سؤال: ما معنى الجهاد ؟ وهلّا تفضلتم بتعريف الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر؟

الجواب: الجهادُ يعني السعيَ وبذلَ الجهد وتحمُّلَ شتى أنواع المشاقّ والصعوبات، إلّا أن الجهاد قد تطوّر معناه مع مجيء الإسلام، وصار عَلمًا على مجاهدة النفس والشيطان، والتصدي للأخلاق السيئة والسلوكيات الذميمة، ومحاربة الأعداء عندما تقتضي الضرورة ذلك، فضلًا عن الحذر والتنبّه والوقوف دائمًا على أهبة الاستعداد،

وجاء في حديثٍ شريفٍ -كما سنرى لاحقًا- أن الجهاد ينقسم إلى قسمين هما: الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر.

ولكن قبل أن نُعرِّج على هذين القسمين أودّ أن أقفَ قليلًا على أهمية الجهاد.

ليست هناك وظيفة أسمى من وظيفة الجهاد، ولو كان هناك أسمى منها لكُلّف بها الأنبياء، ومن ثمّ فَمَنْ كلّفهم الله بهذه الوظيفة هم أشرف الناس، والملائكة التي حملت ونقلت هذه الوظيفة إلى الأنبياء هم أشرف الملائكة، وعلينا أن نعرف -أوّلًا وقبل كلّ شيءٍ- أنّ أغلبَ المصطفَين الأخيار من لدن آدم عليه السلام حتى يومنا هذا -أنبياءَ كانوا أم أولياء- ما بلغوا هذه المرتبة من الاصطفاء إلا بفضل الجهاد ومحاسبة النفس.

إن الجهاد هو عملية وصول الإنسان إلى ذاته، أو إيصال الآخرين إلى ذواتهم، فهو -من أحَدِ جوانبِه- بمثابة الغاية من خَلْقِ الإنسان، ولذا فهو يحمل أهمية عظيمة، وله قيمةٌ مقدّسةٌ ومبجّلة عند الله تعالى.

فهناك بَونٌ شاسع للغاية لا سبيل إلى تسويته بالأعمال الأخرى بين مَن يتخلفون عن الجهاد بلا عذر ألبتة وبين المجاهدين الذين يقضون حياتهم في هذا السبيل، وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة:

﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/95).

فلا يمكن أن يتساوى مطلقًا مَن يجاهدون في سبيل الله ويتّخذون من تبليغ الدعوة منهاجًا ونبراسًا لهم مع غيرهم، ولنوضح هذه المسألة ونبسِّطها بالمثال التالي:

النبوة هي وظيفة كلّف الله بها بعضَ المصطفين من الناس، وعلى ذلك فمهمّتهم هي التعريف بالله وتبليغ الدين الذي جاؤوا به، وهذه المهمة هي ما تستلزمه وتقتضيه وظيفة النبوة، إن الناس يضطلعون بوظائف متعدّدة تستلزم مَهامّ متعددةً كذلك؛ فالحلاق والنجار والسرّاج أو أيُّ صاحبِ مهنةٍ لهم أهداف وغايات يعتبرونها النقطة المثلى بالنسبة لهم، ويجب ألا ننسى أن كلّ مهنة من هذه المهن وما تتطلّبه من مهامّ تُقيَّمُ بالنظر إلى هدَفِها المنشود، بمعنى أن قيمة مهنة الحلاقة تُقدَّرُ بغاياتها وأهدافها النهائية، وهكذا الخياط والسرّاج.

وإن شئتم ففكّروا في مهن أرقى، فلو اعتبرنا نيابة البرلمان أو رئاسة الوزراء أو رئاسة الجمهورية مهنةً فما قرّرْناه سابقًا يسري على هذه المهن أيضًا، وكل هذه المهن تُقيّم وفقًا للنتيجة التي سيتم التوصّل إليها في النهاية.

والآن تأمّلوا في وضع الإنسان من حيث بداية كلّ شيءٍ ونهايته، فالإنسان بدايته نقطة ماء قذرة نضطرُّ إلى غسْلِها إذا ما سقطت فوق ملابسنا، ونهايته جُثَّةٌ نَتِنَةٌ… أليست هذه هي بداية الإنسان ونهايته؟ وهذه هي آخر نقطة يصل إليها الناس أيًّا كانت وظائفهم ومهماتهم، بيد أن وظيفة النبوة ليست هكذا قطعًا؛ ففي أهدافهم أفق ونقطة مثالية، غير أن هذه النقطة لا تفسد أو تتعفن كما يحدث عند الآخرين.

إن الهدف المنشود عبرَ وظيفة النبوة هو:

تعريف الإنسان بالله، ووصول الإنسانية إلى الخلود بواسطة هذه المعرفة، وهذا يتحقَّق بأن يرجع الإنسان -الذي استهلّ الفرشية عند ميلاده- مرة أخرى ويصلُ بالعرشية إلى الله… ثم كشف الإنسان تجليات البقاء في هذا العالم الفاني، واستشعاره بألوان الوجود في الفناء؛ حتى يصير بأفكاره قوسًا لألوان الطيفِ مرشَّحًا للخلود والبقاءِ… وقوس ألوان الطيفِ يُشْبِهُ قوسَ النصر، إلا أن الأخيرَ يمرّ الناس من تحته دفعةً واحدةً، أما قوس ألوان الطيف الأبديّ فبسبب رقَّتِهِ وشفافيّته يظلّ الإنسان يسير تحته ساعاتٍ وساعاتٍ ولا يمكنه أن يتجاوزه، وهكذا فقد جاء الإنسان مرشّحًا لهذا الخلود، وما استطاع أن يفجّر هذا الشعور وتلك الحقيقة الكامنة في ماهيته إلّا الأنبياء الذين يحملون وظيفة النبوّة على عاتقهم.

 ومن ثمّ فإن وظيفةَ النبوّة هي أقدس وأنزه الوظائف، حتى إن الحقّ جلّ وعلا قد لفتَ الأنظار بعد ألوهيّته إلى تلك الوظيفة، وهكذا فالجهاد هو أقدسُ مهمّة في تلك الوظيفة القدسية، وبما أن كلَّ مهنةٍ من هذه المهن وما تتطلّبه من مهام تُقيَّم وفقًا للهدف المنشود فإن الوسيلة التي توصِل إلى ذلك الهدف الـمُقدَّس هي أيضًا على نفس المستوى من القدسيّة.

وبسبب أهمّيّة الجهاد أثنى القرآن الكريم على تلك الجماعة التي بايعت الرسول صلى الله عليه وسلم على الجهاد وعاهدته على ذلك، يقول تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (سُورَةُ الفَتْحِ: 48/10).

وفيما يلي خلاصة الحادثة التي نزلت فيها هذه الآية:

بشر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بدخول مكة والطواف حول الكعبة، فبات الجميع في فرحٍ وسرورٍ، فمنذ سنين وقلوبهم تهفو حنينًا إلى مكة ورؤية البيت الحرام.

وكيف لا؟ فلقد عشقناها نحنُ وتُيِّمنا بحُبِّها برؤيتنا لها مرّةً أو مرّتين، وتتألم قلوبنا شوقًا ولَـهَفًا لـمّا يتعذّر علينا الحجّ إليها، إنها مسقط رأس سيّد الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وإن أوّلَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ على وجه الأرض هو في تلك البقعة المباركة من البيت الحرام.

إن هذه الكعبة كما قال الشاعر “نابي” هي مطاف القدسيّين والملائكة من الأرض إلى سدرة المنتهى.

أجل، كان يعتَصِرُ المسلمين شوقٌ عارمٌ إلى هذا البلد الأمّ الذي وُلدوا وترعرعوا فيه، والذي تهفو أرواحهم للوصال به، ثم الطواف بالكعبة التي يطوف بها القدسيون، والعودة كرةً أخرى إلى المدينة التي آوتهم وفتحت أبوابَها لهم، غير أنهم فوجئوا بحادثةٍ لم تكن في حسبانهم؛ فقد أعلن مشركو مكة رفضَهم لدخول المسلمينَ حاجّينَ هذه السنة، وأنّهم لن يتهاونوا في محاربة من يُحاولُ الدخول عنوةً… لقد أحدثت هذه الواقعةُ المفاجئة وقعًا كبيرًا بين المسلمين؛ فلا أحدَ يريد أن يصدّق ما سمعه؛ حيث كانوا يعتبرون أن هذا الصدَّ من المشركين بمثابة ضربةٍ قويّة موجّهةٍ إلى صدر الإسلام وعزّته، فثارت ثائرتهم، واستشاطوا غضبًا، إلى أن بلغَ السيل الزُّبى، ولم يعُدْ أحد يسمع للآخر، وكأنّ كلَّ واحدٍ منهم قد أصيب بالتخبُّط والتعثُّر من هول المفاجأة.

