في أيامنا هذه، لا يزال كثير من الناس يعانون من الازدواجية بين عالمهم الداخلي والصورة التي تنعكس عنهم في ظاهر حياتهم؛ فمع أنهم قد لا ينجحون في إعمار دواخلهم على الوجه المطلوب، يحاولون أن يَظهروا أمام الآخرين في صورة الإنسان الكامل الذي لا تشوبه شائبة. وقد يتقنون إخفاء ما في حياتهم الفردية أو الأسرية من أوجه قصور ونقاط ضعف عن أعين الناس في حياتهم الاجتماعية. بل إن بعضهم قد يحاول أحيانًا أن يجد مسوغًا لهذه المواقف المصطنعة تحت شعار: “ينبغي أن نمثّل الإسلام تمثيلًا حسنًا”.
والحال أن ما ينبغي للمسلم أن يسعى إليه هو أن يكون في ذاته إنسانًا يجسّد الإسلام حقًّا، وأن يُظهر جمال الإسلام من خلال أحواله وسلوكه وتصرفاته، والطريق إلى ذلك يبدأ -قبل كل شيء- بإزالة الازدواجية بين عالمنا الداخلي وعالمنا الخارجي، حتى لا يكون ظاهرنا شيئًا وباطننا شيئًا آخر، وبعبارة تُنسب إلى مولانا جلال الدين الرومي: “إما أن نكون كما نظهر، وإما أن نظهر كما نكون”.
ومن ثم ينبغي أن نبدأ بإصلاح عوالمنا الداخلية، وتقويم جوانب الاعوجاج في نفوسنا، والسعي إلى أن نحيا حياة مستقيمةً على نهج الاستقامة، ثم نكون بعد ذلك قدوةً للآخرين.
وإن تحويل ذلك إلى واقعٍ عمليٍّ مرهونٌ في الأساس بالتحلّي بإيمانٍ راسخٍ وشعورٍ عميقٍ بالعبودية لله، فمتى ما تأصّل الإيمانُ في القلب تجلّتْ آثاره بشكل طبيعي على مواقف الإنسان وتصرفاته، ولا سيما إذا بلغ الإنسان مرتبة الإحسان وعاش مستشعرًا مراقبة الله له في كلِّ آنٍ، واستقرّ في وعيه أن لكلِّ فعلٍ حسنٍ جزاءً، ولكل خطإٍ أو ظلمٍ عقابًا، فحينئذ تستقيم سلوكياته من تلقاء نفسها. وإنّ مَن جعل وعيَ العبودية جزءًا من طبيعته؛ اكْتَسَتْ حياتُه الأسرية، وعلاقاتُه بجيرانه، وصِلاته الاجتماعية بأبهى الحُلَل والجمال.. ولذا فإن الأساس الأهم يكمن في إصلاح حياتنا القلبية، وتقويم عالمنا الشعوري والفكري.
أليست “الأخلاق” التي نتحدّث عنها إلا تلك السلوكيات التي نجعلها بالممارسة والمواظبة والتكرار جزءًا أصيلًا لا يتجزّأ من طبيعتنا؟! قد يجد الإنسان صعوبةً في البداية وهو يحاول أن يجعل بعضَ الخصال الحميدة طبيعةً وسجيّةً فيه؛ ولذلك لا بدّ له من أن يعطي إرادته حقّها، وأن يُظهر من الجهد والعزم والمثابرة ما يُعينه على بلوغ غايته، وبمرور الوقت تصبح هذه السلوكيات جزءًا لا يتجزأ من شخصيته، فتصدر عنه بعفويّةٍ وتلقائيّةٍ دون تفكيرٍ مسبق أو تخطيطٍ؛ وتلك هي الأخلاق الحقيقية.
وفي المقابل إذا كان الإنسان يأتي بتلك الأفعال الحسنة التي لم يتشرّبها طبعُه بعدُ لمجرّد نيل إعجاب الآخرين وتقديرهم؛ فسيفسِد خطرُ الرياء عملَه، فَمِثل هذا الإنسان لم يتمكّن بعدُ من تحويل الصفات الجميلة التي ينشدها إلى أخلاقٍ متأصِّلة في نفسه، ولم يبلغ كذلك أفق الإخلاص.
ومِن أبلغ ما يستوقف النظر في هذا السياق قول بديع الزمان النورسي: “النية -من وجهٍ ما- تُخرج الأحوال الفطرية عن عفويتها؛ فمثلًا: متى تعمّد الإنسان التواضعَ أفسد تواضعَه، ومتى تعمّد التكبر أذهب تكبّره”[1].
ويمكننا أن نطبّق هذا المعيار نفسه على سائر الخصال الحميدة، فمثلًا إذا حاول الإنسان أن يبدو مخلصًا وفيًّا، مع أن الإخلاص والوفاء لم يصبحا بعد جزءًا أصيلًا من طبعه وسجيته؛ فإن تصنّعه هذا ينتقص من إخلاصه ووفائه، وكذلك فإن السلوكيات التي تصدر عن المرء بدافع الرغبة في أن يراه الآخرون إنسانًا صالحًا وقدوةً حسنة، إنما تجرح صفاء الإخلاص وتكدّر نقاءه.
إن الأساس في الأمر هو أن تصبح هذه الصفات المتصلة بالعبودية لله وحسن الخلق جزءًا لا يتجزأ من طبيعة الإنسان وسجيته، حتى تصدر عنه مع مرور الزمن بصورة عفوية من غير تفكيرٍ ولا تدبيرٍ ولا تخطيطٍ مسبَقٍ، والطريق إلى ذلك أن نداوم على ممارسة السلوكيات الحسنة، ونكررها مرةً بعد أخرى، حتى تستقر في أعماقنا وتغدو جزءًا أصيلًا من شخصيتنا، وهذا مصداق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّمَا الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ، وَالْحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، وَمَنْ يَتَحَرَّ الْخَيْرَ يُعْطَهُ، وَمَنْ يَتَوَقَّ الشَّرَّ يُوقَه“[2].
ومع ذلك فإن تدخُّل الإرادة يبدو أمرًا حتميًّا فيما يتعلّق بمسألة الالتزام بأوامر الدين ونواهيه، فالمسلم -مهما كانت المشاعر التي تعتمل في أعماق نفسه- مكلّفٌ باجتناب المحرّمات وأداء العبادات، وإن عدمَ بلوغِه بعدُ درجة الإخلاص المنشودة في عباداته كالوضوء والصلاة والصيام، أو مجاهدته للرياء بين الحين والآخر، أو عدم تذوّقه للحلاوة الروحية التي يرجوها منها؛ كلّ ذلك لا يُعد مبررًا لترك العبادات.. وما ينبغي له هو الاضطلاع بواجبات العبودية في ظلّ شعورٍ عميقٍ بالمسؤولية، فالكمال الحقيقي يكمن بطبيعة الحال في تطهير القلب عما سِوى الله، وأداء الطاعات بإخلاص تام، بيد أن هذه مرتبة تُكتسب مع الزمن، وتتطلّب عزيمةً لا تفتر، وجهدًا متواصلًا، ومجاهدةً دؤوبة.
في الأمور التي يمكن أن نسمّيها أعمالَ القلب، ينبغي أن تكون الفطرة هي الأساس؛ فالقلب هو منبع الخصال الحميدة، كالصدق والوفاء والإخلاص والتواضع، فإذا حاول الإنسان أن يُظهر هذه الخصال في سلوكه قبل أن تترسّخ في قلبه، اختلّت عفويته وصدقه، وبرز خطر الرياء.
وكذلك فإن منشأ الخصال السيئة، كالرياء والسمعة والعُجب والغرور والكِبر، هو القلب أيضًا.. ومن ثمّ فإن إظهار تواضعٍ متكلَّف لمجرّد ألّا يبدو المرء متكبّرًا، يُعدّ بدوره ضربًا من ضروب الرياء.
وواجب المؤمن أن يعمل على إصلاح قلبه وتزكية باطنه، لا أن يسعى إلى الظهور بمظهر حسن في أعين الناس؛ فالمقصود أن يكون عبدًا مقبولًا عند الله، وذلك بإصلاح قلبه وتجميل عالمه الداخلي.
أجل، إن السبيل إلى التخلص من الرياء في العمل يكمن في التعمّق بالإيمان، وتقويته بالعمل الصالح، وتحويل العمل بمرور الوقت إلى جزءٍ متأصّلٍ من طبيعة الإنسان وسجيّته، وينبغي للمرء أن يبلغ في هذا الأمر منزلةً من النضج والرسوخ يصبح معها ضميرُه سريع التأثّر؛ فإذا خطرت بقلبه -ولو لحظةً- خاطرةٌ لا تمتّ إلى ابتغاء رضا الله بصلة؛ شعر في الحال بالضيق والنفور منها، وقابلها بالرفض من فوره، وإذا ما استغرق -مثلًا- في أفكار دنيوية أثناء الصلاة دون أن يدري، ثم تنبّه إلى ذلك؛ نشأ في عالمه الداخلي شعورٌ طبيعي بالانزعاج والقلق.
وقد يتسبب هذا الانزعاج أحيانًا في تحريك يده أو قدمه، أو انتفاض كتفيه، أو هزِّ رأسه لا إراديًّا، فهذه الحركات ما هي إلا انعكاسات خارجية لذلك التفاعل الداخلي، أما إتيان الحركات ذاتها دون الشعور بمثل هذا الحال الداخلي، بل لمجرد تقليد الآخرين؛ فهو عين الرياء، بل إن محاولة إظهار تلك الأفعال وكأنها مظهر لشعورٍ عميق بالعبودية، لهو رياءٌ مُضاعفٌ ومركّب.
ينبغي للإنسان أن يؤدي عباداته بتناغمٍ وانسجامٍ مع عالمه الداخلي، وأن يتجنب في عبادته كلَّ سلوكٍ يتنافى مع التكامل بين الظاهر والباطن، فمثلًا قد يغلب الدمعُ بعضَ الناس في أثناء الصلاة متأثّرين بما يتلون من آيات، أو يكررون آيةً من الآيات أكثر من مرّة؛ رغبةً في استقرار الحقائق التي تعبّر عنها في أعماق كيانهم، وأن يتشرّبها وجدانهم؛ وهذا لا حرج فيه، أما من لم يستشعر مثل هذا العمق فلا يصحّ له أن يتعمّد تقليد هذه التصرفات؛ لأن شروط الصلاة وأركانها قد حدّدها صاحب الشريعة ﷺ، وليس من اللائق بروح الصلاة أن يأتي الإنسان بإرادته بسلوكٍ يخالف ما شرعه الله تعالى فيها. أما الحالات التي تخرج عن نطاق الإرادة، كالبكاء والأنين ورفع الصوت ونحو ذلك، فإن المرء يكون فيها معذورًا.
وينبغي الإشارة هنا أيضًا إلى أمرٍ مهمّ؛ وهو أن ما يُبديه الإنسان في علاقاته بالآخرين من رِقّةٍ وظُرفٍ في التعامل، وما يُظهره من تواضعٍ، وما يقدمه من عبارات الثناء والإطراء؛ ليس بالضرورة أن يكون في كل حالٍ انعكاسًا تامًّا لما يجري في أعماق نفسه، ومع ذلك فإن التخلي كليًّا عن هذه السلوكيات التي أصبحت جزءًا من الثقافة العامة للمجتمع وقواعد آدابه العامة، قد يُقابل بالاستهجان من قِبل الآخرين، وقد يخيِّب ظنَّ المتطلّعين إليها، أو يؤدّي إلى تقديم صورةٍ سلبيّةٍ عن مفهوم الأدب والرقي وحسن المعاملة في الإسلام، ومن ثَمّ يمكن النظر إلى هذه المواقف والسلوكيات على أنها نوعٌ من المسؤولية التي ينبغي للإنسان أن يؤديها تجاه المجتمع، وليس من الصواب أن نضعها في الخانة نفسها مع التصرّفات المتكلّفة التي يُظهرها المرء طلبًا لاستحسان الناس وإعجابهم، كما أنه لا ينبغي له أصلًا أن يأتي بها بهذه النية، ومع ذلك فإن المؤمن حتى في هذا المقام لا ينبغي أن يركن إلى ثقته بنفسه؛ بل عليه أن يسعى دائمًا إلى تحقيق التوافق التام بين قلبه ولسانه، وبين ظاهره وباطنه، وألا يغفل أبدًا مسألة استحضار الخشية من أن يحاسبه الله تعالى على حقيقة ما في قلبه وصدق ما يصدر عنه.
خلاصة القول، إن غاية المؤمن الحقيقية ليست في أن يبدو صالحًا أمام الناس، بل أن يكون عند الله عبدًا صادقًا مستقيمًا مخلصًا في عبوديته، والإنسان الذي ينجح في تحقيق التناغم التام بين عالمه الداخلي وحاله الظاهر، لا يعود بحاجةٍ إلى أن يحمل همّ تمثيل الإسلام؛ فحاله وحده يصبح بلا شكٍّ أقوى تمثيل وأبلغ تعبير عنه.. أما الإخلاص الحقيقي، فلا يكمن في السلوكيات المصطنعة التي لا رصيد لها في الباطن، بل يتجلّى بوضوحٍ في حياة العبودية التي امتزجت بالإيمان، وتشكّلت حول ابتغاء مرضاة الله، وأضحت بمرور الوقت جزءًا لا يتجزّأ من الفطرة والطباع.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] بديع الزمان سعيد النورسي: المثنوي العربي النوري، ص 327.
[2] البيهقي، شعب الإيمان، 13/236.
المصدر: انظر موقع هيركول، الرابط التالي: https://herkul.org/alarabi/al-takamul-bayn-al-zahir-wal-batin
