Reader Mode

إن استقامة الإنسان أو اعوجاجه يبدأ من القلب، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ”[1]، لافتًا بذلك الانتباه إلى أهمية القلب، فكما أن صحّة القلب المادي وتناغمه وإيقاعه يؤثر في سائر الجسد، فإن القلب المعنوي أيضًا يفعل الشيء نفسه، فإن كان نقيًّا سليمًا كانت حياتنا الروحية والمعنوية قوية، وتكون علاقتنا مع الله تعالى قوية أيضًا، على الشاكلة نفسها فإن الخلل والعطب الذي يبدأ في القلب يؤثر أيضًا في حياتنا المعنوية والأخلاقية ويفسدها.

على الإنسان أن يناضل كلَّ يومٍ ويحاول تطهير نفسه حتى يتمكن من إبطال تأثير اتحادُ الشيطان والنفس معًا.

ما من عضوٍ آخر يشبه القلب في تغيّره السريع وتلوُّنه، فمن هذه الجهة سمي القلب “قلبًا”، فهو مأخوذ من فعل “قَلَبَ-يقلِب”؛ أي: تغييرُ الشيء وتحويلُه وقلْبُه وجعلُ أعلاه أسفله.. ومن السهل جدًّا أن يتجّه القلب إلى الحسنات، أو إلى السيئات، لهذا السبب فإن من أكثر الأدعية التي داوم عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي: “يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي على دِينِكَ”[2]. كذلك يعلمنا القرآن الكريم أن ندعو بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ (سورة آلِ عِمْرَانَ: 3/8).. فمن الأهمّية بمكان أن يتوجّه العبد إلى ربه بهذه الأدعية.

كذلك اللسان فهو رسول القلب وترجمانه، وإن الكلمات التي يتفوّه بها المرءُ في حديثه هي انعكاسات للمعاني الكامنة في القلب، فاللسان هو ترجمان القلب، ويمكنكم بالنظر في كلام الإنسان أن تتعرّفوا على الأفكار التي يكنّها في قلبه، فكما أن رقّة الأسلوب تشير إلى نقاء القلب وصفائه، فإن فظاظته وغلظته تدلّ على فساد القلب وعطبه، علاوة على أنه يمكن القول: إن العطب الذي يصيب القلب يؤثر أيضًا في الذهن، ويوجّه الآراء والأفكار، فمن اسودّ قلبُه أو مات يصبح مفلسًا على المستوى الفكري، ويعاني شللًا منطقيًّا وعقليًّا.

لا ينبغي أن نسمح لبعض أهواء النفس بالتسلّل إلى أعمالنا وتلويث حياتنا التعبّدية.

إن علاقة المولى جل جلاله بنا ستكون بقدر تعمُّق قلبنا وارتباطه وصلته به تعالى، ومن ثم فإنه إذا تعرضنا لبعض البلايا، وأصاب الخلل أعمالنا، وتسلّط علينا غيرنا، وساءت أمورُنا عمومًا؛ فإن أول شيء يجب النظر فيه والتفتيش عنه هو علاقتُنا بالله تعالى.. هل نسَبْنا يا تُرى الجماليات التي تحقّقَت بأيدينا إلى أنفسنا؟ هل يا تُرى لم نقدر على الوفاء بحقّ موقعِنا؟ هل يا تُرى لم نتمكّن من الحفاظ على إخلاصنا وصدقنا؟ هل قصَّرنا يا تُرى في صدقنا ووفائنا لربنا سبحانه وتعالى؟ هل يا تُرى انشغل قلبنا الذي هو “بيت الله” بأمور دنيوية؟

لقد أنعم الله تعالى علينا إلى اليوم بألطاف تفوق ما نستحقّه بأضعافٍ مضاعفة، فإذا ما نريد دوام هذه الألطاف واستمرارها فعلينا أن نحافظ على قوَّةِ صِلَتِنا القلبية به تعالى.

إن دعوتنا هي دعوة الفناء من أجل إحياء الآخرين.

هل تثقون في أنفسكم؟

يجب أن نثق في أن الله تعالى لم ولن يضيّع في أيّ وقتٍ أبدًا من كانوا في دائرة معيّته ومحبّته، ذات يوم رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته السيدة فاطمة رضي الله عنها تبكي بسبب تعنّت مشركي مكة مع أبيها وأذاهم له صلى الله عليه وسلم، فقال لها: “لَا تَبْكِي يَا بُنيَّةُ فَإِنَّ اللهَ مَانعٌ أَبَاكَ”[3]، ذلك لأنه صلى الله عليه وسلم واثق من نفسه ومن وفائه وإخلاصه، ومن أنه يقف على أرضية صلبة، فلم يتشوف قط إلى أي مقابل على وظيفة النبوة التي أداها حقّها.

هذا هو المهم حقًّا، فإن كنتم واثقين في إخلاصكم وصدق تفانيكم في خدمة الدعوة فلا داعي للقلق، أما إذا لوَّثتم الأمر بأهوائكم وتطلعاتكم وحساباتكم الشخصية، وشهواتكم الجسمانية والبدنية، واتخذتم الخدمات التي قمتم بها وسيلة للتعريف بأنفسكم، وجعلتموها بمثابة عتبةٍ للتقدّم من خلالها للأمام، وشابت الأمرَ أفكارٌ من قبيل المقام والمنصب والدرجة والتصفيق والتقدير والشهرة؛ فإن هذا هو ما يجب عليكم في الحقيقة أن تقلقوا بشأنه، وينبغي ألا تنسوا أن الأعمال المنجزة على درب النبي صلى الله عليه وسلم لا تتحمل أدنى تلوّث أو دَرَن، فإذا اختلطت بها قطرةٌ من دنس تلوّثت وتدنّست.

ينبغي لمن نذروا أنفسهم للخدمة ألا يتطلّعوا إلى الأمور الدنيوية حتى ولو كان المقابل إنقاذ العالم بأسره وليس وطنهم الأصلي فحسب، وألا يُدنّسوا قلوبهم بمثل هذه الأشياء.. وعلى مَن كانت الآليّة الكبرى لديهم هي نذرُ النفس وعدم التشوّف للمقابل ألا يضحوا بهذه القيم مقابل أشياء دنيوية خسيسة، وألا يخطوا أيَّ خطوةٍ من شأنها أن تشوب اعتبارهم أو تقلّل من كرامتهم، وألا يخلطوا مصالحهم الشخصية بما يضطلعون به من عمل في سبيل الخدمة، وألا يرهنوا ما قدموا من أعمال طيبة بمنفعة أو مصلحة.

لقد اشتكى حتى الأولياء العظام من “النفس الأمَّارة”؛ لأنها الآلية التي يستخدمها الشيطان للوصول إلى الإنسان والوسوسة له.

إن الأنبياء هم الذين أرشدونا إلى كيفية التحرّك في سبيل خدمة الإنسانية، فمصدرنا وسبيلنا في هذا الدرب هو هديُ ومنهجُ الأنبياء وخيرُ من اقتدى بهم من الصديقين، وما عدا ذلك من السبل “تيهٌ وضياع”، فمن يزغ ويخرج عن هذه الجادة سوف يقع في مهاوي الفساد دون وعي منه، وحتى وإن أفرحته سبلُ الفسادِ هذه يومًا فإنها ستبكيه يومًا آخر بالأشياء التي ستلقيها في طريقه، وتجعله يقول: “يا ليتني متُّ قبل أن ألقى هذا وكنتُ نسيًا منسيًّا”، فيا ليتنا نتمكن من نسيان هذه الدنيا المشؤومة بجانبها المطل على الدنيا وشهواتها[4]، فمن لم ينسوها أساؤوا لأنفسهم، وتسببوا في دمار أمتهم.

من غير المتوقّع أن يخدم الإنسانية بصدق وإخلاص هؤلاء الذين يخدمون من أجل مصالح ومنافع معينة، ويلهثون وراء الدنيا.

إن الأمور الدنيوية جميعها زائلةٌ فانية، وإن الباقي هو الإيمان، والأعمال الصالحة، وذلك على حدّ تعبير الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/88-89)، ينبغي للإنسان ألا يتشوّف في هذه الدنيا إلى مقابلٍ لأعماله الصالحة، فإذا فعل فعليه أن يقلق من تضرّر صدقه وإخلاصه، وعليه أن يربط جميع حساباته بالله، يقول تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ (سورة الزُّمَرِ: 39/36). أجل، يكفينا الله تعالى، فلِمَ نركز أعيننا على ما سواه؟ ولا يُقصد من هذا عدم استغلال مقدرات وإمكانات الدنيا، فلنستغل منها ما نشاء ولكن مع ضرورة أن نفحصها جميعها ونُعمِل فيها أفكارنا، وأن تكون دائمًا موافقة لرضاه تعالى.. علينا أن نستعيذ بالله عمّا يُغضبه ولا يُرضيه، ولا تنسوا أنّ أيّ ضررٍ يصيب عجلة إنتاجكم أو يعيقكم عن التقدم ناشئٌ عن أنكم قد ارتكبتم أمورًا لا ترضي الله تعالى.

دعوة إلى الإحياء

إن دعوتنا هي دعوة الفناء من أجل إحياء الآخرين، فإذا ما قدّر الله تعالى أن يمنّ على مجتمع بالنماء والقوة مرة أخرى وقدّر له الانبعاث من جديد فندعوه تعالى أن يجعلنا سمادًا في هذا السبيل، فإن القدرة على الوجود من أجل الآخرين تعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على الانسلاخ من النفس، فمن غير المتوقّع على الإطلاق أن يخدم الإنسانية بصدق وإخلاص هؤلاء الذين يخدمون من أجل مصالح ومنافع معينة، ويلهثون وراء الدنيا، وبغضّ النظر عن نوع العمل الذي يقوم به هؤلاء الذين نذروا أنفسهم للخدمة، فإنه يجب ألا يربطوا عملهم بأيّ مقابلٍ دنيويّ، يجب أن يكونوا مثل الإبرة التي تحاول أن تخيط ما مزقه الآخرون باستمرار وإن ظلّت هي عارية، أو يكونوا مثل الشمعة التي تحرق نفسها من أجل أن تضيء للآخرين.

ولنضع نصبَ أعيننا أن الظفرَ بغنائم الآخرة مرهونٌ بدفع شهوات الدنيا الجسمانية والنفسانية فالنِّعَمُ والمتع والملذّات التي نستمتع بها في هذه الدنيا تعتبر من ناحيةٍ ما استهلاكًا للنعم التي ستُمنح في الآخرة، ويشير القرآن الكريم إلى ذلك بقوله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (سورة الأَحْقَافِ: 46/20).

قد يبسط الله الرزق للبعض، وينعم عليهم بإمكانات مختلفة، لكن ينبغي للإنسان حتى في موقف مثل هذا ألا يغير مستوى معيشته، وألا ينسى أنه في الدنيا عابر سبيل، وألا يستنفذ كل شيء هنا ويستهلكه.. لقد انتبه العظماء إلى هذا الأمر بما يتناسب مع مقامهم وعظمتهم، وعاشوا حياة في غاية الزهد والبساطة، ولأضرب لكم مثالًا تستأنسون به إن أعجزكم التجريد عن التمثيل؛ انظروا مثلًا إلى الحياة الطاهرة النقية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يحدْ قطُّ عن مساره، لا قبلَ النبوّة ولا بعدها، ولا عندما فاضت الغنائم بين يديه، وكذلك ورّاثه الصادقون فقد التزموا المنهج نفسه.

هؤلاء هم أبطال الاستغناء الذين خلقوا جوًّا حقيقيًّا من الثقة فيمن حولهم، وكانوا مقنعين حقًّا، فلا يمكن لمن لا يتبع سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعيش مثل الصحابة رضوان الله عليهم أن يمثل دعوتهم، ولا شك أنهم سيعاتَبون على هذا في الدنيا أو في الآخرة.

لنضع نصبَ أعيننا أن الظفرَ بغنائم الآخرة مرهونٌ بدفع شهوات الدنيا الجسمانية والنفسانية.

أجل، إن مهمّتنا هي مهمة الصحابة رضوان الله عليهم، فإنهم القدوة الذين يجب الاقتداء بهم، ولا يهمنا الآخرون.. سيحاسب كل امرئ أمام الله تعالى عن أفكاره وأفعاله، فعلينا أن ننظر إلى أنفسنا، وعلى المخلصين الذين سلكوا سبيل الدعوة إلى الله أن يقفوا في ثبات على أرض صلبة، لا سيما في الوقت الذي تكشف فيه الدنيا للناس عن جمالياتها الأخَّاذة ومفاتنها، وتوقع طالبيها في شراكها بجمالها المبهر كما يجذب الصياد الطيور ببضعة حبوب.. عليهم أن يحافظوا على مواقفهم المعيشية عندما تبدأ الدنيا في الازدهار كما حافظوا على ذلك عندما كانت مواردهم شحيحة.

