سؤال: ذكرتم أن الحسد وسوء الظن من الأمراض النفسية، فما أسباب وجود مثل هذه الأمراض، وهل هناك من وسائل للعلاج؟

الجواب: الحسدُ وسوءُ الظنّ كلٌّ منهما ذنبٌ قائم بذاته، وبينهما تلازم؛ بمعنى أن كلًّا منهما يترتب على الآخر، فمثلًا من يسيء الظن فيمن حوله يحمل مشاعر العداء في داخله لغيره دون وعي منه؛ لأنه يسيء التفكير دائمًا في أفعالِ وتصرّفات ذلك الغير دائمًا، بل ويُؤوّل كل هذه الأفعال والتصرفات البريئة على نحوٍ سيّئ؛ فعلى سبيل المثال الشخص المحسود يسعى ويجتهد في الحقيقة لنيل رضا الله تعالى، غير أن الحاسد يعتبره شخصًا يسعى إلى إظهار نفسه وتزكيتها، ويظن به الظنون.

على القلب المؤمن أن يسعى إلى تعمير التصدّعات التي تشكّلت في حياة الفرد والمجتمع، وأن يعالج المصابين>

حمادى القول: إن سوء الظن يؤدّي إلى الحسد أحيانًا، والحسدُ يؤدي إلى سوء الظن أحيانًا أخرى، ومن ثمّ فإن كلا الذنبين يُدخل المرءَ في محيط دائرة فاسدة، أما المؤمن فعليه أن يتتبع الدائرة الصالحة لا الفاسدة؛ بمعنى أن على المؤمن أن ينشد أعمالًا تكون مصدرًا لأعمال خيّرة أخرى، فما إن ينتهي من عملٍ خيِّر حتى يشرع في آخر.

الشرارة والحريق

يبدأ الحسد وسوء الظن في البداية كميلٍ طفيفٍ، ولكن إن لم تُوفّ الإرادة حقها وتُتخذ التدابير اللازمة، فقد تتحول هذه الميول مع الوقت إلى أمراض نفسية؛ وبتعبير آخر: إنّ انحرافًا صغيرًا في مركز الدائرة يُشكل زاوية كبيرة في محيطها؛ فالحاسد مثلًا يغار مما يقوم به المحسود حتى من العبادات الأخروية كالصلاة والحج، ومع الوقت تتحوّل هذه الغيرة إلى حالة مَرَضية، وإلى حسدٍ يعادل الكفر والعياذ بالله، ثم لا يلبث إلا أن يقول عن أخيه المؤمن كلامًا يتنافى مع الإيمان من قبيل: “ليت قدمه تنكسر أو تسقط الطائرة التي يركبها ولا يستطيع الحج!”.. ومن ثم فعلى الإنسان منذ البداية ألا يعترف بحقّ الحياة لهذه المشاعر التي تبدو في القلب صغيرة للغاية، وألا يسمح لها باستدعاء الذنوب الكبيرة؛ لأن الإنسان قد يتغلّب بسهولة أكبر على هذه الذنوب في صغرها، ولكن إن لم يتعهد نفسه بالتوبة والاستغفار حينما تطلّ هذه الأمراض برأسها فإنها تتعاظم بمرور الوقت ويسودّ القلبُ كليةً ويُطبع عليه، وقد عبر الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله في مؤلفه “اللمعات” عن خاصية هذه الذنوب بقوله: “كل ما تكسبه أيدينا من إثم، وكل ما يلـج إلى أذهاننا من شبهة، يشق جروحًا غائرة في قلوبنا، ويفجر قروحًا دامية في أرواحنا…”[1]، وهذه الحقيقة يؤكدها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: “إِنَّ العَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ فِي قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، وَهُوَ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ الله ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/14)”[2]، فكما رأينا في الحديث الشريف فإن كل ذنب ينكتُ نكتة سوداء في حياتنا القلبية، وكل نكتة تستدعي نكتة أخرى كما تفعل الجراثيم التي تنخر الأسنان تستدعي أخواتها قائلة: “تعالوا فالطريق هنا ممهدة، لننخر الأسنان ونصيب جرحًا في اللثة”، وكذلك الحال بالنسبة للنكتة التي تتشكل في القلب تستدعي النكات الأخرى قائلة: “لا تدعوني وحدي!”، وبذلك تتعاقب النكات تلو بعضها، وعند ذلك تتجلى الحقيقة التي عبر عنها القرآن الكريم بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الْمُطَفِّفِينَ: 83/14)، ونتيجة لهذا يتشكل في القلب مناخٌ قاتم السواد، لدرجة أن الإنسان لا يمكنه أن يرى الصواب صوابًا والمعوج معوجًّا، وبسبب عدم تمييزه بين المستقيم والمعوج تراه يسير دائمًا في طرق معوجة وهو يحسبها مستقيمة.

إن مسألة إزالة القيح والصديد والرّان الذي على القلب أمرٌ يدخل ضمن مشيئة الله.

الحرص على تتبّع الجلسات الإيمانية

أما عن أهم وأنجع السبل للنجاة من مثل هذا الخطر فهو تجديد الإيمان من خلال إقامة جلسةٍ إيمانية دائمة كل يوم وإن ببضعة أشخاص.

