سؤال: يقوم العلم في عصرنا الحاضر على مبدإ الحياد والموضوعية، مما يحث البعض على القول بأنه ينبغي أن تكون غاية العلم هي العلم ذاته، بعيدًا عن أيِّ غايةٍ أو توجّهٍ آخر.. فما هو المنهج الفكري السديد في هذه المسألة؟
الجواب:
لا تقتصرُ مثلُ هذه الأفكار على العلم فحسب، بل تمتدّ أصداؤها في عالمنا المعاصر إلى مجالاتٍ أخرى؛ فعلى سبيل المثال يُقال “الفن من أجل الفن”، ولهذا السبب قد يُنظَر باحتقار واستهانة إلى مَن يكتبون الشعر بهدفِ التعبيرِ عن بعض الحقائق، وإيصال بعض الرسائل إلى الناس، بل قد يُقال: الأوْلَى أن يوصَف هؤلاء بالوعاظ لا الشعراء.
ووفقًا لهذه الرؤية لا يجوز أن يُتَّخذَ الشعر وسيلةً لغاية أخرى، فالأصل فيه هو عرض الفنّ ذاته، وإبراز قيمته الجمالية.. وعلى الشاكلة نفسها قد تُطلَب بعضُ المهن والمناصب والرتب لذاتها؛ فيصبح مجرّد التباهي بمكانةٍ مرموقة، وحصْد الأوسمة والدروع؛ غايةً قائمةً بذاتها، وحين تتأمّل في حياة أصحاب هذا التصوّر، تجدهم يعيشون أسرى للأنا، ويدورون في حلقةٍ مفرغة بلا هدف؛ لذا تتضارب مواقفهم أمام الأحداث، ولا تظهر في نسيجِ حياتهم أيُّ نقوشٍ جميلةٍ أو زخارفُ ذات معنى.
عند النظر إلى الأمور بعين الإيمان، يتبيّن أن لكل شيءٍ غايةً ساميةً لا بدّ أن ينتهي إليها، وعلى الإنسان أن يرفع بصره إلى الآفاق العالية، ويربط نفسه بمُثلٍ عليا، وينظّم حياته في اتجاه تحقيق هذه الغاية المنشودة، وما دمنا قد بدأنا رحلة الحياة هذه بإرادةٍ لم تكن لنا فيها سابقة اختيار، ونسير حتمًا نحو نهايةٍ يعقبها بعثٌ ثانٍ وبدايةٌ أبدية، فعلينا أن نقيم صلةً وثيقةً بين بداية حياتنا ونهايتها، وأن نصل المبدأ بالمنتهى.
فإذا لم تكن لنا غايةٌ منشودة، ظللنا نبذل الجهد في هذا الطريق ككائناتٍ معصوبة الأعين تدور حول نفسها، فنظلّ نكدح دون أن نقطع مسافةً حقيقيّةً، نمضي قليلًا ونمضي كثيرًا، ونجتاز السهول والجبال، لكننا في النهاية لا نبتعد عن موضعنا مقدار شبر، ومن ثم حين نقدم على إنجاز أي عمل أو إقامة أي مشروع، ينبغي أن نحدد منذ البداية الهدف الأساسي الذي نريد بلوغه من ورائه تحديدًا صحيحًا وواضحًا.
ومن الملاحظ جليًّا في الآونة الأخيرة وجودُ شغفٍ صادق، وسعي حثيث، وبحث جادّ لفهم حقيقة الوجود؛ إذ تُبذل الآن محاولاتٌ لمطالعة الأوامر التكوينية، واستقراء الكائنات والأحداث بدقة وتعمق، ولا يسعنا بحال إغفال هذه الجهود الدؤوبة المتنوّعة في مختلف العلوم، غير أن الذهنيات المنشغلة بهذه العلوم غالبًا ما تقع تحت سطوة النظرات الوضعية والطبيعية، فلا تستطيع أن تَنفُذ بنظرها إلى ما وراء حجب الوجود، وبناءً عليه تعجز عن إدراك المعاني الحقيقية التي تعبر عنها الحوادث والأشياء إدراكًا كاملًا، وتقف تقييماتها عند حدود العالم المادي؛ ومن ثم يتعذّر عليها الانتقال من الأثر إلى المؤثر، وتظلّ عاجزةً عن الوصول إلى معرفة الحقيقة.
