين الوفاة أوصى بتسليم هذه الجرة إلى الخليفة من بعده، فلما رأى الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذلك
لم يتمالكْ عبراته، وقال معبرًا عن عظمة سيدنا أبي بكر: “رَضِيَ اللهُ عَنْكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَقَدْ أَتْعَبْتَ مَنْ جَاءَ بَعْدَكَ”[8]، فَلِزامٌا على الأرواح المتفانية في زماننا أن تكون على هذا المنوال.

لو أسلم الإنسانُ نفسَه للعيش في رفاهية ونشوة وبوهيمية فقد قضى عمره -حفظنا الله- تحت أسارة الجسمانية.

فلا ينظرنّ إلى الإمكانيات التي حازها الآخرون أو الراتب الذي يتقاضونه، ولا تذهبنّ بهم الظنون أن يقولوا: “يبدو أن هذا هو حق هذا المقام وتلك المنزلة”، عليهم أن يعرفوا أن مثل هذه الظنون تأكل النعم الأخروية وتلتهمها وإن كان يلهث أصحابها حتى تتقطع أنفاسُهم في سبيل الله.