أجل، لا يمكن معالجة هذه النوعية من الأمراض إلا بتشبّع الوجدان بالحقائق الإيمانية الغضة المتجددة على الدوام؛ ولذا يجب على الإنسان أن ينظر إلى الإيمان كل يوم بنظرة أخرى، وأن يسعى على الدوام للوصول إلى أفق إيماني ومعرفي جديد قائلًا: إلهي ما استطعتُ أن أعرفك بالأمس كما أعرفك اليوم؛ ففوّتُّ على نفسي الكثير، أما اليوم فقد اختلف شعوري ومعرفتي بك في وجداني اختلافًا كبيرًا”، وهكذا علينا أن ننظر إلى عقيدة الحشر والنشر على هذا النحو، وأن يضطلع الحذرُ من الآخرة والخوف من الحساب بدورٍ مهمٍ في توجيه أفعالنا وتصرفاتنا، فالفوزُ بالجنة منوطٌ بالنجاة من القبر واجتياز الصراط ورجاحة كفة الحسنات في الميزان على كفّة السيئات، فإن لم نستطع ذلك -نسأل الله السلامة- فهذا يعني أن عاقبتنا وخيمةٌ قاتمةُ السواد..

ومن ثمّ فعلينا أن نعرف قضايا الإيمان بالآخرة معرفتَنا بالحروف الهجائية، وأن نعمل على الشعور بها مرة أخرى في أفئدتنا بأن ندرسها كل يوم بشكلٍ وأسلوب ونمطٍ مختلف..

وعلى غرار مسألة الإيمان بالآخرة علينا أن نتناول مسألة الإيمان بالنبوة بمثل هذا الأسلوب فإذا ما تبادر إلى العقل مفخرة الإنساية محمد صلى الله عليه وسلم تحرّقتْ القلوبُ شوقًا وحنينًا إليه..

وهكذا علينا أن نفعل بمسألة الإيمان بالقدر حتى إذا ما داهمتنا أشد المصائب قلنا “الخير فيما قدّره الله” أو “الحمد لله على كل حال سوى الكفر والضلال”.. أجل، علينا عند أيّ مصيبة أو ابتلاء قاسٍ أن نستجمع قوانا ونقول: “في كلٍّ خير، لا بد أنه إنذار من الله تعالى”.

وكما أنه من المهم التركيز على حقائق الإيمان كلها فمن المهم أيضًا أداء أركان الإسلام بروحٍ تعبّدية مثالية دقيقة كاملة؛ لأن استيعاب الدقة في امتثال الأمر أهم من إجراء آلاف المحاكمات المنطقية العقلية.. فلقد استخدم الشيطان عقله الفذَّ فخسر، أما آدم عليه السلام فقد استوعب دقة الامتثال للأمر بعد زلته من ناحية ما، فرسم قوسًا وارتقى عموديًّا حتى فَاقَ الملائكة.

ولتحقيق كل هذا يجب على كل من لديه قدرٌ من المعلومات ويستطيع التعبير عنها أن يشمّر عن ساعديه ويسرِّع من وتيرة هذا الأمر، ويهرول من درس إلى آخر، ويجعل من القضايا المطروحة موضوعًا لجلساته الإيمانية، وكما تُتَّخذ بعض التدابير للوقاية من نزلات البرد التي قد تتسلّط على الناس في الخريف فكذلك علينا أن نتّخذ التدابير اللازمة للتغلّب على الأمراض المعنوية التي تعد أشدّ من الأمراض الجسمانية والبدنية؛ لأن الأمراض المعنوية هي أخطر وأعظم من الأمراض المادية لدرجةٍ لا يمكن مقارنتها، فالأمراض المادية تؤلم الإنسان، وأكثر ما تفعله هو أن تقضي على حياته الفانية، أما الأمراض المعنوية فتقضي على الحياة الروحية والقلبيّة في هذه الدنيا كما أنها تتسبب في الآخرة في محو حياته الأبدية.. ومن ثم فلا بدّ من التغلّب على هذه المشكلة وحلّها منذ البداية وعدم إتاحة الفرصة لتفاقمها.

يجب على الإنسان أن ينظر إلى الإيمان كل يوم بنظرة أخرى، وأن يسعى على الدوام للوصول إلى أفق إيماني ومعرفي جديد.

والواقع أنني لا أدري أباستطاعة المرشدين أن ينجحوا دائمًا في معالجة الأمراض المعنوية مثل الغيرة والحسد أو لا!! لأن مسألة إزالة القيح والصديد والرّان الذي على القلب أمرٌ يدخل ضمن مشيئة الله، ولكن على كل حال على الإنسان أن يسعى بمقتضى قول الله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سورة النَّجْمِ: 53/39).

أجل، على القلب المؤمن أن يسعى إلى تعمير التصدّعات التي تشكّلت في حياة الفرد والمجتمع، وأن يعالج المصابين، وأن يأخذ بأيدي المرتجفين والمترنّحين، وأن يسعى إلى دحض الأفكار السلبية التي تتبادر إلى الذهن وتُراود الخيال، فتكدر التصوّرات، وهذا هو الوفاء والمروءة المتوقّعة من المؤمن، وغير ذلك يعتبر ضياعًا للوفاء وتبلُّدًا للشعور.

[1]  بديع الزمان سعيد النورسي: اللمعات، اللمعة الثانية، النكتة الأولى، ص 11.

[2]  سنن ابن ماجه، الزهد، 29؛ سنن الترمذي، التفسير، 74.

المصدر: فتح الله كولن، جهود التجديد، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts