سـورة يـس | موقع الأستاذ فتح الله كولن

﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾(يس:20)
لنبين أولا بأن تعبير “أصحاب القرية” -أي أهل المدينة- قبل هذه الآية يشير إلى أن المكان الذي قصده المرسلون لتبليغ دين الله لم يكن بادية في الصحراء، بل كان من المدن المتحضرة بمقياس تلك الأيام. كان أهل المدينة قد رفضوا دعوة رسولين، فأرسل الله إليهم ثالثا لتأييدهما وتقويتهما. ولكن أهل هذه القرية الذين أصروا على عنادهم وتمردهم لم يكتفوا فقط بالإعراض عن هؤلاء الرسل، بل حاولوا قتل أحدهم وهو من قريتهم.
وهذه الآية التي نتناولها هنا تتحدث عن رجل رابع لتأييد الرسل الثلاثة السابقين، وتقول عنه إنه جاء إلى هؤلاء القوم من أقصى المدينة.
وقد تناول المفسرون منذ السابق تعبير “أقصى المدينة”بالتحليل والتفسير، وذهبوا فيه مذاهب شتى. وسنقوم بتناول ثلاثة أوجه من هذه التفاسير:
إن “أقصى المدينة”يعني: الطرف الآخر من المدينة، وأن هذا الشخص كان يسكن هناك.
إن “أقصى المدينة”يعني: الطبقة الراقية من المدينة، أي من طبقة أشراف المدينة. وفي دعاء “الصلاة المنجية”يرد تعبير: “أقصى الغايات”بمعنى أرفع الغايات وأسماها. أي أن هذا الشخص كان من علية القوم وكان يسكن في ضاحية المدينة، ومن الطبقة الأرستقراطية التي لا توجد لها علاقة حميمة مع أهالي المدينة.
إن هذا التعبير يشير إلى شخص بعيد من ناحية طراز التفكير والفهم عن أفكار قومه، وإنه كان ذا مستوى أرفع منهم. وكلامه وقوله ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ يدل على هذا الفرق في مستوى التفكير.
حسب التفسيرين الثاني والثالث فنحن أمام شخص له تفكير مستقل عن تفكير أهل المدينة، وفلسفة مستقلة، وشخص مخلص يسارع أهل المدينة إلى استشارته كلما حزبـهم أمر. ويقول المفسر “أَلْمَالِلِي حَمْدِي”في تفسيره بأن هذا الشخص عندما حاول أهل المدينة قتله قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (يس: 26-27)
وإذا تناولنا هذا القول بالتحليل قلنا بأن هذا الشخص كان على الدوام يطوي بين جوانحه حب قومه وتمني الخير لهم، ولم يحمل ضدهم حقداً أو ضغناً، أو رغبة في الانتقام منهم. على العكس من هذا كان يحمل عاطفة الرحمة حتى لأعدائه، وكان يتمنى أن يصلوا إلى السعادة التي وصل هو إليها، وبأسلوب نبوي أراد أن يشرح وللمرة الأخيرة وضعه لهم.
والحقيقة إن هذا الطراز من التفكير والسلوك هو طراز وتفكير المخلصين في كل عهد وزمان. فها هو سيد المرسلين صلىوسلمل يدعو الله وقد كسرت رباعيته في معركة أحد وبدأت الدماء تسيل منها ويقول: “اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون”.
ونستطرد هنا فنقول بأنه مهما بدا أن دعاء نوح عليه السلام على قومه ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلى الأَرْضِ مِنَ الْكافِرينَ دَيَّاراً﴾ (نوح: 26) يناقض ظاهريا ما قلناه آنفاً، إلا أنه ليس كذلك، لأنه من المحتمل أن نوح عليه السلام قال هذا على اعتبار ما سيكون، وأنه كان يعرف طبيعة ذلك المجتمع الذي قضى فيه كنبي أعواما طويلة، ويحتمل أنه حدس الرغبة الإلهية، أو أنه أوحي إليه هذه الرغبة والمراد الإلهي فقال ذلك الدعاء. لأن هذا هو الخلق العام للأنبياء العظام في الغالب.
ثم يجب الوقوف حول عما إذا كنا نحمل هذه القصص محمل الحقيقة أم لا. لأننا نعتقد أن هذه القصص ليست قصصاً رمزية، بل هي حوادث وقعت حقيقة، ونقلها القرآن لنا.
ثانياً إن الله تعالى بقصه علينا هذه القصص يشير إلى بعض الحقائق الكونية الجارية حتى قيام الساعة. أي هي جارية منذ وجود آدم عليه السلام حتى آخر رجل في هذه الدنيا. لأننا عندما ننظر إلى العناصر التي يستعملها القرآن نراها غير مختصة بزمن معلوم أو مكان معلوم. وهذا هو المنتظر أصلا من كتاب كوني. ولكن لكي نستطيع النظر إلى القرآن هذه النظرة يجب متابعة آياته ضمن إطار خاص. بل يمكننا القول إن هذا هو الشرط الوحيد للاستفادة الحقيقية من القرآن. والشيء الآخر إن الآيات سواء كانت في حق الكافر أو المنافق أو اليهود أو النصارى، وكانت أسباب النـزول تشير إلى هذا الأمر أو ذاك، فـإن كل فـرد -وهو يقيم علاقات عقلية ومنطقية وشعورية ووجدانية مع نفسه ومحيطه في زمان أو في مكان معين- يستطيع تلقي رسائل غضة وجديدة من القرآن ويحسها في أعماق نفسه. وبتعبير آخر فعلى الفرد أن يقول لنفسه: “صحيح إنني لست بنبي، ولكني أشعر أن آيات القرآن البالغة ستة آلاف ونيف وكأنها قد نـزلت عليّ”. وفي نهاية المطاف أليس هذا هو روح القضية وأساسها؟ وهل يمكن حصر الله تعالى -حاشا لله- في زمن أو مكان معين؟ إذن فالقرآن الكريم الذي هو تجلي صفة الكلام عنده تعالى كما خاطب الرسول صلىوسلمي فكأنه يخاطبك ويخاطبني كذلك، ويخاطب كل من يأتي بعدنا. أي هو يخاطب الإنسانية جمعاء. وهذا الأمر مهم من ناحية شمولية القرآن وكونه فوق الزمان والمكان. وإلا فإن الإنسان ينظر إلى هذه الحوادث الواردة في القرآن وكأنها قصص ماضية. ومثل هذه النظرة في قراءة القرآن تقلل نسبة الاستفادة منه كثيراً.
والآن لنرجع إلى الآية الكريمة مرة أخرى: إن الحادثة المبينة هنا جارية بنظائرها وبأمثالها حتى يوم القيامة. ونستطيع عد أمثال أبطال هذه الحادثة الموجودين في كل عصر، بدءً من مؤمن آل فرعون إلى سيدنا أبي بكر رضي الله عنه، ومن حبيب النجار إلى شهود كل عصر، ومنهم إلى شهود عصرنا. منهم شاهد عصرنا الذي أتى إلى اسطنبول من أقصى البلاد حاملاً معه حلولاً ومقترحات متعلقة بمستقبل الإسلام. وهو في هذا لا يبتغي أجراً من أحد ولا شهرة ولا غنيمة، بل نراه مثالا للإخلاص والتضحية والصدق إلى درجة أنه يقول: “لو شاهدت سلامة إيمان أمتي، فإنني أرضى أن أحترق في نار جهنم لأنه بينما يحترق جسدي فإن قلبي سيمتلئ سعادة وحبوراً”. وكم من أمثلة أخرى هناك في الداخل وفي الخارج… أمثلة أخرى على نفس النمط وعلى نفس المقياس من الالتزام بالمبادئ والمثل والتضحية في سبيلها.
ويذكر القرآن الكريم حادثة أخرى جرت في عهد موسى عليه السلام أيضا. وتحمل تلك الحادثة وهذه الحادثة خطوطاً عامة مشتركة. في تلك الحادثة نرى فرداً من آل فرعون، أي من المنتسبين للقصر الفرعوني ومن الطبقة الأرستقراطية عندما يعرف نيتهم في قتل موسى عليه السلام لا يملك نفسه من الصراخ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللهُ﴾ (غافر: 28).
ففي ذلك الوسط لم يكن من الممكن لشخص من عامة الشعب الوقوف ضد قتل موسى واغتياله عليه السلام.
وفي تاريخ السيرة النبوية نرى البطولة نفسها عند أبي بكر الصديق رضي الله عنه. ففي أثناء قيام المشركين بتعذيب المسلمين حتى الموت، كان أبو بكر الصديق -وكان من الطبقة الأرستقراطية لمكة- يقول العبارة نفسها: “أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله”.
إذن فالحوادث التي يبينها القرآن تتكرر على مر الزمن تحت صور مختلفة ولكن بالماهية نفسها.

مقدمة الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.