غير أن الفكر الإسلامي ينظر إلى ما في الكون من حوادث وأشياء على أنها رسائل إلهية موجّهة إلينا من قِبَل المولى سبحانه وتعالى؛ فكلّ حرفٍ فيها، وكلّ كلمةٍ وسطرٍ، يعود إليه ويدلّ عليه، وكما هو الحال في الأوامر التشريعيّة، فإن الغاية النهائية المنشودة من تأمّل الأوامر التكوينية ودراستها هي معرفة الله، والباحثُ الذي يستطيع أن ينظر إلى الكون من منظور القرآن الكريم يجد في كلّ فرعٍ من فروع العلم سبلًا توصِّله إلى الله تعالى، وكلما ازداد هذا الإنسانُ معرفةً بالوجود، ازداد في المقابل معرفةً بربِّ العالمين سبحانه وتعالى، وصار يشاهد تجليات أسماء الله الحسنى في كلِّ ما تقع عليه عيناه.
لقد أسفرتْ الأبحاثُ التي أجرِيتْ في مجالَي العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية عن نتائج أسهمتْ في تيسير سبل الحياة، وسوف تستمرّ في تحقيق ذلك مستقبلًا، فبفضل التقنيات الحديثة، ستُكتشف علاجات للأمراض، وسيرتفع مستوى الرفاهية في المجتمعات، وستتهيّأ السبل لبناء بنيةٍ اجتماعية أكثر تماسكًا واستقرارًا.
ولا يمكن التقليل من شأن أيٍّ من هذه المنجزات، غير أن الإنسان لا ينبغي أن يكتفي بهذه المكاسب، بل عليه أن يجعل من أبحاثه حول الوجود سبيلًا للوصول إلى الله، ومعرفته ومحبته، والتعمق في عبوديته.
ومع أن هذه الانفتاحات التي من شأنها أن ترتقي بالإنسان إلى أفق الإنسانية ممكنةٌ، فلا يمكن تجاهل ما شهده العصر الحديث من انحرافاتٍ خطيرة في النظرة إلى الدين. فقد نظر بعضهم إلى الدين على أنه مجرد فرع من فروع العلم يُتّخذ موضوعًا للبحث والدراسة، ورآه آخرون نظريةً فلسفية، بينما صوّره فريق ثالث على أنه مجرد مُثلٍ عليا ينبغي للإنسان أن يسعى إلى بلوغها.
والحال أن الدين منظومةٌ إلهية أرسلها الله إلى الناس لتكون لهم دليلًا ومرشدًا في الحياة، فلا يمكننا أن نحصره في جانبٍ معين من جوانب الحياة، ولا أن نتعامل معه بوصفه مجرد مجالٍ فكري نظري. فالأنبياء لم يكونوا فلاسفة، كما لم يكونوا مجرد أصحاب مُثلٍ عليا؛ بل كانوا -قبل كل شيءٍ- أناسًا حملوا مسؤوليةً عظيمة، أدركوا حقيقة المهمة التي حمّلهم الله إياها، وأدّوها حق أدائها، ومن ثم فإن الالتزام بالتكاليف الدينية التي وصلت إلينا عن طريقهم، والعيش وفق مقتضياتها، يمثل مسؤوليتنا الأساسية في هذه الحياة.
ولا يخرج العلماء أيضًا عن هذا الإطار؛ فهم بدورهم مسؤولون عن العمل بالحقائق التي يؤمنون بها، وتبليغها للآخرين، فما من علمٍ أهمّ من معرفة الله، ولا عمل أسمى من نيل رضا الله تعالى. فإن كل ما لا يرتبط بالله تعالى يظلّ أمرًا ثانويًّا بالنسبة للمؤمن، بل يمكن القول: إن الأعمال مقطوعة الصلة بالله، وما يصاحبها من جهودٍ ومساعٍ مبذولة؛ يشوبها الخلل والقصور من وجهٍ من الوجوه، ومن ثَمّ مهما كان المجال الذي نتخصّص فيه، فينبغي ألا نغفل عن غايتنا الكبرى، وأن نحرص على أن نربط كلّ عملٍ نقوم به بطريقةٍ أو بأخرى بالله تعالى.
وقدوتنا ومرشدنا في هذا الأمر كما في كلِّ أمر هم سادتنا الأنبياء عليهم السلام وعلى رأسهم سيدنا رسول الله ﷺ الذي كان أنموذجًا كاملًا للإخلاص، فرغم اشتغاله ﷺ هو أيضًا بأمور الدنيا بمقتضى بشريته فإنه كان يجعل رضا الله تعالى أساسًا لكلِّ عملٍ يقوم به، مؤكّدًا على أن الأعمال التي لا صلة لها بالله، ولا يُستفتح فيها باسمه؛ مصيرُها الإخفاق وانقطاع البركة منها، ولهذا عندما كان يستحضر الجنة ونعيمها، كان في الغالب ينظر إلى أعماله من حيث ما تحقّقه له من رضا الله، وما يفوته منها ابتغاءً لمرضاته، ويعيش حياته على هذا الأساس.
فيجب على كلِّ مَن نذرَ نفسَه لغايةٍ سامية على وجه الخصوص أن يبتغيَ بعمله أيًّا كان وجهَ اللهِ تعالى، ولا ينبغي للأغراض الدنيوية أو الدوافع النفسية أن تحجب صفاء هذه النية النقية، بل عليه أن يوقنَ بأنّ الأعمالَ المجرّدة من الأغراضِ الشخصية ومن التشوّف لأجرٍ أو مقابلٍ؛ يشملها اللهُ ببركته.
فعندما يتحرّك الإنسان من أجل الله، ولوجه الله، وفي سبيل الله؛ قد تُعادل ثواني عمره أعوامًا في الأثر والبركة، ومن ثم ينبغي للعبد أن يوظِّف ما لديه من معارف وخبرات في الاتجاه الذي يوصّله إلى غايته المنشودة، وقناعتنا أن صفاء النيات وسموّ الغايات قادران على تحويل أبسط التصرفات إلى عبادة، وإضفاء بعدٍ أعمق على الأعمال التي يقوم بها الإنسان.
وفوق ذلك، فإن المتخصّصين في مختلف فروع العلم، بما يمتلكونه من معارف وخبرات، يستطيعون أن يكونوا أكثر نفعًا وعطاءً في سبيل المُثل العليا التي يؤمنون بها، ويساعدهم اتساع آفاقهم على اتخاذ القرارات الصائبة، كما أن المناصب والمراتب التي بلغوها تيسّر لهم الأعمال التي يضطلعون بها.
وهم لا يستثمرون هذه الإمكانات لمصلحة أنفسهم، وإنما يوظفونها في خدمة الدين، ولا ينسبون النجاحات التي يحققونها إلى أنفسهم، بل يرونها فضلًا من الله عليهم، ويحاولون أداء شكر هذه النعمة حق أدائها؛ إذ إن كل نعمة تطلب شكرًا من جنسها.
وينبغي ألا نغفل عن أن كل ما يحصل عليه الإنسان من إمكانات مادية أو معنوية إنما هو أمانة في يده؛ فلا يجوز له أن يخون هذه الأمانة، بل عليه أن يوظف كل ما وهبه الله في سبيله، وأن يجعل ما أُعطيه من علم وقدرة ومكانة ووسائل عونًا على خدمة دينه وعباده.
فليست إمكانات مَن يتولى إدارة حانوتٍ صغير عند ناصية الطريق كإمكانات مَن يدير مؤسسة كبرى.. وكما هو ظاهر، شتّان بين مسؤوليات عمدة قرية صغيرة وإنجازاته، وبين مسؤوليات محافظ وإنجازاته، ويؤكد ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الزُّمَرِ: 39/9)، وسواء كان الإنسان صاحب علم أو ثروة أو منصب، فالمهم هو قدرته على تسخير هذه الطاقات في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، وخدمة الإنسانية.. فبذلك وحده تتحول الحياة إلى بذرةٍ مباركة تُثمر آلاف السنابل، وهل غاية الحياة إلا معرفة الله وعبادته؟!
خلاصة القول: أيًّا كان المجال الذي نعمل فيه أو النشاط الذي نشتغل به، فإننا بحاجةٍ دائمةٍ إلى مراجعة وجهتنا واستقامتنا وتقويم مسارنا، وأن نجري هذه المحاسبة في كلِّ مجال نعمل فيه، وأن يكون بعضنا لبعضٍ عونًا ومرشدًا، ولا ينبغي أن نعتمد على آرائنا فحسب، بل علينا أن نأخذ بآراء الآخرين ونستفيد منها، كما ينبغي أن نتشاور مع أهل الخبرة والاختصاص حول أفضل السبل لتوظيف الإمكانات المتاحة لدينا، وكيفية توجيهها لنيل رضا الله تعالى، ذلك أن مبدأ الشورى هو من أهم الوسائل التي تعين على اتخاذ القرارات السديدة، واستغلال الفرص في مواضعها الصحيحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر: الجرة المشروخة، انظر الرابط التاالي: https://herkul.org/alarabi/al-ghaya-min-al-ilm