في تلك الأثناء تمامًا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى البيعة، وعندما تُذكَرُ “البيعة” تقفُ المياهُ الجارية، وتكفُّ عن خريرها أدبًا؛ فالآن يصطفُّ المسلمون ويبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يشدُّون على يده، ويبايعونه على الولاءِ الـمُطلَق، وعلى الموت، ولقد بجّل القرآن الكريم هذه البيعة وذلك العهد، وأشار إلى مدى درجة قرب هؤلاء الصحابة من الله بسبب صنيعهم هذا، وهذا أيضًا مظهر آخر للقيمة التي أولَاها الإسلام للجهاد…

﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (سُورَةُ التَّوْبِةِ: 9/111).

فهؤلاء أناسٌ باعوا أنفسهم وأبدانهم وكلّ ما يملكونه مقابل الجنة ونيل رضا الله تبارك وتعالى، ولقد عبَّر القرآن الكريم عن ذلك الصنيع بالبيع والشراء، وهذا مقام يرقى بالإنسان إلى مستوى يستطيع من خلاله معاملة ربه عز وجل.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ الله، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ”[1]، فمن يدري كم من المرات كان من الممكن أن يكرر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول إن لم يخش الإطالة في الكلام!

وبإمعان النظر قليلًا يتّضِحُ لنا أنّ هذا القول فيه معنى الخلود، وهو ما يمكن استنباطه من قوله: “ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ”.

تأمّلوا جيّدًا… إن الذي يطلب هذا هو سلطان الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، فما عرف المسلمون قيمة الجهاد إلا من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، يقول الرسول الأكرم صلوات ربي وسلامه عليه:

“رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ الله خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا”[2].

ولكم أن تتأمّلوا! يومٌ يُرابِطُ فيه الإنسانُ على ثغورِ بَلَدِهِ، مُتَصدّيًا لأيِّ خطرٍ محتَمَلٍ أو عدوٍّ يهدّد أمنَها خيرٌ له من الدنيا وما فيها، فلو قال إنسان: إنني بمرابطتي على ثغور بلدي أقوم بمهامٍ أهم من مهام الكعبة فلا يُعَدُّ كاذبًا؛ لأن الكعبة تدخل أيضًا ضمن قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “خَيرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيهَا”.

وفي رواية أخرى يقول عليه الصلاة والسلام: “رِبَاطُ يَومٍ وَلَيلَةٍ خَيرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيهِ رِزْقُهُ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ”[3].

وثمّةَ أحاديث وآيات كثيرة عن فضل الجهاد وأهمّيّتِهِ، إلا أننا نكتفي بهذا القدر لأن هذا ليس بموضوعنا الآن.

الجهاد هو محاولة الإنسان للوصول إلى حقيقة ذاته، باستغلال قوته، وإرهاق نفسه، وتحمّل كل المشاق التي تعوق جريان الحياة، وهذا هو الجهاد الأكبر، أما عملية إيصال الآخرين للتكامل مع ذواتهم فهو الجهاد الأصغر.

لما أفلَ النبي صلى الله عليه وسلم عائدًا منتصِرًا من إحدى معارِكِه قال مخاطبًا صحابته: “قَدِمْتُمْ خَيْرَ مَقْدَمٍ، وَقَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأَكْبَرِ”، قَالُوا: وَمَا الْجِهَادُ الأَكْبَرُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: “مُجَاهَدَةُ الْعَبْدِ هَوَاهُ”[4].

وهذا القول يعبّر عن وجهين مختلفين لحقيقة واحدة، فكلاهما فيه تزكية للبشرية ومحاولة للوصول بها إلى الكيفية التي يبتغيها ربنا تبارك وتعالى، وعلى ذلك فالجهاد بنوعيه الأصغر والأكبر يعبّر عن وجهين مختلفين لحقيقة واحدة.

أوَليس وصول البشرية إلى تلك الماهية هو الهدف المنشود من إرسال الرسل عليهم السلام؟! كما قال ربنا جلّ وعلا في كتابه الكريم:

﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/151).

لقد أُرسل الرسل عليهم السلام لرفع الغشاوة عن أعين الناس، وإعانتهم على قراءة آيات الله تعالى، وعند تَـحَقُّقِ تمامِ ذلك تتقوّض جميع العراقيل والعقبات في قلوب الناس وأفئدتهم، وتتغيّر النظرة برمّتها إلى الحوادث والأشياء، وتكتسب الحياة التي صمّ الناس فيها وعموا قيمةً ومعنًى بفضل النور الذي جاء به هؤلاء الأنبياء، أجل، إن قراءة الآيات التكوينية وفهمها لا يتأتى إلا بهؤلاء الرسل.

فالنبي هو من يعمل على تزكية الناس وإيصالهم إلى ذواتهم؛ لأن الناس بحاجة إلى معالجةٍ خاصّةٍ كالمعادن، فلا بدَّ من إذابتهم في بوتقة معيّنة؛ حتى يحصلوا على الهوية المطلوبة بما يطرحونه من نفايات عالقة بهم وأشياء غير نافعة لهم.

أما الهوية المطلوبة فلا جرم أنها الهوية التي يرتضيها الحقّ جل وعلا، ولا يتحقّق الوصول إليها إلا بإرشاد الرسل، فمن المتعذّر مطلقًا أن نصير كالفضّة الخالصة أو الذهب الخالص إلا بالدخول في منجم الإذابة والاتصال بالله.

وهناك أمرٌ لافتٌ للنظر في هذه الآية، ألا وهو تعليم النبي للكتاب والحكمة، فلو كان المقصود بالكتاب هنا القرآن فهذا يعني أن الحكمة غير القرآن؛ لأنه لا يجوز أن نكرّرَ نسبةَ الشيء إلى نفسه، ومن ثم نفهم أن الحكمة هي السنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة والتسليم.

وفوق ذلك سيظلّ النبي يعلمنا ما لم نكن نعلمه حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهذا الخطاب ليس حِكرًا على إنسان عصر النبوة، بل يُفهَمُ منه أن هناك كثيرًا من الأمور سيظل الناس يتعلمونها من الأنبياء حتى يوم القيامة.

إننا تعلمنا من رسولنا عليه الصلاة والسلام -فيما يتعلق بحياتنا الشخصية- سُبُلَ تطهير القلب، حتى نشأ بين تلامذته صلى الله عليه وسلم من هم أمثال سيدنا علي كرم الله وجهه الذي تُعزى إليه مقولة: “لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقينًا”، ومن حدسوا الأسرار في السماء وهم على الأرض كالشيخ الكيلاني، والآلاف ومئات الآلاف من أمثال الفضيل بن عياض وإبراهيم بن أدهم وبشر الحافي… كل هؤلاء كانوا ثمرات مباركة لهذه التربية العظيمة، فلو كان هناك نبوة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لحلّق كلُّ واحدٍ منهم في سماء النبوة كما حدث في عهد أنبياء بني إسرائيل.

أجل، كثيرةٌ هي الأمور التي علّمها النبي صلى الله عليه وسلم للبشرية وسيظلّ يعلّمها، لقد تعلّمت البشرية منه صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المسائل المعجِزَةِ للعقول حتى الآن، فلن يُكتب للبشرية النجاة في المستقبل من ظلمات الجهل إلا بفضل النور الذي جاء به، وعندها ستتقدّم البشرية بين هالات من الضياء حتى تحيط بكل الأنوار، وسترتقي بالمعارج النورانية إلى ذرى العلم والفن والتقنية.

إن النهجَ النبويَّ هو النهجُ الذي وَرَّثهالنبيُّ صلى الله عليه وسلم لرجال الدعوة من بعده، وعهد إليهم بتزكية الناس، والوصول بهم إلى درجات الكمال، وإيصالهم إلى ذواتهم؛ حتى يبلغوا درجة يرتضيها خالقهم سبحانه وتعالى، ولا يتأتى تحقيق هذه النتيجة إلا بالجهاد؛ يعني إزالة الموانعِ والحواجز بين العباد وربّهم.

إن وظيفة الجهاد تتساوى مع وظيفة الشهادة على وجود الله، ففي المحكمة نستمع لأقوال الشهود حتى نعلم مَن صاحب الحق، ولا جرم أن هذه الشهادة يُعتدّ بها عند صدور الحكم، وهكذا يفعل المجاهدون أمام الملإ الأعلى عندما تنعقد المحكمة للجهلاء المنكرين لوجود الله، يرفعون عقيرتهم بالصياح شاهدين على وجود الله، ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 3/18).

أجل، إن الله يشهد على وجوده، ومن يصلون إلى هذه الحقيقة في ذواتهم يشعرون بها، لدرجة أن الكتب جميعها تعجز عن شرح ما يشعرون به في أفئدتهم.

والملائكة شهداء على وجود الله، خلقهم الله من ماهية صافية، وفطرة نقية لا شائبة فيها، ومن ثم لم يستطع الشيطان إغواءهم أو تضليلهم، فلم تفسد بنيتهم ألبتة، فهم كالمرآة عند النظر إليهم تتراءى تجليات الحق سبحانه وتعالى.

وأولو العلم شهداء أيضًا على وجود الله، ولو أنكرت الدنيا بأسرها وجود الله لكفت هذه الشهادات الثلاث.

أجل، إننا نستشعر هذه الحقيقة بكل ما فيها من وضوح وعظمة في أفئدتنا، نستشعر بها دون حاجة إلى التنقيب عن دليل آخر، وهذه الشهادة كافية للملإ الأعلى، وإن كان العمي والصم على الأرض لا يسمعون قعقعة الكون ولا يدركون صنعة الله فتكفيهم شهادة أولي العلم على ذلك.

إن شهداء الله سيتَّجِهون إلى أكثر الأسقاع ظلامًا على الأرض والتي تنكر وجود الله، ويصيحون بأعلى أصواتهم: “نحن شهداء الله على الأرض”.

أجل، هكذا جاء الرسل مشحونين باستعداداتٍ عالية حتى يُؤدوا مهمّة الشهادة.

﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا $ لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/165-166).

لقد أشرقَ الأنبياء في كل الأمم كالشموس التي تُنيرُ الآفاق، فالعهود تدور كما تدور الأرض تمامًا، ويظهر النبي كالشمسِ في كلّ عهد، ليُنِيرَ العصرَ المظلم الذي جاء فيه، وأخيرًا جاء نبينا صلى الله عليه وسلم فأضاء كلَّ العصور، ولذا خاطبه ربه تعالى في قرآنه قائلًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (سُورَةُ الأَحْزَابِ: 33/45).

ولقد تصدرت “أل” العهديّةُ لفظةَ “النبي” في الآية، ليدلّ على أنه نبيّ معروف ومشهودٌ بنبوته.

فإذا نظرْتَ إلى أيّ جانبٍ فيه تجد دلائل على نبوّته، شهدت على نبوته الجمادات بتحيّاتها، والنباتات بإيماءاتها، والحيوانات بانحناءاتها.

 إنه نبيٌّ معلومٌ ومعروفٌ من قِبَلِ الجميع، ولا سبيلَ إلى إنكار ذلك، ومن ثم نجد القرآنَ يخاطبه قائلًا: “يا أيها النبي”، ويكفي لأن نعرف أنه نبي معلوم أيضًا أن القلوب الجامدة كالحجارة تتصدع وتذوب أمامَه r.

“شاهدًا” يعني إنا أرسلناك شاهدًا على الإنسانية، تبلِّغُهم ديني وتكون لي شاهدًا عليهم، وإن كذّب العالم بأسره وجحد لأعلنتَ أنت عن وجود الله، وبذلك أنت شاهد، وأمتك التي تأتي من بعدك شاهدةٌ أيضًا، هم سيشهدون على جميع الإنسانية، وأنت ستشهد على شهادتهم قائلًا: “هؤلاء أمتي”، فعَنْ أَبِي سَعِيد t قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “يَجِيءُ نُوحٌ وَأُمَّتُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، فَيَقُولُ لِأُمَّتِهِ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لَا مَا جَاءَنَا مِنْ نَبِيٍّ، فَيَقُولُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ، قال الراوي: قال النبيّ r: فَنَشْهَدُ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وَهُوَ قَولُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ…﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/143) وَالوَسَطُ العَدْلُ”[5].

إنه إنسان يبشّر الناس في طريق الخير، ويحذرهم من عاقبة السير في طريق الشر، وعلى ذلك فروح الجهاد مكنونة في هذه الحقيقة، وقد أُرسل الأنبياء لأداء هذه الوظيفة السامية؛ يضيئون العالم وينيرونه، ويشرقون ويغربون كالشمس في آفاق السماء، وبذلك لن ترى الإنسانيةُ وجه الظلام، ولن يتبقّى فؤاد لم تبلغه الحقيقة ولا بابٌ لم ينفتح على الحقيقة ولا نافذة لم تدخلها الحقيقة، سينفذ الحق والحقيقة إلى كل بيت، وسيستفيد الجميع منهما.

وعلى ذلك نجد أن مفهوم النبوّة كان مستقرًّا في أذهان وأفكار الناس من لدن آدم عليه السلام إلى خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، ومنه إلى يوم القيامة، حتى وإن كان هذا المفهوم غامضًا ومبهمًا لدى البعض، فما صدرت بعض أطياف هذا المفهوم إلا عن النور الذي جاء به الأنبياء عليهم السلام قديمًا.

وفي الواقع إن من عاشوا في الفترة بين نبِيَّين قد انحرفوا غالبًا عن الطريق المستقيم، وانساقوا إلى أفكار ومفاهيم ضالّة، لكن لم يعد هناك بيت لم ينفذ فيه معنى النبوة، وإن روح الجهاد وفكرته التي تعلن عن نفسها صراحةً أو ضمنًا في أفئدتنا اليوم ما هي إلا أثرٌ لنسمات النبوة الطاهرة؛ لأن كل الأنبياء على التوالي قد كرّسوا حياتهم لنشر الحقّ والحقيقة، فأصبحوا أكمل ممثلين للجهاد؛ أصغرِهِ وأكبرِه.

الجهاد الأصغر ليس هو شكل الجهاد الذي يُؤدَّى في جبهة القتال فحسب، فهذا النمطُ من الفهم يُقلّص أُفق الجهاد، حيث إن مَيدان الجهاد واسعٌ جدًّا يمتدّ من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وعلى سعته وشموله قد يكون كلمةً واحدةً أو سكوتًا وصمتًا أو تبسّمًا وطلاقةَ وجهٍ أو امتعاضًا ونفورًا أو تركًا لمجلسٍ أو مشاركةً فيه… وباختصار هو القيام بأيِّ عملٍ من الأعمال لوجه الله، وتقويم الحبّ في الله والبغض لله في هذا السبيل… ومن هنا فإن كل جهدٍ يُبْذَلُ لإصلاح المجتمع في أيِّ ميدان كان من ميادين الحياة ولأي شريحة من شرائح المجتمع، كل ذلك هو من مضمون الجهاد الإسلامي، بمعنى أن ساحة الجهاد الأصغر تمتدّ من العائلة والأقارب القريبين والبعيدين والجار ذي الجنب والصاحب بالجنب، حتى تشمل الدنيا كلّها، والجهاد الأصغر بهذا المعنى هو جهادٌ مادّيّ، أما الجهادُ المعنويّ فهو الجهاد الأكبر، ويعني جهاد النفس والعالم الداخلي للإنسان، فمتى ما أوفى الإنسان بهذين الجهادين فقد تحقّق التوازن، وإلا اختلت الموازنة الموجودة في روح الجهاد وحقيقته.

ولقد تلقّينا مفهومَ الجهاد بنوعيه الأصغر والأكبر عن النبيّ الأكرم r كما تلقينا عنه كل شيء.

وفي الواقع إننا لم نستطع بعدُ أن نستوعب فقهَ سيرتِهِ صلوات ربي وسلامه عليه، لقد حمل عليه الصلاة والسلام على عاتقه وظيفةَ نشرِ الحقِّ والحقيقة، فقام بها بشكلٍ منظّم وأرساها على مبادئ سليمة فيها من المرونة ما يكفل ديمومتها حتى يوم القيامة، فإن فهمنا القضايا على هذا النحو فلن يتعذَّرَ علينا أن نعرف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقم بحركة عشوائيّة قطّ، ولم يترك نفسَه لجَرَيان ظواهر الأمور.

لقد كان رجلَ خطّةٍ وبرنامج، ربما لم يكن يكتب أو يخطّط أو يرسم رسمًا بيانيًّا لما يفعله بالصورة التي يفهمها الإنسان اليوم، ولكنه كان كمن يسير على نظام ومنهج قد أعده مسبقًا، وهذا من دلائل نبوّته وصِدْقِ تخلُّقِه بأخلاق الله سبحانه وتعالى.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في العهد الأوّل من دعوته يصلّي في الكعبة على الدوام، لا لفضل الصلاة في الكعبة فحسب، بل ربما لغايات كان ينشدها النبي صلى الله عليه وسلم من وراء هذا الفعل، وربما كان هذا السبيلَ الوحيد في ذلك اليوم وتلك الحقبة الزمنية لشرح الحق والحقيقة بهويتها وصورتها النقيّة.

كان لا بدّ أن يتكلم مع الشباب، غير أنه كان من قبيل المستحيل أن يذهب إليهم ويتحدّث معهم في أمور تخصّ دعوته؛ لأنهم جميعًا كانت لهم تصرُّفات مفرطةٌ ناتجةٌ عن أَنَفَةِ الشباب، فلو همّ بمحادثاتهم فلربما قابلوه بتصرُّفات غير لائقة، ولذا كان يذهب إلى الكعبة ويريهم بالفعل صلته بربه حالًا لا قالًا؛ ممّا كان يخلق عندهم نوعًا من الفضول وحبّ الاستطلاع، فكانوا يأتون إليه ويسألونه، وعند ذلك كان عليه الصلاة والسلام ينتهز الفرصة للحديث معهم عن الدعوة المباركة، ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم يفضّل الصلاة في الكعبة على غيرها من الأماكن.

وقد تعرض النبي صلى الله عليه وسلم لاعتداءات شتّى وهو يصلي لربه في الكعبة، بيد أنه لو صلى في بيته ما تعرّض لمثل هذه الاعتداءات، وهذا يعني أن هناك مغزًى ما من وراء صلاته في الكعبة رغم كلّ المعاناة التي كان يلاقيها، فكم وكم أوذِيَ وأُلقي عليه سلا جزور! وكم مرّةٍ تعرّض للإيذاء والاعتداءِ من قِبَلِ المشركين الذين كانوا يستهدفون قتله.

وذات مرّة توعّد أبو جهلٍ النبيَّ r بأن يُلقِيَ عليه حجرًا كبيرًا يقتله به، ووعَدَ مَن حوله من صناديد مكّةَ بذلك، وفعلًا أَخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَنْتَظِرُهُ، وَغَدَا رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يَغْدُو، وَكَانَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَقِبْلَتُهُ إلَى الشَّامِ، فَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَّى بَينَ الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَينَهُ وَبَينَ الشَّامِ، فَقَامَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَقَدْ غَدَتْ قُرَيشٌ فَجَلَسُوا فِي أَنْدِيَتِهِمْ يَنْتَظِرُونَ مَا أَبُو جَهْلٍ فَاعِلٌ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ، ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا لَونُه مَرْعُوبًا قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ، حَتَّى قَذَفَ الْحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، وَقَامَتْ إلَيهِ رِجَالُ قُرَيشٍ، فَقَالُوا لَهُ: مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إلَيهِ لِأَفْعَلَ بِهِ مَا قُلْتُ لَكُمْ الْبَارِحَةَ، فَلَمَّا دَنَوتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنْ الْإِبِلِ، لَا وَالله مَا رَأَيتُ مِثْلَ هَامَتهِ، وَلَا مِثْلَ قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي[6]‏.‏

وفي مرة أخرى “بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي حِجْرِ الكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ، وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾! (سُورَةُ غَافِرٍ: 40/28)”[7]، في الحقيقة هذا القول الذي ذكره سيدنا أبو بكر رضي الله عنه هو قولٌ تاريخيٌّ، فقد قاله من قبله بعدّة عصور رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، وهكذا شرّف الله سبحانه وتعالى هذا القول بأن جعله آية في كتابه الكريم، لم يكن سيدنا أبو بكر رجلًا قويّ البدنِ، إلا أن قوّة إيمانه جعلتْ منه إنسانًا لا يُقهر.

فإن لم تكن تحرسه صلى الله عليه وسلم عناية خاصة لَوَقَعَ ضحيّةً في واحدةٍ من الإيذاءات التي تعرض لها في صلاته وعند سجوده، لكنّ الله تعالى قد تكفّل برعايته وحفظِه فقال: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (سُورَةُ الْمَائِدَةِ: 5/67)، لدرجة أنه كان لا يهاب الموت ويقدم عليه حتى يصلي في الكعبة، وهذا يعني أن فعله هذا كان ينطوي على أهميَّةٍ جِدُّ جليلة، وكأن حياته التي أقسم الله تعالى بها فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 15/72) كانت هيّنة بالنسبة له.

ولما ضاق الخِناقُ على المسلمين في مكّة خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ “بَرْكَ الغِمَادِ” لَقِيَهُ “ابْنُ الدَّغِنَةِ” وَهُوَ سَيِّدُ “القَارَةِ”، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَومِي، فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ الـمَعْدُومَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَأَنَا لَكَ جَارٌ، ارْجِعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يَكْسِبُ المعْدُومَ وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ وَيَقْرِي الضَّيفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟! فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيشٌ بِجِوَارِ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَنْقَذِفُ عَلَيهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً، لَا يَمْلِكُ عَينَيهِ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، وَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيشٍ مِنَ الـمُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيهِمْ، فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ، عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ، فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ، فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ الله عَزَّ وَجَلَّ[8]. لقد كان مبدؤهم الوحيد هو عدم الانصراف عن الجهاد بالقول أو الفعل طالما كان هذا ممكنًا؛ لأنهم يعلمون جيّدًا أن حياة الفرد والمجتمع لا تتأتّى إلا بالجهاد، أما من يتخلّون عن الجهاد فمحكوم عليهم بالعفن والفساد، وفي الوقت ذاته فإن الدخول في جوار الله تعالى لا يتأتّى إلا بنصرة دينه، وهذه الحقيقة يبيّنها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (سُورَةُ مُحَمَّدٍ: 47/7).

أجل، إن تنصروا دين الله ينصركم الله ويعنكم، ولا يضيعكم ولا يضللكم، فإن كانت لديكم رغبة في عدم الانحراف في حياتكم فاتخذوا من الجهاد والمجاهدة غاية لكم، واجعلوا كل تصرُّفاتكم من طعامٍ وشرابٍ ونومٍ ويقظةٍ خدمة لهذه الغاية؛ حتى تؤدّوا أصغر أنواع الجهاد.

ولنعدْ مجدّدًا إلى مكّة بخيالِنا، ونتعقّب سلوكَ النبي صلى الله عليه وسلم.

لقد اشتدّت الوطأة على المسلمين، وأذن لبعض المسلمين بالهجرة إلى الحبشة لعدم قدرتهم على تحمُّل أذى المشركين، وهذا يعني أن الجهاد عند هؤلاء كان هجرة، لأن الهجرة أصبحت بعد فترة هي عين الجهاد، وباتت الهجرة شرطًا أوليًّا لكلّ من يريدون البيعة.

بعد الهجرتين الأولى والثانية إلى الحبشة توجّه كلُّ المسلمين إلى المدينة دون استثناء، وفي عهد المدينة اكتسب الجهادُ مفهومًا آخر، فقد وضع الجهادُ في المدينة حجرَ أساسِ الدولة هناك، وكان هذا يتطلّب جهادًا يتوافق مع الظروف الجديدة، لم يكن هناك تَغْيِيرٌ في الماهيّة، بل في الشكل بما يتوافق مع الظروف آنذاك، فأحيانًا يتطلّب الأمرُ السرعةَ وأحيانًا البطءَ، وأحيانًا الانطلاقَ وأحيانًا التوقُّفَ وتنشيطَ عملية الاستعداد على الدوام، وهذه هي الأوجه الإستراتيجية للجهاد، وكان من الطبيعي للغاية أن يتغيّر العصرُ وفقًا لمجريات الأحداث.

لم يستطع المسلمون أن يضطلعوا بأي جهاد فعلي حتى اللحظة التي أُذِنَ لهم فيها بالجهاد، فقد كانت هذه الفترة فترةَ المقاومة السلبية، وكان المعتدي والمهاجم على الدوام جبهة الكفر، والمسلمون هم الذين يقع عليهم كلّ أنواع الظلم والاضطهاد، ومع ذلك لم يفكّروا في مقابلة اعتداء المشركين بأيّ شيءٍ لأنه لم يؤذَنْ لهم حتى تلك اللحظة بالجهاد المادّي.

مرّت فترةٌ هكذا بعد الهجرة، وسرعان ما نزلت بعد ذلك الآية التي تأذن للمسلمين بالجهاد.

يقول الحقّ تبارك وتعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ $ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (سُورَةُ الْحَجِّ: 22/39-40).

إن هؤلاء الذين قيل لهم أمس: “لا تلجؤوا إلى القوة” قد تلقّوا -والعدو على الأبواب- الإذنَ بالجهاد المادي، وأصبحوا يترقّبون الفرصة التي يفعّلون فيها هذا الإذن، ثمّ بعدَ ذلك سرعان ما تحوّل هذا الإذن إلى أمر، واضطرّ المؤمنون إلى الجهاد وإشهار سيوفهم في وجوه أعدائهم.

