كان “إبراهيم” عليه السلام يسيح في أرجاء الأرض ومعه زوجته ليهمسَ في أذن كلّ مَن يصادفه ويدعوه إلى الله وحده، ثم لا نلبث أن نراه قربَ الحرم الشريف الذي كان قد تهدّم؛ أي إنه استوطن -فترةً- مكة المكرمة التي سينشأ فيها سيِّدَ الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، والتي ستظلّ محرابَ المؤمنين وقبلتهم إلى يوم القيامة.

جاء “إبراهيم” عليه السلام إلى الحرم الشريف فرأى أنقاضًا جرفتها السيولُ المادية والمعنوية؛ أي سيول الكفر والضلالة تعاونت مع سيول المياه المتدفّقة من أباطِحِ مكّة، وكأن الله تعالى قد رفع الكعبة المشرفة إليه -بمادّتها ومعناها- في تلك الأيام السوداء التي حَلَكَ فيها الظلام والظلمات.

وبعد أن رأى “إبراهيم” عليه السلام هذا المشهد حاول إعادة بناء الكعبة مع ابنه “إسماعيل” انطلاقًاً من قواعدها المتبقّية، ثم أذّن في الناس يدعوهم للحج إليها، فاستجاب أصحابُ الضمائر الحية، ويقول بعض المحققين إن الأذان المحمدي قد استُنْبِطَ من أذان “إبراهيم” عليه السلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الْحَجِّ: 22/27).

جاء “إبراهيم” عليه السلام إلى الحرم الشريف فرأى أنقاضًا جرفتها السيولُ المادية والمعنوية.

الطواف حول الكعبة:

مقام الحرم الشريف مقامٌ عالٍ يُؤَهّلُ روَّادَه من تأسيس علاقةٍ مع الله، لأن الكعبة مطافُ الملائكة والروحانيين حتى سدرة المنتهى، وطواف الناس حول هذا المطاف له أفضليةٌ تفوق التصورات، فقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم:”إِذَا قَالَ الْقَارِئُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (الفَاتِحَةِ: 1/7) فَقَالَ: مَنْ خَلْفَهُ: آمِينَ، فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ”[1]، وعندما نقوم بالطواف حول الكعبة نشترك مع أرواح الأنبياء العظام عليهم السلام، ونكون تحت نظر الله تعالى، وما زال الملائكة الكرام حتى سدرة المنتهى يطوفون حول هذا المكان النوراني إلى الآن، وسيبقون إلى يوم القيامة، وليعلم كلّ طائفٍ وهو يطوف حول البناء القدسي الذي سماه الله تعالى “بيتي”أن الروحانيين يطوفون عن يمينه ويساره، ومؤمني الجن يطوفون حتى باطن الأرض.

في مثل هذه البقعة المباركة شرّفَ رسولُنا صلى الله عليه وسلم الدنيا، وكانت هذه البقعة من أهم معالم الهجرة الطويلة لإبراهيم عليه السلام.

لقد وصل “إبراهيم” عليه السلام إلى هذه البقعة بعد رحلة طويلة، وسكن هنالك وكأنه أنهى هجرته هناك، هنا التقت الهجرةُ مع البذرةِ التي كانت هي الغاية من الهجرة، ثم تحوّلت البذرة إلى شجرةٍ وارفة، ثم اتجهت الشجرة بفرعيها الكبيرين، أحد هذين الفرعين أعطى ثمراته عدة مرات، أما الفرع الآخر فامتدّ إلى الأبد، وهذا الفرع هو فرع إسماعيل وقد أعطى ثمرة لو وُضعت في إحدى كفتي الميزان لرجحت على جميع الأنبياء العظام، هذه الثمرة هي محمد صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين، وهي نتيجة هجرة “إبراهيم” عليه السلام.

المسيح.. السائح في الأرض:

لماذا أُطلق لقبُ “المسيح” على النبي “عيسى” عليه السلام؟. إن أحد معاني “المسيح”هو السائح في الأرض، أي الشخص الكثير السياحة، وقد بحث عليه السلام هنا وهناك عمّن يُسلِّم قلبَه للحقّ وللحقيقة، فحصل نتيجة سياحته هذه على اثني عشر حواريًّا، اتّخذهم تلاميذَ له، واتّجه بهم نحو فتح العالم وأداء الأمانة العظمى وتحقيق دعوته الكبيرة بهم، فإن استثنينا الطالبَ الذي خانه فمعنى هذا أنه خرج لفتح العالم بوساطة أحد عشر طالبًا، ومع أنه لا يُعرف أين وُلد السيد المسيح عليه السلام، ولكننا نعرف إلى أين توجّه في هجرته، وهناك كتبٌ تاريخيّةٌ تذكر وصوله في سياحته إلى وسط الأناضول. لقد ساح في أرجاء فلسطين وشبه الجزيرة العربية، وعندما بلغ عمره ثلاثةً وثلاثين عامًا ترك -حسبَ معاييرنا- هذا العالمَ الفاني، ورُفع إلى عالمٍ أسمى، لقد ساح في أجزاء كثيرة من العالم، باحثًا عمّن يصغي لصوت دعوته من أصحاب القلوب السليمة.

————————————————————

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 260-363.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

[1] صحيح مسلم، الصلاة، 76.