لنفرض مثلًا أن هناك إنسانًا سيلقى حديثاُ أمام نخبة من الناس حول مسألة تهمُّه، وكانت هذه هي المرة الأولى التي سيقف فيها أمام تلكم النخبة عالية المستوى من شتّى طبقات المجتمع، عند ذلك تراه وقد شحب لونه، وتلعثم لسانه عند مثوله أمامهم. فكذلك العبد في صلاته؛ لا بدّ أن يكون انفعاله أكثر ألف مرة من حال ذلك الشخص، ولا بدّ أن يكون على وعي بما يفعله؛ لأن المجلس الذي سيتحدث فيه أبهى وأجلّ.

 عند الصلاة.. يدخل الإنسان في حضرة مولاه؛ الذي من صفاته أنه “كلّ يوم هو في شأن”، فاستشعر ذلك بكل كيانك.

احذر إلف العادة:

على الإنسان الحذرٍ من المسكّنات المهدّئة لانفعاله عند انتقاله بالإلف من صلاة إلى أخرى، فليحذر وليكن من المرابطين الذين ينتظرون الصلاة بعد الصلاة كما أرشدنا إلى ذلك النبيُّ صلي الله عليه وسلم[1]. وعلينا ألا ننسى أن سيدنا موسى عليه السلام وهو من أولي العزم من الرسل كان يحمل مهابةً عظيمةً للحقّ جلّ وعلا، وقام باستعداد داخليّ قبل المثول بين يدي فرعون، وسئلً ربه: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ (سُورَةُ طَهَ: 20/25)، وكان يدعو ربَّهُ ويتضرّع إليه أن يرزقه قوّةَ التحمّل والمثابرة.

 وضوء المؤمن وتوجهه إلى المسجد يشبه الاستعداد الأَوَّلِيَّ للدخول على حضرة الله عزَّ وجلَّ.

استشعار.. وانتصار على النفس:

إن العبد بذلك يستحضرُ النبي صلى الله عليه وسلم في خياله وكأنه بعد قليل سيقتدي به جماعة في صلاته، ثم يقف وهو محمّل بهذا الشعور والاشتياق، ويتلو ما تيسر من القرآن الكريم في صلاته وكأنه يقرؤه على الله عز وجل، ربما تزعجه أحيانًا أفكار غير مناسبة حاول دفعها عنه خارج المسجد، لكنه لا يستسلم قطعًا لمثل هؤلاء الأشقياء وقطّاع الطرق، ويستمر في طريقه، وعندما يشعر ألا طاقة له على الوقوف يحني ظهره أمام عظمة الله ويركع، وعند قيامه من الركوع يحاول في وجدانه أن يتلاقى نظره مع نظر الرحمة الإلهية، يحاول ويحاول حتى يشعر وكأن هذا الأمر حدث بالفعل فتنحلّ رابطة ركبتيه من الحيرة، فيهرع إلى السجود؛ وهو أقصى نقطة لقرب العبد من مولاه جلّ وعلا فـ”أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ”[2]، وبينما الأمم تجثو وتسجد مكرهةً في الآخرة يقوم العبد بتلك الحالة اختيارياً في الدنيا، فيجثو على ركبتيه ويلوذ بربه ويتضرّع إليه حتى يمتلئ قلبه ويفيض بأنوار الحضرة الإلهية، وعندما يفعل ذلك في الدنيا ينجو إن شاء الله من أهوال يوم القيامة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ جَلَّ وَعَلَا قَالَ: “وَعِزَّتِي لَا أَجْمَعُ عَلَى عَبْدِي خَوفَينِ وَأَمنَينِ إِذَا خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ يَومَ الْقِيَامَةِ وَإِذَا أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا أخَفْتُهُ يومَ القيامة”[3].

طُرُقٌ لبلوغ مستوى الهيبة لله تعالى:

دوام التفكّر في الآفاق والأنفس، ومواصلة التفكّر في الآيات التكوينيّة. فالتفكر يذهب بالإنسان إلى آفاق السماء المزدانة بالنجوم تارةً، وينفذُ به لأعماق ماهيّته تارةً أخرى؛ حتى يُجرّده عن صِفات العُمي والصُّم؛ الذين أَهملوا قلوبَهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (سُورَةُ الأَعْرَافِ: 7/179).

إن الإنسان بالتفكر يمكنه أن يكتسِبَ من عبادةِ ساعة ثوابَ عبادةِ ألفِ سنة، فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: “تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيرٌ مِنْ قِيَامِ لَيلَةٍ”[4]وهكذا تَنْقُلُ الصلاةُ الإنسانَ من دائرة الأسماء إلى دائرة الصفات، ومنها إلى دائرة الذات، وكأنها تفتح للإنسان شراعًا إلى الخلود.

—————————-

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 159-162.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

[1] صحيح مسلم، الطهارة، 41.

[2] صحيح مسلم، الصلاة، 215.

[3] صحيح ابن حبان، 2/406

[4] ابن أبي شيبة: المصنف، 7/ 190.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts