لا بد لسلامة تربية الجيل المنشود من إلقاء البذرة في تربة صالحة، ثم تعريضها للهواء النقي والأشعة النافعة، وريّها بالماء النقي، وتعهّدها بالرعاية، ويؤيد هذا ما ذكره سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه اعتمادًا على حديثٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ”[1].

تدابير قبل الولادة

لا بدّ من أخذ كافّة التدابير اللازمة والطفلُ لا يزال في بطن أمّه، فإن غذاء الصغير بعد التقاء مَنيّ الرجل ببويضة المرأة، وتصرّفات أمّه، وسلوكيّات أبويه قبل الولادة وبعدها… لكل هذه الأمور أثر كبيرٌ في سعادة الطفل أو شقاوته.

الشَّقِيُّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ، وَالسَّعِيدُ مَنْ سَعِدَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ

ويجب أن نعلم جيّدًا أنه لا جدال أن القَدَر يُراعى فيه إرادتُنا وتصرفاتُنا؛ فكلّ تصرُّفٍ نتصرّفه وكل خطوةٍ نخطوها وما يتولّد عنها من نتائج، كل هذا وأكثر يعلمه الله سبحانه وتعالى، وقد قدّر سبحانه الأشياء تقديرًا راعى فيه إرادتنا، فرُبَّ طفلٍ ساء حظُّه من حيث الوسط الذي نشأ فيه والأسباب التي تحيط به، لكن الله بفضل منه ومنّة حوَّل حالَه إلى أحسن حالٍ.

علينا ألا نستهين بأثر اللقمة الحرام وفسق الأبوين في شقاوة الطفل وهو ما يزال بويضةً في بطن أمه

نقاء البذرة

أجل، كلّ شيءٍ يبدأ من اللحظة التي تُلقى فيها البذرة، فلا نستهين بأثر اللقمة الحرام وفسق الأبوين في شقاوة الطفل وهو ما يزال بويضةً في بطن أمه، فإن أُلقيت البذرة دون تسمية الله، فأمرُ نشوء الثمرة مباركةً موكولٌ إلى لطف الله وإحسانه، فمن الصعب -إن لم يكن محالًا- أن نحصل على نتيجةٍ سليمةٍ من عملٍ معوجّ، ولا نقول محالًا، لأنه قد يخرج من أصلاب غير الموحّدين -أحيانًا- مَن يعبد الله، كما خرج سيدنا “عكرمة” من ظهر “أبي جهل”.

ويقول الحقّ سبحانه وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 7/189)، فبينما تكشف هذه الآية الكريمة عن بعض الرغبات التي يمكن أن تكون لدى الوالدين قبل ولادة طفلهما فإنها ترشد في الوقت ذاته إلى ضرورة أن يتوجّها إلى الله رغبةً في الولد الصالح.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1] الطبراني: المعجم الأوسط، 3/107، وانظر: سنن ابن ماجه، المقدمة، 7.

المصدر: فتح الله كولن، من البذرة إلى الثمرة، دار النيل للطباعة والنشر، 2015، ص 65/66

ملحوظة: بعض العناوين وبعض العبارات من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.