سـورة لقمان | موقع الأستاذ فتح الله كولن

﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾(لُقْمَان:17)
في هذه الآية يسرد القرآن الكريم بالتسلسل أموراً أربعة مهمة: إقامة الصلاة، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، والصبر على المكاره.
الصلاة رأس جميع العبادات، وعمود الدين في الإسلام. والأمر بالمعروف من مؤيدات الدين. وعندما يدخل الشخص في محاولة إصلاح أخطاء المجتمع متجاوزاً استعداداته الشخصية ومسئوليته الفردية فلا بد له من مواجهة العديد من الغوائل والمكاره. وكل من يرى أنه سيضطر على ترك ما تعود عليه منذ سنوات طويلة، وكل فرد أو مؤسسة ترى أن مصالحها ستتعرض للخطر… كل هؤلاء سيقفون في وجهه ويقومون بالضغط عليه. في مثل هذه الظروف على المؤمن أن يصر على المقاومة، وأن يحافظ على خط سيره. وإذا نظرنا إلى التاريخ من هذه الزاوية رأينا أمثلة عديدة على هذا الأمر. وفي مقدمة هذه الأمثلة نرى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لم يهتز أمام المصاعب التي واجهته وهو يقود نضاله الكبير، حتى عندما كان وحده، واستمر في طريقه بكل ثبات وبكل صبر.
إذن ففي كل مرة يرد أمر تطبيق الإسلام ومعايشته في واقع الحياة بمعناه الحقيقي، ودعوة الآخرين له يرد موضوع الصبر. وهناك آية أخرى تبين هذا الأمر بشكل أوضح وهي ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ (البقرة: 45).
أي استعينوا بكل أنواع الصلوات وبكل أنواع الصبر والتجئوا إليهما واستمروا في طريقكم. وفي الحقيقة فإن الاستمرار كل يوم على الصلوات الخمس، وعلى أداء أربعين ركعة يوميا، والثبات عليها نوع جيد من أنواع الصبر. فهذه العبادة الكبيرة تكون ثقيلة جدا على غير الخاشعين ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ (البقرة: 45).
والآية هنا تؤكد بأن الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان وارداً ومطلوباً في الأمم الأخرى كذلك، وهذه الحقيقة تقدم هنا بصيغة خطاب لأحد المؤمنين. والظاهر أن لقمان عليه السلام عندما قال في البداية ﴿يَا بُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِاللهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13) كان يريد حفظ ابنه وصيانته عن أكبر المنكرات وأكبر الموبقات، ثم ذكّره بأهم ركن من أركان الإسلام، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو جانب من الجهاد المطلوب من كل فرد في كل زمان والغاية من وضع موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجانب أهم عبادة “وهي الصلاة”هو للتنبيه ولجلب الأنظار ولتأسيس التوازن الشرعي المطلوب.
أما إذا أتينـا إلى وصية ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَـزْمِ الأُمُورِ﴾ (لقمان: 17) فهي لبيان مسؤولية شخصية مستقلة من جانب، وتنبيه إلى وجوب اليقظة لما ستجر الوظيفتان السابقتان من متاعب ومن مشاكل.

مقدمة الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.