يستحيل إقامة عالم بالمستوى المنشود بالحرب والضرب وسفك الدماء، ولو حدث لاستحال أن يحظى بالقبول، ولم يغيِّر هذه النتيجةَ إلباسُ عمليات العداء والاحتلال التي وقعت بالأمس لباسًا آخَر مموَّهًا تمويهًا لا ينطلي على أحد اليومَ. أجل، لقد غدا “الصليب” المعتدِي الوحيد بالأمس رفيق “الهلالِ” اليوم، وما زال الأمرُ هكذا؛ وهذه الفعال القبيحة الـمُرائية ستنال نصيبَها من خلال ردود الفعل والاعتراض على كلِّ ما هو سيئ، فمن المفيد أن نكرّر بشكل واضح قاطع أنّ كلَّ نظام يُقام باستخدام القوة الغاشمة سرعان ما ينهار، وأول من سيرزح تحت أنقاضه صانعوه.

فمن المفيد أن نكرّر بشكل واضح قاطع أنّ كلَّ نظام يُقام باستخدام القوة الغاشمة سرعان ما ينهار، وأول من سيرزح تحت أنقاضه صانعوه.

وفي المثل “الجزاء من جنس العمل”، ومن بنى على أنقاض ما هدم غارَ به وتحطَّم؛ واليوم لو تأمّلنا ما حولنا في ضوء قضيّة تكرّر الأحداث التاريخيّة لبدى لنا ما ينتظرنا في المستقبل أكثر وضوحًا.

نحو عالَم جديد

أجل، إن العالم في طور إعادة الهيكلة حتى وإن لم يكن كما يصوّرونه اليوم، سيتحقق هذا بلا ريب حين يحين وقته، غير أن مَن سيضطلع بتحقيقه ليس من يقف على خشبة المسرح الآن بل من هم خلف الستار يرتقبون نضج الأحداث، هؤلاء هم من سينشئون عالـمًا في مناخ من التسامح والرأفة والمودة، بدلًا من عالمٍ منصهر بالحقد والبغض… وفي هذا الطور من إعادة الهيكلة ستقبل الإنسانية راغبةً مُحبِّذَةً رؤيتهم.

إن أصحاب العمل والجهد الذين رفعَهُم الضمير المجتمعي العام على عرش القلوب بانشراح وسرور سيخلّفون آثارًا باقية، وستخلد آثارهم على مر العصور والأزمان ولو صاروا رُفاتًا.

 فإن أصحاب العمل والجهد الذين رفعَهُم الضمير المجتمعي العام على عرش القلوب بانشراح وسرور سيخلّفون آثارًا باقية، وستخلد آثارهم على مر العصور والأزمان ولو صاروا رُفاتًا، إنني على يقين أنّ ما ينبغي القيام به اليوم هو هذا الضرب من الخدمة، وعلى قناعة تامّة بأنّ أحلام المستقبل الربيعية العطرة لن تتحقق إلّا في ظلّ مثل تلك الجهود والأنشطة؛ لذا أوصي إخواني وأصحابي المقرّبين أن ينهضوا بأعمالٍ وأنشطة مفيدة خالدة، لا بجهودٍ موسمية يسيرة مؤقّتة لا تَعِدُ بمستقبل، بل إنني لن أتوانى عن تكرار النصائح نفسها ما دام فيّ عِرْقٌ ينبض.

المصدر: محمد فتح الله كولن، الموشور، دار النيل، مصر، 2015، ص53.

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.