 كان المسلمون يسيرون إلى غزوة بدر في فرح وسرور وكأنهم قد تلقّوا دعوةً من الجنة، وكأنهم ليسوا هم الذين سيُعرّضون أرواحَهم للخطر بعد قليل، كانوا جميعًا يحتفون بالموت في هذا السبيل؛ فلم يتردّد أحدٌ منهم في تلبية الدعوة إلى الجهاد، غير أن المنافقين كانوا يُشَتّتون شملَ المسلمين كعادتهم دائمًا، يتركون النبي صلى الله عليه وسلم في المعركة ويذهبون، وكانوا أحيانًا لا يشتركون في الحرب مع المسلمين، فهؤلاء لم تَصْفُ سرائرهم، ولم يستطيعوا أن يتغلّبوا على نفاق قلوبهم، عند القتال يتخلّون عن أصحابهم وينزوُون عن المعركةِ في ناحية ما، ويشتغلون بمتعهم الشخصية. أجل، إن هؤلاء قد ضعفت نفوسهم، وتدنّت أرواحهم، فكانوا يفعلون ما تقتضيه طبائعهم.

أما أولئك الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم قلبًا وقالَبًا فلم يتخلّ واحدٌ منهم عن موقعه، وبتعبير آخر: وصلوا إلى الله بالجهاد في سبيله، فلما وصلوا كانوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ، صُدُقًا عِنْدَ اللِّقَاءِ، أما المرتدّون الذين ضلّوا الطريق فكانوا مساكين؛ عجزوا عن إدراك هذه الحقيقة، ولم تمتزج أرواحهم بها.

والواقع أن هؤلاء بشرٌ أيضًا، وكل إنسان قد يعتبر الموتَ أمرًا كريهًا بغيضًا، ومن ثم لم يتجاهل القرآن الكريم هذا الشعور عند الإنسان فقال مخاطبًا إيّاه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/216).

ورغم طبيعة الإنسان تلك إلا أن المؤمنين قد أذعنوا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطاعوه دون قيد أو شرط، وهذه التبعية كانت سببًا في نزول فيوضات الله تترى عليهم، وإحرازهم النصر على التوالي.

وهكذا وبمرور الأيام ازدادت قوة المؤمنين، وسمعت القبائلُ المجاورة بالنصر الذي أحرزوه في وقتٍ يسيرٍ، وبينما كان هذا النصر مصدر سعادة للمؤمنين كان غمًّا وكدرًا بالنسبة للكافرين.

ويستمر الجهاد كحلقات السلسلة المترابطة، ويجد المؤمن فيه دائمًا طمأنينيته وحيويته، ومتى ما تخلى عن الجهاد فليضع موته نصبَ عينيه.

أجل، إن المؤمن كالشجرة المثمرة، تحافظ على حيويتها طالما أثمرت فإن لم تثمر جفت ويبست

أمعنوا النظرَ في وجوه جميعِ التُّعساء والمتشائمين يتراءى أمامكم أناسٌ قد تخلّوا عن الجهاد، ولأنهم لم يُبَلِّغوا الحقّ والحقيقة إلى الآخرين قطع الله فيوضاته عنهم، فظلّوا في ظلمةٍ حالكةِ السواد، ثم انظروا إلى المجاهدين جميعًا تجدوهم في نشوةٍ وحبور، وداخلُهم مفعمٌ بالحيويّة والنور، وهمهم هو مضاعفة الثواب والأجور، كل جهاد يولّد جهادًا جديدًا لديهم، وبذلك تتشكل الدائرة الصالحة، وكل خير هو وسيلة لخير جديد؛ لذا فهم يجولون ويصولون في الخيرات.

وهذا ما تبينه هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سُورَةُ العَنْكَبوتِ: 29/69).

ثمّة سبل متعدّدة للوصول إلى الله، وهذه السبل عددُها بعددِ أنفاس المخلوقات، والله سبحانه وتعالى يهدي المجاهدين في سبيله إلى أيّ واحدٍ من هذه السبل يسلكون، فَيُبْرِز لهم كلّ سُبُلِ الخير ويقيهم جميعَ سُبُلِ الشر.

وسبيل الله هو الصراط المستقيم، ومن سلَكَهُ سلكَ الطريق الوسطَ في كل شيء، وكما يتّخذ الإنسان طريقَ الوسط في الغضب والعقل والشهوة فإنّه يواظب على هذا الطريق في الجهاد وأداء العبادات أيضًا، وهذا يعني أن الله تعالى يهدي الإنسان إلى سبيله.

إن الجهاد الموجّه إلى الخارج مهما بلغَتْ فيه التضحية والفداء فإنه بمجموعه يُعدّ ضمنَ الجهاد الأصغر، وكونه جهادًا أصغر إنما هو بالنسبة للجهاد الأكبر، وإلّا فليس فيه جهة صغيرة قطّ، بل العكس هو الصحيح لأن ما يُكسبه من نتيجة هي عظيمة للغاية، وكيف لا تكون عظيمةً وهي ترشح المجاهدَ للدخول إلى الجنة! وإذا ما استشهد فله الحياة الكاملة في البرزخ، ولا شكّ أن غاية الجهادِ بِكِلا نوعيه الأصغرِ والأكبرِ هي نَيل رضا الله تعالى، وكيف يكون صغيرًا جهادٌ له هذه النتائج الجليلة والغاية النبيلة؟!

فالجهاد الأصغر إذًا هو تنفيذ أوامر الدين عمليًّا وأداء الإنسان ما كُلّفَ بِهِ، أما الجهاد الأكبر فهو أداء كلِّ هذا بوعيٍ وإخلاصٍ، ومراقبةٍ دائمةٍ للنفس ومحاسبةٍ لها، فضلًا عن ذلك هو إعلان الحرب على جميع العقبات والعوائق الكامنة في النفس الإنسانية التي تُبطِئُ به عن الكمالات من حقدٍ وحسدٍ وأنانيةٍ وغرورٍ وكِبرٍ وفخرٍ وأمثالها من الأمور التي جُبلت عليها النفسُ الأمّارة بالسوء، فهذا الجهاد عسيرٌ وشاقٌّ ولهذا سُمّي بالجهاد الأكبر.

والإنسان طالما هو في حَومَةِ الجهاد المادّي الأصغر لا يجد فرصة -في أغلب الأحيان- للتفكير في نفسه، وهذا هو الخطرُ الأول، أما الخطرُ الثاني فهو الانحلال والفساد الذي يظهرُ جليًّا عندما يتخلّى الإنسان عن الجهادِ الأصغر.

فالشخص المعرّض لمثل هذا الموقف تحيطُ به الأفكارُ الفاسدة من جهاته الأربع، وتتعرّض حياته المعنوية إلى الشلل، ولهذا يُصبح من الصعوبة بمكان أن يحافظ الإنسان على نفسه من دون القيام بالجهاد المادي، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من إحدى الغزوات “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، إشارة إلى هذا الموقف العصيب للغاية.

والحديث الشريف يعني: أننا آمنا وشرُفنا بالجهاد والاشتراك في الغزوات، وربما غنمنا بعض الغنائم… وبعد ذلك ربما يسري إلى نفوسنا حبّ الدعة والراحةِ والارتخاءِ بل ربما يراود بعضَنا الشعورُ بشيءٍ من الإعجاب، فيتسرّب من نفوسنا الأمارة -بطرقٍ شتّى- إلى أرواحنا ويفسدها؛ بمعنى أن مخاطر مهلكة كثيرة تنتظرنا بعد الجهاد المادّي، فالنضال الذي سنخوضه بعد ذلك هو أصعب وأكثر جدّية من سابقه.

فالمخاطب بهذا الحديث الشريف -فضلًا عن الصحابة الكرام- هم الذين يأتون من بعدهم، وبالتالي فنحن منهم، ولهذا ينبغي أن نظلّ حذِرِين جدًّا في استعمال هذا الميزان، فإن كان الإنسان يوجّه حركاته في الجهاد إلى الخارج فقط بعيدًا عن مراقبة النفس، فهذا يعني أنه على شفا حفرةٍ من الخطر الجسيم.

كان أرباب عصر السعادة كالأُسْدِ في ساحة الوغى، فإذا ما أرخى عليهم الليل سدوله تحوّلوا إلى عبّادٍ وزهّادٍ، تنثني أصلابهم بمثاني القرآن، يقضون ليلهم في عبادة وذكر لله تعالى، فَيَصِلُون كلالَ ليلهم بكلالِ نهارهم.

فإن كان الأمر هكذا فإن اعتبار الجهاد المادّيّ هو كلّ شيءٍ، وغضّ الطرف عن الجهاد الأكبر أو هدم أهمّ ركنٍ في الدين؛ أي الجهاد الأكبر، وتحويله إلى رهبانيّة ليس إلا خيانة لروح الدين، وما حياة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم بخافيةٍ عنا.

“عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنه قَالَ: قال رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ: “مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيلَتَنَا هَذِهِ؟” فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ الله، قَالَ: “فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ”، قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي، فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيلِ أَحَبُّ إِلَيكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَو آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَومِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ فَقَدْ أُوتِيتَ، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ فَهَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ الله، أَلَا أَهْبَبْتَنِي قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأُرِيتُكَ، وَايْمُ الله لَولَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا، أَوْ أُنْفِذَهَا”[9].

بمعنى أن الاطمئنان وسكينةَ القلب قد غمراه، وكأنّ القرآنَ يتنـزّل عليه وهو يتلوه في الصلاة، وكأن جبريل عليه السلام ينفثه في روعه، فينتشي بنشوة الوجد حتى لا يجد أيّ أَلَـمٍ للسهم الذي انغرزَ في جسده.

وهذا هو موقفُ من جمعَ بين الجهادين، الأصغر والأكبر، بل هذا هو الوجه الحقيقيّ للجهاد.

ولقد اتّحد في شخصِ النبيّ صلى الله عليه وسلم أعلى وأرقى نقطةٍ من كِلا الجهادين فكان صلى الله عليه وسلم أنموذجًا ومثالًا للشجاعة فيَروي سيدنا عليّ الكرّارُ رضي الله عنه وهو البطل الشجاع باعتراف الجميع ويقول: “كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَلَقِيَ الْقَومُ الْقَومَ، اتَّقَينَا بِرَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ القَومِ مِنْهُ”[10].

ومثلًا في غزوة حنين “..طَفِقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْكُض بَغلَتَه قِبَلَ الكُفّار قال عبّاسٌ وأنا آخذٌ بلجام بَغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أَكُفُّها إرادةَ أنْ لا تُسْرِعَ… وأبو سفيانَ بنُ الحارثِ بنِ عبدِ المطّلب يقُودُ به فنـزل فاستَنْصر وقال:

“أنا النّبيُّ لا كذِبْ * أنا ابنُ عبدِ الـمُطَّلب”.

قال الراوي: “كُنَّا وَاللهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ، يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ”[11].

فهذا المثال الرائع صلى الله عليه وسلم والأنموذج الكامل للشجاعة والإقدام والبطولة في ميدان المعركة، أما في ميدان العبادة فكان في منتهى العبودية حتى يُسمع لصدره أزيزٌ كأزيز المِرْجَلِ من البكاء، ويدفع مَن حوله إلى رقّة القلب كلّما سكب الدموع، وكان يصوم أيّامًا حتى يُقال إنه لا يُفطر، بل كان يصوم حتى صوم الوصال، وكان يقيم الليل كلَّه أحيانًا حتى تتورّم قدماه، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ نَبِيَّ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ الله، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: “أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا!”[12].

تأمّلوا إنسانًا يعتكِفُ متخفّيًا في غار “ثور” من دون مبالاة لحيّات أو هوام، وعندما يبلغ المشركون بابَ الغار يجزع سيدنا أبو بكر رضي الله عنه خشيةَ أن يطّلع عليهم أحد، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم في منتهى الاطمئنان والسكينة: “مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا!”[13].

فهذا الإنسان الذي لا يعرف معنى الخَوف أبدًا عندما يسمع القرآن يرقّ قلبه حتى تنهمر الدموع منه وتكاد تتقطّع أنفاسه، فعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اِقْرَأْ عَلَيَّ”، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، آقْرَأُ عَلَيكَ، وَعَلَيكَ أُنْزِلَ، قَالَ: “نَعَمْ” فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/41)، قَالَ: “حَسْبُكَ الآنَ” فَالْتَفَتُّ إِلَيهِ، فَإِذَا عَينَاهُ تَذْرِفَانِ”[14].

إنه إنسان القلب الحيّ والضمير اليقِظ، وهو السابق الأول دومًا في الجهاد المادّيّ والمعنوي، فحينما يحثّ أمته على الاستغفار يكون هو في المقدمة ويقول: “وَالله إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيهِ فِي اليَومِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً”[15].

إن الذي يظفرُ في الجهاد الأكبر فلا بدّ وأن يفوز بالجهاد الأصغر غالبًا، غير أنه لم يُر قطُّ أن من خسرَ الجهادَ الأكبرَ قد فازَ بالجهادِ الأصغرِ، وحتى وإن استطاع أمثال هؤلاء الوصول بالخدمة والعمل إلى مرحلة معينة فمن المتعذّر عليهم الوصولُ إلى النتيجة المنشودة.

عن السيدةِ عائشة رضي الله عنها قالت: “لما كان ليلةٌ من الليالي قال النبي صلى الله عليه وسلم: “يَا عَائِشَةُ ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ اللَّيلَةَ لِرَبِّي” (يا له من إنسان غايةٍ في اللطف لدرجة أنه يستأذن زوجَتَهُ في قيامه للتعبّد لربّه! ولا غَرْوَ ولا عجب فالأصالةُ تجري في عروقه r) قُلْتُ: وَالله إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ، وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ، فَقَامَ فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ بَكَى فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ الله لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيلَةَ آيَةٌ وَيلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 3/190)”[16].

وأحيانًا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم إلى عبادته دون أن يوقظَ زوجته أو يستأذنها؛ فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ لَيلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: “اللهُمَّ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيتَ عَلَى نَفْسِكَ”[17].

ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وها هو جهاده الأكبر، وذلك هو عمقه المعنوي، فإن كان صلى الله عليه وسلم هكذا أيمكنُ أن يكون صحابته غير ذلك؟ فلا بدّ من التشبّه به حتى يتسنّى الفوز بالقرب منه، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على وعي تامٍّ بهذا الأمر، حتى كان منهم من أمثال “ثَوبَان” رَضِيَ اللَّهُ عَنْه الذي خطر بباله يومًا مفارقة الرسول صلى الله عليه وسلم فانقطعت شهيّته واستولى عليه الهمّ والغمّ.

ورُوي أن “ثوبان” مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديدَ الحبّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليلَ الصبر عنه، فأتاه ذاتَ يومٍ وقد تغيّر لونه، يُعرف الحزن في وجهه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما غير لونك؟” فقال: يا رسول الله ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتوحشُ وحشةً شديدة حتى ألقاك، وإني لأذكرك فما أصبرُ حتى آتي فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك، فعرفت أنك إذا دخلتَ الجنة رُفِعْتَ مع النبيّين، وإن دخلتُها لا أراك، فأنزل الله تعالى:

 ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (سورة النِّسَاءِ: 4/69) فدعا به فقرأها عليه[18].

وهذا مقتضى قول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: “المَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ”[19].

إن محبّة المرء تكون بالتشبُّه به، وجعلِ حياته أنموذجًا يُحتَذى به ولا يُحادُ عنه، والصحابة الكرام كانوا حقًّا على هذا الشعور تمامًا.

كان سيدنا عمر العظيم رضي الله عنه يتلظّى شوقًا طوال حياته للفوز بمصاهرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أراد أن يحقق هذا الأمر عن طريق الزواج بالسيدة فاطمة رضي الله عنها، لكنها كانت من نصيب سيدنا علي كرم الله وجهه، فلما لم يجد عمر رضي الله عنه بدًّا تزوج من أم كلثوم ابنة سيدنا علي رضي الله عنه، ولو أراد لتزوج من ابنة الإمبراطور البيزنطي ولن يجد في هذا عناءً أو مشقةً، بل إنّ ذلك في متناول يده، غير أن همّه لم يكن مجرّدَ الزواج بل توثيقَ الصلةِ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذا كان يسعى حثيثًا خلف حسبٍ ونسبٍ ربما يكون في صالحه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.

في الواقع لقد كانت علاقته المعنويّة برسول الله صلى الله عليه وسلم وطيدةً للغاية وفي أعلى درجاتها، ولقد رُئيَ النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكرٍ عن يمينه وعمر عن شماله وهو يقول: “هَكَذَا نَكُونُ ثُمَّ هَكَذَا نَمُوتُ ثُمَّ هَكَذَا نَبْعَثُ ثُمَّ هَكَذَا نَدْخُلُ الْجَنَّةَ”[20].

غير أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان يريد أن يوثّق صلته المادية أيضًا برسول الله عليه الصلاة والسلام، ومن هذا المنطَلَقِ زوّجَ ابنته السيدة حفصة رضوان الله عليها بالنبيّ صلى الله عليه وسلّم، وتزوج هو بحفيدة سيدنا رسول الله؛ أم كلثوم ابنة علي وفاطمة رضي الله عنهما، ولقد سعد سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه أيَّما سعادةٍ بهذه الصِّلة والمصاهرة.

ذات يوم قالت له ابنته أمنا حفصة رضي الله عنها: “أَلَا تَلْبَسُ ثَوبًا أَلْيَنَ مِنْ ثَوبِكَ، وَتَأْكُلُ مِنْ طَعَامٍ أَطْيَبَ مِنْ طَعَامِكَ هَذَا، وَقَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيكَ الْأَمْرَ، وَأَوسَعَ إِلَيكَ الرِّزْقَ؟

فَقَالَ: “سَأُخَاصِمُكِ إِلَى نَفْسِكِ، فَذَكَرَ أَمْرَ رَسُولِ الله صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَمَا كَانَ يَلْقَى مِنْ شِدَّةِ الْعَيْشِ”، فَلَمْ يَزَلْ يَذْكُرُ حَتَّى بَكَتْ، فَقَالَ: “إِنِّي قَدْ قُلْتُ لَأُشَارِكَنَّهُمَا فِي مِثْلِ عَيشِهِمَا الشَّدِيدِ لَعَلِّي أُدْرِكُ مَعَهُمَا عَيشَهُمَا الرَّخِيَّ”[21].

ونحن نُطْلِقُ على هذا الجهاد الأكبر أو الجهاد المعنوي، وهذا هو سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، إنهم في حضور دائمٍ مع الله واتصالٍ مستمرٍّ وثيقٍ معه، كانت عباداتهم وأذكارهم من الكثرة والعمق بحيث من يشاهدهم يحسب أن ليس لهم شغل يشغلهم غير العبادة والذكر، هذا مع كمال إيفاء أمورهم الدنيوية والمعيشية حقّهما من الاهتمام.

نعم، إنهم يمثلون خلاصة الإخلاص ولبّه، إذ ما كانوا يعملون عملًا إلّا وفق مرضاة الله سبحانه، فكان كلّ عملهم في مراقبة عميقة دائمة لله، فعن عُمَرَ الـمَخْزُومِيّ قَالَ: نَادَى عُمَرُ بْنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِـ”الصَّلاةُ جَامِعَةٌ”، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ وَكَثُرُوا؛ صَعِدَ الْمِنْبَرَ؛ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلَّى عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! لَقَدْ رَأَيتُنِي أَرعَى عَلَى خَالاتٍ لِي مِن بَنِي مَخزُومٍ، فَيَقْبِضْنَ لِي القَبْضَةَ مِنَ التَّمْرِ أَوِ الزَّبِيبِ، فَأَظَلُّ يَومِي وَأَيُّ يَومٍ، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ! مَا زدت على أن قئمت نَفْسَكَ! -يَعْنِي: عِبْتَها- فَقَالَ: وَيحكَ يَا ابْنَ عَوفٍ! إِنِّي خَلَوتُ؛ فَحَدَّثَتنِي نفسي؛ قالت: أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَمَنْ ذَا أَفْضَلُ مِنْكَ؟ فَأَرَدْتُ أَنْ أُعَرِّفَهَا نَفْسَهَا[22].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمرَ حملَ قربةً على عاتقه فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين ما حَمَلَكَ على هذا؟ قال: إن نفسي أعيتني فأردت أن أذلها[23]. وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد العَزِيز رحمه الله إِذَا كتبَ كتابًا فاستحسنَ لفظَهُ مزَّق الكتابَ وغيّرَه[24] حتى لا يقع في فخّ الشرور النفسية وأمراضها.

إن جهاد هؤلاء الأطهار الذين بلغوا الكمال الروحي وتكاملوا به لن يبقى بلا ثمر، لأنه في سبيل الله وعلى هذا فالذين يتباهون ويتفاخرون بأعمالهم باسم الجهاد هنا وهناك، ولم يصلحوا شؤونهم الداخلية ولم ينجوا من الرياء والعجب والغرور والكبر؛ أعمالهم تخريبًا أكثر منكونها تعميرًا، بل حتى لو بلغوا مبلغًا معيّنًا في مرحلة ما؛ فلن يبلغوا الغاية والنتيجة قطعًا.

وهناك آيات وأحاديث تجمع بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، ومن ذلك سورة النصر ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ $ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا$فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (سُورَةُ النَّصْرِ: 110/1-3).

فهذه السورة تُبَشِّرُ بمجيء نصر الله وفتحه حينما يدخل الناس أفواجًا في دين الله، وهذا ما حصل بالفِعلِ، فحينما أُزِيلَت العوائقُ أمامَ الجهاد الأصغر من خلال الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ وتبليغِ الحقِّ، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا جاء الأمر الإلهي: “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ”؛ لأن جميع هذه الأمور ما هي إلّا إحسانًا ونعمةً إلهيّةً بحتةً، إذ هو الذي خلقها كلّها، فتأمّلوا هذا وسبّحوا الله وقدّسوه.

فعلى الإنسان الذي انتصرَ على الأعداء في الخارج، أن ينتصِرَ على عدوّه في الداخل أيضًا وهو نفسُه التي بين جنبيه، ليتمّ جهادُه ويكتمل.

وفي ضوء هذا تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: كان الرسول صلى الله عليه وسلم بعد نـزول هذه السورة يردّد باستمرار: “سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ”[25].

وفي حديث آخر يجمع الرسول صلى الله عليه وسلم هذين الجهادَين معًا فيقول: “عَينَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَينٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله”[26].

إن جهاد مَن يسهر على الحدود والثغور ويرابط في ميدان الحرب، وفي أخطر المواقع جهادٌ مادّي، فالذي يؤدّي هذا الجهاد لا تمسّ النارُ عينَه، وعينٌ أخرى تحقّق الجهاد المعنوي الأكبر، وهي العين التي تبكي من خشية الله.

فهاتان العينان سواءٌ في نَيل البشارة النبويّة.

نعم، يستحيلُ لدى الرحمة الإلهية ووعد الله القاطع أن تمسّ النار هاتين العينين كاستحالة عودة اللبن إلى الضرع! قال r: “لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ”[27]، وإنّ واقعَ من يجاهد في سبيل الله أشعثَ أغبرَ لا يختلف عن هذا، فقد بشّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أن النار لا تمسّ من اغبرّت قدماه في سبيل الله، فعن عَبَايَة بْن رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ الله حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ”[28].

نعم، لا تمسّ النار تلك الأعين التي تذرف الدموع ساخنة من خشية الله، وتحرس وتراقب مواقع دخول العدو مرابطةً على ثغور الأمّة، فالذي ينذر نفسه لهذا النوع من الرباط، ويجابه المهالك التي تعصف بالبلاد، ويتصدى لها بإنشاء مؤسّسات يتربى فيها أبناء أمته بمستوى يليق بالإنسان، ويتجافى عن حظوظ نفسه وأذواقها لأجل الآخرين، ويهتم براحة الآخرين وعيشهم الهنيء؛ فهؤلاء لا تمسّ أعينَهم النارُ أبدًا.

وعلى هذا فالذين يرون الجهاد جدالًا ونقاشًا هنا وهناك؛ إن لم يراقبوا أعمالهم ويقوّموها بموازين الجهاد الذي ينادون به؛ فإنهم لا يعملون إلّا لقتل الوقت وخداع أنفسهم، فالذين لم يحسموا الأمر مع نفوسهم، ولم يلجموها بالمراقبة الدائمة، ولم يُمرّغوا أنفَ الرياء، ولم يسحقوا نزعةَ الفخر والخيلاء تحت أقدامهم، ولم يقتلعوا من أرواحهم شوكة الكِبر والرياء؛ فأعمالهم لا تُجدي فتيلًا سوى إحداث القلاقل والاضطرابات.

ومن جهة أخرى فالذين ينسحبون من الميدان، ويقبعون في زواياهم، وينظرون إلى الجهاد نظرةً يتيمةً من حيثيّته المعنويّة قائلين: لا يصحّ الانشغال بالغير قبل جهاد النفس… فهؤلاء الذين يَرَون إحرازَ درجات معنوّية لأنفسهم ولا يعملون على إزاحة العوائق بين الناس ورب الناس، ولا يشاركون في عمليات إيصال العباد إلى ذواتهم، هم بلا شك على خطإ واضح، لأنّهم يخلطون الإسلام بالروحانية، إن الفكر المهيمن على أولئك القائلين بإصلاح أنفسهم قبل دعوة الآخرين مكتفين بالجانب المعنوي من الجهاد فحسب هو: أن كل إنسانٍ يحاسَبُ بمفرده “فكل شاة برجلها ستناط” كما هو المثل العامي المشهور، وإن من لم يُصْلِحْ نفسَهُ سيعجزُ على إصلاح غيره؛ لذا على المرء أن يلتفت إلى إصلاح نفسه أوّلًا.

فنقول لمن استهواه هذا الفكر: اعلم أن الإنسان حينما يظنّ أنه أنقذ نفسَه فقد وقع من فوره في أخطر دوّامة، فمن يطيق أن يدّعي خلاص نفسه والقرآن الكريم يقول: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (سُورَةُ الْحِجْرِ: 15/99). نعم، إن الإنسان مكلّفٌ بالعبادة حتى الرمق الأخير، فلا يستطيع أن يُحْجِمَ عن أي عمل كان متعلِّقًا بالعبودية لله، حتى يُرفع الستار ويُدعى إلى العالم الآخر.

فكيف يمكن لمن تُناط به دائمًا مهمة التكليف هكذا أن يقول إنه أنقذ نفسه؟

 إذًا فإن جهاد الإنسان مع نفسه، وسعيَه لتطهيرها وتزكيتها من الأخلاق الرذيلة، ومحاولتَه إصلاحها وتقويمها؛ سيدوم ما دام فيه قلبٌ ينبض.

نحن إذًا مضطرّون إلى العيش الدائم بين الخوف والرجاء، فكما لا يخطر ببال المؤمن الاطمئنان إلى النتيجة فليس من صفاته القنوط أيضًا، إلّا أن الخوفَ لا بدَّ أن يكون أرجح في ميزانه في الدنيا، تأمّلوا عمرَ الفاروق رضي الله عنه وهو يجودُ بأنفاسه الأخيرة؛ لَمَّا نَظَرَ إِلَيهِ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما بَكَى، فَقَالَ: “أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَنَّةِ”، قَالَ: “تَشْهَدُ لِي بِذَلِكَ؟” قَالَ الراوي (وهو ابن عمرt): فَكَأَنَّهُ كَعَّ، فَضَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَحِمَهُ اللَّهُ مَنْكِبَهُ، فَقَالَ: “أَجَلْ، فَاشْهَدْ، وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ”، فَقَالَ عُمَرُ: “كَيفَ؟” قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: “كَانَ إِسْلَامُكَ عِزًّا، وَوِلَايَتُكَ عَدْلًا، وَمِيتَتُكَ شَهَادَةً”، فَقَالَ: “لَا وَالله لَا تَغْرُونِي مِنْ رَبِّي وَدِينِي، ثَكِلَتْ عُمَرَ أُمُّهُ إِنْ لَمْ يَرْحَمْهُ رَبُّهُ”[29].

وعلى ذلك فمن الخطإ الجسيم أن نفسّر مسألةً تتطلّب جهدًا وسعيًا متزامنًا مع العمر كله على أنها عائقٌ ومانعٌ من الجهاد، وهذا أمر لا بدّ من الوقوف عنده كثيرًا.

وحمادى القول وخلاصته: إننا إذا تناولنا الجهاد بنوعيه الأكبر والأصغر كلّ على حِدة لَتَبَيَّنَ لنا أن أحدهما ينجم عنه الثرثرة والجدليّة والفوضى، والآخر ينشأ عنه الذل والمسكنة والخمول والكسل، أما الجهاد الحقيقي فهو ما يتأتّى بتوحيد كليهما معًا؛ وهذا هو مفهوم الجهاد عند الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم.

لم يفهم أحدٌ من المرشدين الحقيقيّين العظماء الذين ربّاهم الإسلام الجهادَ على وجهٍ واحدٍ من هذين الوجهين، فلم يتخلّفوا عن نشرِ الحقّ والصدع به قطّ حتى لو كانوا وراء قضبان السجون، بل أناروا ليلَهم كَنَهَارِهِم، ولم يرخوا عنان العلاقة القوية مع ربهم، ولم يهملوا قطعًا دائرة القلب مهما بلغت سعة خدماتهم، بل أصبح كل ما استشعروه في هذا المجال وسيلة لظهور ثمرة إيمانية جديدة لديهم، فعاشوا دومًا بشعور الإحسان الإلهي، مستحضرين مراقبة الله لهم كلَّ آن، ففازوا بعملهم هذا بالقرب منه سبحانه وتعالى إلى أن شهِدوا أنّ ا لله تعالى هو بصرهم الذي يُبصرون به ويدَهم التي يبطشون بها… فبارك الله فيهم حتى عُدّ الفرد منهم بألف، ونمت أعمالهم وبورِكت مثلَ حبّةٍ أنبَتَتْ سبعَ سنابل في كلِّ سنبلةٍ مائةُ حبَّة.

إن إنساننا في الوقت الحاضر، إن كان يريد أن يجاهد في سبيل الله حقّ جهاده وبما يرضيه -وهذا ما يجب عليه- عليه في نفس الوقت الذي ينشرُ فيه الحقَّ ويُبلِّغ الحقيقة للآخرين أن يراقب نفسَه مراقبةً جادّةً ويحاسب رغباته حسابًا عسيرًا، وإلّا فهناك احتمال قويّ بأنه يخادع نفسه، وعند ذلك لا ينتفع بعمله ولا ينتفع به غيره.

على المجاهد أن يكون خالصًا مخلصًا صادقًا، يحمل من الإخلاص ما يجعله يُؤْثِرُ الله على كلِّ ما سواه، وبذلك يكون الجهاد مثمرًا وباقيًا، فهو بدلًا من أن يملأ عقولَ الآخرين بالغّثِّ والسَّمينِ من المعلومات، عليه أن يقرّ في قلوبهم وعقولهم الإخلاص وحسن النية وروح المحاسبة الداخلية والشعور بأن يكونوا من رجال القلوب.

نعم، الجهاد موازنة بين فتح الداخل والخارج، ففيه بلوغ الكمال ودفع الآخرين إليه، فبلوغ الإنسان ذاته جهاد أكبر ودفعه الآخرين إلى الكمال جهاد أصغر، فإذا ما افترق أحدهما عن الآخر ينتفي معنى الجهاد عمليًّا، فيتولد من أحدهما الذلّ والمسكنة ومن الآخر العنف والإرهاب، ونحن الآن ننتظر ولادةَ روحٍ محمَّديّةٍ مجدّدًا، وهذا لا يمكن إلّا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر كما في كلّ أمرٍ.

فما أسعد أولئك الذين يبحثون عن وسائل لإنقاذ غيرهم مثلما يبحثون عنها لإنقاذ أنفسهم! وما أسعد الذين لا ينسون أنفسهم في خضمّ العمل لإنقاذ غيرهم!

[1] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 7؛ صحيح مسلم، الإمارة، 103.

[2] صحيح البخاري، الجهاد والسير، 72.

[3] صحيح مسلم، الإمارة، 163.

[4] البيهقي: الزهد الكبير، 1/165.

[5] صحيح البخاري، أحاديث الأنبياء، 4.

[6] ابن هشام: السيرة النبوية، 1/299.

[7] صحيح البخاري، المناقب، 89.

[8] صحيح البخاري، مناقب الأنصار، 45.

[9] مسند الإمام أحمد، 23/51.

[10] مسند الإمام أحمد، 2/453.

[11] صحيح مسلم، الجهاد والسير، 76-79.

[12] صحيح البخاري، تفسير القرآن، سورة الفتح، 2.

[13] صحيح البخاري، المناقب، 30؛ صحيح مسلم، فضائل الصحابة، 1.

[14] صحيح البخاري، فضائل القرآن، 33؛ صحيح مسلم، صلاة المسافرين، 247-248.

[15] صحيح البخاري، الدعوات، 3.

[16] صحيح ابن حبان، 2/387.

[17] صحيح مسلم، الصلاة، 222.

[18] ؟؟؟

[19] صحيح البخاري، الأدب، 96؛ صحيح مسلم، البر، 165.

[20] ابن عساكر: تاريخ دمشق، 22/205.

[21] البيهقي: شُعب الإيمان، 13/168؛ الحاكم: المستدرك، 1/211.

[22] الدينوري: المجالسة وجواهر العلم، 4/466؛ ابن عساكر: تاريخ دمشق، 44/315.

[23] محب الدين الطبري: الرياض النضرة، 2/380.

[24] القشيري: الرسالة القشيرية، ص 247.

[25] صحيح مسلم، الصلاة، 218.

[26] سنن الترمذي، فضائل الجهاد، 12.

[27] سنن الترمذي، فضائل الجهاد، 8؛ سنن النسائي، الجهاد، 8.

[28] صحيح البخاري، الجمعة، 16؛ سنن الترمذي، فضائل الجهاد، 7؛ سنن النسائي، الجهاد، 9.

[29] أبو بكر بن الخلال: السنّة، 294.ش

فهرس الكتاب

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts