Reader Mode

من أكبر المشاكل التي يعاني منها المؤمنون اليوم عدمُ قدرتهم على أن يجعلوا الأفكار الجميلة التي يردّدونها والكلمات الطيبة التي يتفوّهون بها جزءًا من طبيعتهم، ناهيك عن عدم استطاعتهم أن يبلغوا أفق الإخلاص والإحسان في أعمالهم، إننا لم نستطع أن ننسلخ من الإيمان التقليدي ألبتة، وبالتالي لم نستطع أن نوطّد صلتنا مع الله تعالى، ولا أن نسلِّم مخلصين لأوامر دينه، ولا أن تقشعرّ قلوبنا وتفيض أعيننا من الدمع عند ذكره، وفي الغالب لا نشعر بعاطفةٍ تعادل حنين الأم الرؤوم لفلذة كبدها الذي تنتظره في لهفةٍ واشتياق.

قد لا يستطيع الإنسان في بداية الأمر إنشاءَ علاقة وطيدة مثل هذا مع الله سبحانه وتعالى، وقد لا يملك هذا القدر من الشعور، ومع ذلك لا بد أن يطمح على الأقل إلى مثل هذا الشعور والإحساس، وأن يحدد أهدافه جيدًا، ويوحِّد مطالبه؛ لأن مَن لم يوحّد مطالبَه وقبلَتَه يستحيلُ عليه قطعًا الوصول إليه سبحانه وتعالى.

ليتنا استطعنا أن نذيب أنانيّتنا في حوضٍ كبيرٍ كما يذوب السكّر ويتلاشى في الشاي! أو كما يقول الصوفية: “ليتنا استطعنا أن ننسلخ من “أنا”، ونرسو في ميناء “نحن”، ثم نجتاز “نحن”، ونرتقي إلى أفق “هو”!”، ليتنا تلاشينا تمامًا ذاتًا وأنانيةً! إذًا لَكُنّا وصلْنا إلى أفقٍ مختلفٍ تمامًا، وخِلْنا الوجود كله حبيبًا وفيًّا، وقلنا كما يقول الشاعر “نيازي مصري”:

ظننتُ أنه لم يبق في العالم حبيب
فلما تخلّيتُ عن نفسي رأيتُ كلَّ شيءٍ حبيبًا

يجب أن نعلم أنه طالما ظلت أنفسُنا وأنانيتُنا حجابًا للحقيقة! بمعنى أنه طالما ظللنا نقول: أنا، أنا… فلن نفوز بالوصال مع الله سبحانه وتعالى. وما أجمل قول الشاعر الصوفي:

أنى تتجلّى لعبدٍ يقول ها أنا ذا
فلن أراك ظاهرًا حتى أكون غائبًا

ومن ثم علينا أن نتضرّع إلى ربنا سبحانه وتعالى في أدعيتنا قائلين: اللهم إن تجليك منوطٌ بغيابي، فلا تحرمني منك يا إلهي بإظهار نفسي وأنانيتي.

يجب أن يكون تقديرنا للشيء تبعًا للقيمة التي يحملها هذا الشيء، فالأشياء التي نقوم بها بمقتضى بشريّتنا، علينا أن نستنفذها ضمن الدائرة المشروعة، وعند فعل ذلك يجب أن نراعي حقوق أنفسنا وعائلتنا ومحيطنا الاجتماعي، ولكل هذا إطارٌ وحدودٌ بحسب الحاجة والضرورة، أما بالنسبة لمعرفة الله ومحبته والتوجّه إليه بالعبودية؛ فليس لها إطارٌ أو حدودٌ، ففي هذه المسألة يجب أن نتطلّع إلى الذرى دائمًا، وأن نرنو بأبصارنا إلى أعلى فأعلى قائلين: هل من مزيد؟!

 ينبغي أن نطمح إلى معرفة الله بأن نرفع أيدينا قائلين: اللهم عرّفنا بذاتك، وألوهيتك، وربوبيتك، وجاهك، ومنزلتك، وأسمائك السبحانية، وصفاتك القدسية كما عرّفتَ عبادَك المقربين من الأنبياء والمرسلين”.. وعلينا عند فعل ذلك أن نسأل الله أن يُشعِرَنا بمحونا وعجزنا أمامه حتى لا يُداخلنا العجبُ والغرور.. فمن ناحية يجب أن نطمح إلى أعلى الكمالات، ومن ناحية أخرى أن نتحرّك مدرِكين عجْزَنا عن الوقوف والاستواء بدون فضل الله وعنايته عز وجل.

ومهما تعمّقْنا في العبودية يجب أن نعي أننا لم ولن نستطيع أن نؤدّي حقّ عبوديّتنا لربّنا جلّ وعلا، وحتى في اللحظات التي نستغرق فيها في العبودية علينا أن نقول بصدقٍ وإخلاصٍ: “ما عبدناك حقّ عبادتك يا معبود!”، علينا أن نتجنّب كلّ أنواع الادعاءات، ولا نطمح إلى المقامات الكبيرة، وأن نعتبر العبودية له هي أسمى المقامات، وأن نتمسّك بفكرة أن نكون بين الناس فردًا من الناس، فلا نجري وراء مقامات مثل الغوثية والقطبية والمهدية، يجب أن نعلم أن المعرفة الحقيقية هي أن نتجمّل بالتواضع والحياء ونكران الذات ونحن نحلّق في سماء العبودية.

ولا يمثّل هذا الموقف تناقضًا بالنسبة للإنسان، كما أنه ليس شعورًا بالدونية، إنما هو نتيجة طبيعية للتعامل وفقًا لمقتضى الحال.. هذا هو الموقف الذي يجب أن نتبنّاه في عبوديتنا لله رب العالمين، لكن إن تمثَّلْنا الموقف نفسه مع الناس وخاصّة مع المتكبّرين والمستبدّين؛ فقد أهنَّا أنفسنا، واستولى علينا ما يُسمى بالشعور بالعقدة الدونية.

إن إظهار التواضع وإنكار الذات أمام الله يرفعنا أيّما رفعة، ويوصلنا في النهاية إلى منزلةٍ نتقدم بها حتى على الملائكة وهم عباد الله المكرمون.. فلقد ارتقى مفخرة الإنسانية صلى الله عليه وسلم بعبوديته إلى المعراج، وتقدم على الملائكة ومن بينهم جبريل وميكائيل بتواضعه لربّه جل وعلا، حتى إنه صلى الله عليه وسلم قال من باب التحدث بالنعمة: “مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا لَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فَجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ[1]، ولكن كما جاء في حديث الشفاعة كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تحدّث عن مقامه ومنزلته عند ربه يقول: “وَلَا فَخْرَ”، وهو وإن لم يصرح بهذا اللفظ فقد كان قلبه ينبض به دائمًا.

وفي هذا الشأن يمثّل المقربون الذين يتبوؤون منزلةً كبيرةً عند الله عز وجل القدوة لنا؛ فلقد كانوا يتطلّعون دائمًا إلى معرفة الله، ويحاسبون أنفسهم محاسبةً قاسيةً في هذا السبيل، وينسبون كلَّ ما يملكونه لله عز وجل، لم ينسبوا شيئًا إلى أنفسهم في نجاحاتهم، بل ولم يدَّعوا الأفضلية على أحد.

فما الذي يدّعيه الإنسان لنفسه؟! وهو الذي خُلِق من ماء مهين وسيصل به الحال في النهاية إلى أن يكون عظامًا نخرة كما ورد في القرآن الكريم! أليس كلّ ما نملكه منه سبحانه وتعالى؟! ومهما كان قدر عبوديتنا له، ومهما بلغنا من المقامات فهذا لا يعني أننا وفّينا بواجبنا ومسؤوليتنا تجاهه سبحانه وتعالى، إننا عاجزون عن شكره على نِعَمه كما ينبغي، أو التعرف عليه بحقّ، أو أن نتوجّه إليه بالعبودية الحقة.. وهكذا فإن السبيل إلى الوصول إلى العبودية الحقة هو القدرة على إدراك عجزنا هذا، وعندما ندرك ذلك نكون قد توّجْنا عبوديتَنا.

هذه هي جنتنا المفقودة بالنسبة للكثيرين منا، فيجب أن نعمل على الوصول إليها، وأن نحلِّق مرة أخرى بمعرفة الله، ومحبة الله، والشوق إلى الله، وأن نرتفع أعلى وأعلى، وندفع بظهور أيادينا كلَّ ما سوى ذلك، فإن لم تكن الصلة قويّةً بين قلوبنا وبين الله ورسوله الأكرم صلى الله عليه وسلم فستظلّ الكلمات التي تنساب من أفواهنا مجرد ادعاء.. قد يكرمنا الله فنكون كلَّ شيءٍ، ولكن يجب أن ننظر إلى أنفسنا على أننا لا شيء.. وعلى هذا يتوقف انبعاث المسلمين من جديد بعد أن أصبحوا مجتمعًا نصف ميت، يسير بلا بوصلة، ولا يعي ما يفعل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سنن الترمذي، المناقب، 17.