أرجو من الله أن تمثّل الأجيالُ القادمة هذه الروح وهذا المعنى على خير هيئة، فلا تفتنهم الدنيا ولا تغشي أبصارهم، ولا يصبحوا أسرى للمال والثروة، ولا يرهنوا أنفسهم لمتاع الدنيا، وألا يتصرفوا بطريقة تجلب عليهم لعنةَ الأجيال القادمة، وأن يتركوا لمن خلفهم ذِكرًا جميلًا وذكرى جميلة بما قدموا من خدمات خيريّة وبما عاشوا من حياة مستقيمة.. ولا سبيل لهذه النجاحات إلا بالتزام منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وإلا فإنْ بدؤوا الأمر كسيدنا هارون عليه السلام، ثم انحرفوا فأصبحوا بعد ذلك مثل قارون، فإن الله سبحانه سيخسف بهم الأرض وسيلعنهم مَن بعدهم.

إن الأمور الدنيوية جميعها زائلةٌ فانية، وإن الباقي هو الإيمان، والأعمال الصالحة.

لا يجتمع حُبَّان في قلب واحد!

قد يتعرض حتى الأشخاص الذين لا يُتوقع أن ينزلقوا أبدًا للانزلاق إذا لم يخطوا على الأرض بحيطة وحذر في الموضع الذي تكثر فيه الانزلاقات.. لذلك علينا أن نعيش بدقة وحذر أكبر في هذه الفترة التي يلهث فيها الكثير خلف الدنيا، ويعيشون من أجل دوام المتعة والرخاء، ويستغلّون الإمكانات التي حصلوا عليها لمصالحهم الشخصية، فإذا لم تعيشوا بحيطة وحذر في هذا العالم الذي ينزلق فيه الكثير، ويغذون السير وراء المصالح والمنافع، ويلهثون فيه باستمرار خلف المكانة والمنصب؛ فقد تخضعون أنتم أيضًا لتأثير إشعاعات هذه المشاعر والأفكار السلبية، والأسوأ من ذلك، أنكم قد تعتبرون حياتهم طبيعية، وترون أنه لا ضير من أن تكونوا مثلهم؛ مما سيُسبّب كوارث كبيرة، فلنتذكّر دائمًا أن كلَّ إنسانٍ في الآخرة سيكون مسؤولًا عن تصرفاته وأفعاله وأفكاره، وسيعامَل حينئذٍ وفقًا لذلك.

يجب أن نثق في أن الله تعالى لم ولن يضيّع في أيّ وقتٍ أبدًا من كانوا في دائرة معيّته ومحبّته.

وبما أننا متفقون على صعوبة التخلّص من براثن النفس التي ستواجهكم كل يوم بحيل وخدع شتى، وتُسوّل لكم ما لا ينبغي لكم ولا يليق بكم، وتفتنكم به، وتجعلكم تلهثون خلفه؛ فعليكم في كل مرة أن تضعوا خططًا بديلة للنجاة من مراوغاتها ومناوراتها.. لهذا السبب اشتكى حتى الأولياء العظام دائمًا من “النفس الأمَّارة”؛ لأنها الآلية التي يستخدمها الشيطان دائمًا للوصول إلى الإنسان والوسوسة له، فيُجري الشيطان تأثيره على الإنسان من خلال تفعيله لهذه الآلية. لذا فعلى الإنسان أن يناضل كلَّ يومٍ ويحاول تطهير نفسه حتى يتمكن من إبطال هذا التأثير الذي يشكّله اتحادُ الشيطان والنفس معًا.

لا ينبغي تشويه الأعمال التي تُنجَز في سبيل الله بأيّ شيءٍ آخر، ويجب أن نقدّم أعمالنا كلَّها إلى الله بعد وزنها بميزان الضمير ثم إعادة معايرتها بمعيار بالغ الدقة، كما لا ينبغي أن نسمح لبعض أهواء النفس بالتسلّل إلى أعمالنا وتلويث حياتنا التعبّدية، علينا أن نضرب بالمطرقة على رأس كلّ ما لا يرضي الله تعالى حتى لا تقوم له قائمة مرة أخرى، وعلينا ألا نحيد عن استقامتنا اتّباعًا للأمر القرآني، وأن نسعى إلى الثبات على الطريق المستقيم، وإلا فإننا بمجرد دخولنا لمرة واحدة في المنعطفات المظلمة للنفس الأمَّارة، سنتعرّض لحوادث مرورية كثيرة لدرجة أننا سنفقد الأمل في النجاة، ومهما حاولنا بعد ذلك فقد لا نتمكن من إصلاح بعض التشقّقات والتصدّعات التي حصلت، وحريٌّ بنا منذ البداية أن نقف على أرضيةٍ راسخةٍ صلبةٍ.

كما أن رقّة الأسلوب تشير إلى نقاء القلب وصفائه، فإن فظاظته وغلظته تدلّ على فساد القلب وعطبه.

فإذا شاب الأمرَ بعضُ الأشياء الخاصة بنا -بعد أن بذلنا جهدًا ومجهودًا جادًّا للحيلولة دون ذلك- دون قصد منا؛ فنرجو الله تعالى أن يغفر لنا ويعفو عمّا بدر منّا بسبب عجزنا وضعفنا، ومع ذلك فليس من السهل أن يوجد حُسْنُ الظنّ نفسه تجاه الأشخاص الذين لا يكترثون ولا يأبهون بالأمر ويتظاهرون بأنهم يفعلون الأفضل في كل شيء.

من الصعب جدًّا أن تجتمع الأمور الدنيوية والأخروية معًا، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ومن ثم لا يمكن أن يجتمع حُبَّان في قلب واحد، من الممكن أن يخدع المرء نفسه في هذا الصدد، فيقدِّم نفسه على أساس أنه يخدم دينه، ويقوم بأعمال مفيدة لأمته والإنسانية جمعاء، فتدخل نزواته وتشوّفاته في الأمر، وكلّ تشوّف يكون بمثابة أَرَضَةٍ أو دودة تقرضُ العالم المعنوي للإنسان، فإنها عاجلًا أم آجلًا سوف تنخر فيه حتى تلتهمه وتقضي عليه، فليست قوة الأعداء هي التي تهيّئ لنهاية المسلم ولكن هذه التشوّفات الدنيوية، فكلُّ تشوُّفٍ لمقابلٍ دنيوي يكبّل يدي الإنسان، فيصبح هذا الإنسان الذي خلقه الله حرًّا أسيرًا لنفسه بيده، لذلك -لا قدر الله- يمكن أن يخسر في وقت هو أدعى للكسب.

إن استقامة الإنسان أو اعوجاجه يبدأ من القلب.

لهذا السبب من الضروري تغذية الأصدقاء الذين يركضون في مجالات مختلفة من الحياة تغذيةً روحيةً ومعنويةً باستمرار، ولا ينبغي السماح لهم بالانفصال عن قيمهم وغاياتهم الأصلية، وألا يصبحوا أسرى عجزهم وضعفهم، وألا يسلموا قلوبهم وعقولهم لأشياء أخرى، لا ينبغي السماح لهم بأن يأسرهم توهُّمُ الخلود، ولا طول الأمل، ولا غير ذلك من الرغبات والأهواء التي ذُكرت في “الهجمات الست”[5] التي تحدث عنها الأستاذ بديع الزمان، أو التي لم يرد ذكرها.. فعلى المرء أن يذهب على الأقل في أيام معينة من الأسبوع إلى بئرٍ ويملأ دلوه من مصدر هذا الماء العذب الرقراق.


[1] صحيح البخاري، الإيمان، 39؛ صحيح مسلم، المساقاة، 107.

[2] سنن الترمذي، القدر، 7؛ سنن ابن ماجه، الدعاء، 2.

[3] الحاكم: المستدرك على الصحيحين، 3/169.

[4] إن للدنيا ثلاثة أوجه: الأول: وجه كالمرآة تعكس تجليات الأسماء الحسنى، والثاني: وجه ينظر إلى الآخرة، أي إن الدنيا مزرعة الآخرة، أما الثالث: فهو الوجه الذي ينظر إلى العدم والفناء، فهذا الوجه الأخير هو الدنيا غير المرضية عند الله، وهي المعروفة بدنيا أهل الضلالة. (بديع الزمان سعيد النورسي: الكلمات، الكلمة الرابعة والعشرون، ص 390)

[5] هو القسم السادس من المكتوب التاسع والعشرين من كتاب “المكتوبات” للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ويقصد بـ”الهجمات الست”: حبّ الجاه والشهرة، والخوف، والطمع، وفكرة العنصرية، والأنانية والغرور، وحب الراحة والدعة.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts