بمرور الأيام ازدادت قوة المؤمنين، وسمعت القبائلُ بالنصر الذي أحرزوه في وقتٍ يسيرٍ، وبينما كان هذا النصر مصدر سعادة للمؤمنين كان غمًّا وكدرًا للكافرين. ويستمر الجهاد كحلقات السلسلة المترابطة، ويجد المؤمن فيه دائمًا طمأنينته وحيويته، ومتى ما تخلى عن الجهاد فليضع موته نصبَ عينيه. إن المؤمن كالشجرة المثمرة، تحافظ على حيويتها طالما أثمرت فإن لم تثمر جفت ويبست.

أمعنوا النظرَ في وجوه التُّعساء والمتشائمين يتراءى أمامكم أناسٌ قد تخلّوا عن الجهاد، ولأنهم لم يُبَلِّغوا الحقّ والحقيقة إلى الآخرين قطع الله فيوضاته عنهم، فظلّوا في ظلمةٍ حالكةِ السواد، ثم انظروا إلى المجاهدين تجدوهم في نشوةٍ وحبور، وداخلُهم مفعمٌ بالحيويّة والنور، وهمهم هو مضاعفة الثواب والأجور، كل جهاد يولّد جهادًا جديدًا لديهم، وبذلك تتشكل الدائرة الصالحة، وكل خير هو وسيلة لخير جديد؛ لذا فهم يجولون ويصولون في الخيرات:﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (العَنْكَبوتِ: 29/69).

 انظروا إلى المجاهدين تجدوهم في نشوةٍ وحبور، وداخلُهم مفعمٌ بالحيويّة والنور، وهمهم هو مضاعفة الثواب والأجور، كل جهاد يولّد جهادًا جديدًا لديهم.

 الجهاد، وسُبل الوصول إلى الله

ثمّة سبل كثيرة متعدّدة للوصول إلى الله، والله سبحانه وتعالى يهدي المجاهدين في سبيله إلى أيّ واحدٍ من هذه السبل يسلكون، فَيُبْرِز لهم كلّ سُبُلِ الخير ويقيهم جميعَ سُبُلِ الشر. وسبيل الله هو الصراط المستقيم، ومن سلَكَهُ سلكَ الطريق الوسطَ في كل شيء، وكما يتّخذ الإنسان طريقَ الوسط في الغضب والعقل والشهوة فإنّه يواظب على هذا الطريق في الجهاد وأداء العبادات أيضًا.

إن الجهاد الموجّه إلى الخارج مهما بلغَتْ فيه التضحية فإنه يُعدّ ضمنَ الجهاد الأصغر، وكونه جهادًا أصغر إنما هو بالنسبة للجهاد الأكبر، وإلّا فليس فيه جهة صغيرة قطّ، بل العكس هو الصحيح لأن ما يُكسبه من نتيجة هي عظيمة للغاية، وكيف لا تكون عظيمةً وهي ترشح المجاهدَ للدخول إلى الجنة! وإذا ما استشهد فله الحياة الكاملة في البرزخ، ولا شكّ أن غاية الجهادِ بِكِلا نوعيه الأصغرِ والأكبرِ هي نَيل رضا الله تعالى، وكيف يكون صغيرًا جهادٌ له هذه النتائج الجليلة والغاية النبيلة؟!.

الجهاد.. تفصيل واجب

فالجهاد الأصغر هو تنفيذ أوامر الدين عمليًّا وأداء التكاليف، أما الجهاد الأكبر فأداء كلِّ هذا بوعيٍ وإخلاصٍ، ومراقبةٍ للنفس ومحاسبتها، وإعلان الحرب على كل العوائق الكامنة في النفس التي تُبطِئُ بها عن الكمالات، فهذا الجهاد عسيرٌ وشاقٌّ ولهذا سُمّي بالجهاد الأكبر.

والإنسان طالما في حَومَةِ الجهاد المادّي الأصغر لا يجد فرصة للتفكير في نفسه، وهذا هو الخطرُ الأول، أما الخطرُ الثاني فهو الانحلال والفساد الذي يظهرُ عندما يتخلّى الإنسان عن الجهادِ الأصغر.

كان أرباب عصر السعادة كالأُسْدِ في ساحة الوغى، فإذا ما أرخى عليهم الليل سدوله تحوّلوا لعبّادٍ وزهّادٍ، تنثني أصلابهم بمثاني القرآن، يقضون ليلهم في عبادة وذكر، فَيَصِلُون كلالَ ليلهم بكلالِ نهارهم.

ويصعب أن يحافظ الإنسان على نفسه دون القيام بالجهاد المادي، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم عند رجوعه من إحدى الغزوات “رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”. ويعني: أننا آمنا وشرُفنا بالجهاد والاشتراك في الغزوات، وربما غنمنا بعض الغنائم… وبعد ذلك ربما يسري إلى نفوسنا حبّ الدعة والراحةِ والارتخاءِ بل ربما يراود بعضَنا الشعورُ بشيءٍ من الإعجاب، فيتسرّب من نفوسنا الأمارة -بطرقٍ شتّى- إلى أرواحنا ويفسدها؛ بمعنى أن مخاطر مهلكة كثيرة تنتظرنا بعد الجهاد المادّي، فالنضال الذي سنخوضه بعد ذلك هو أصعب وأكثر جدّية من سابقه.

فالمخاطب بهذا الحديث الشريف -فضلًا عن الصحابة الكرام- هم الذين يأتون من بعدهم، وبالتالي فنحن منهم، فينبغي أن نظلّ حذِرِين جدًّا في استعمال هذا الميزان، فإن كان الإنسان يوجّه حركاته في الجهاد إلى الخارج فقط بعيدًا عن مراقبة النفس، فهذا يعني أنه على شفا حفرةٍ من الخطر الجسيم.

—————–

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 193-196، بتصرف.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts