سؤال: تقولون:”لا أحلُم بأن أكون فردًا في الماضي المجيد ولا المستقبلِ المشرق، بل ليتني فردٌ ممن نذروا أنفسهم للحقِّ اليومَ”.

الجواب: كيف لا نشتاق إلى تاريخنا المجيد، ولا نتمنى أن نكون من صغار جنوده؟ عندما نذكر ونذاكر التاريخ العظيم ما منّا من أحد إلا ويهرول تلقائيًّا نحوه، فهذا أحد شعرائنا الأقدمين المحدثين الذين كانوا صدًى صادقًا لعصرهم، بل لعله أجلهم محمد عاكف رحمه الله، يقول وقد طالته كوارث أيّامنا:

كبومٍ على الطَّلَلِ غــــدوتُ أنوح

فبلادي جنةٌ خريفهـــــــا يــــــــــلــوح

ولو علمتُ ربيعَه لكـــــنت بلبلَهْ

ليتني وُلدتُ قبل هذا أي أوَّلهْ!

وبينما نرى المستقبل المشرق الذي نرتقبه مفعمًا بالأمل كما وعد النبيّ ورأى الولي وبشَّر الحمام الزَّاجل، نرغب أن نسارع دومًا إلى المستقبل لنتخلص من أمورٍ راهنة كثيرةٍ نتشاءم منها.

أفضّلُ -أنا القطمير- أن أكون من عامّة الناس أقوم بالخدمة في يومنا هذا على أن أكون واحدًا من عظماء الماضي أو مِن رجال المستقبل.

ولنا أنْ نسمِّيَ هذا النمط من التفكير “نهج الحنين”، أو اللجوء إلى الماضي أو المستقبل بالتمرّد على إفلاس هذه المرحلة السؤوم كما يتمرّد الفنان والرسام والشاعر على كل ما هو مألوف.

أجل، إننا جميعًا تُلِمُّ بنا أحيانًا خواطر كهذه؛ بل قد يردُنا منها ما ليس من شأننا، وقد يبدو بعضها مساومةً لله سبحانه، لكننا نسارع بإخلاصنا وصدقنا لنصحّح فهمَنا الخاطئ، ونستغفر الله قائلين: “نستغفرك اللهم ربنا، فهذا أمر لا يعنينا، ما شأننا وهذا؟ إنْ علينا إلّا أن نقوم بما كلّفْتنا، ونكفّ عمّا هو من شأن الربوبية”، ومهما بلغنا في الاستقامة والثبات فقد تشتطّ بنا الخواطر والخيال بل قد تزيغُ قلوبنا نحو تلك التصورات الممسوخة الزائغة، وأُذكِّرُ أن هذا ليس ذنبًا لا يُغفر كزيغ القلب عن الإيمان، بل سيئةٌ غير مقصودة.

إن تاريخنا المجيد نستحسنه نحن وغيرنا كذلك، وهكذا سيكون مستقبلنا إن شاء الله على يد براعم ذلك الأصل المجيد.

ورغم كل هذا أفضّلُ -أنا القطمير- أن أكون من عامّة الناس أقوم بالخدمة في يومنا هذا على أن أكون واحدًا من عظماء الماضي أو مِن رجال المستقبل حَمَلَةِ هذا الأمر على أعلى مستوى؛ وذلك لأمور:

1- ستفرز نجاحات المستقبل وعطاءاتُه الغيبةَ والحسدَ والبغضَ، وستكون غنائمُ تقتضي الضرورة قسمتَها، ويطغى حبُّ المنصب والجاه على القلوب وتشتد الأطماع، والأحقاد والأضغان، كيف أعرف هذا؟ أعرفه لأن هذه الأشياء كامنةٌ في طبائع البشر، والتاريخ شاهد على أن الناس في مرحلة الرخاء والسعادة التي أعقبت فترات المعاناة والألم لم يتمكنوا ألبتة من الحفاظ على صفائهم وإخلاصهم الأول؛ فمن كانوا يجاهدون بالأمس في صف واحد تنازعوا في هذه الفترة من أجل المنفعة والمنصب، وبدّدوا في مرحلة الراحة والدعة كل ما كسبوه في وقت الشدة كما تذرو الرياحُ الهشيمَ؛ والحقُّ أني لا أودّ أن أعيش بعد مرحلة الخدمة مرحلةَ الفوضى والانهيار والدمار.

أسأل الله أن يستعملنا في الخدمة؛ وليقتسم الثمرة مَن يقتسم، فهذا الأمر ليس مُهمًّا ألبتة، ونسأله أن يُسعد إنسانَنَا، ويُنعِمَه بالطمأنينة، وليفعلوا بنا ما يشاؤون، فليجعلونا عمّالًا كادحين إن أرادوا أو فلينفونا، فهما سيان؛ سنعتزل في أعالي الجبال، ونقضي حياتنا زهادًا؛ ومن هذه الزاوية قلت: “أفضّلُ أن أكون من عامّة الناس أخدم في يومنا هذا على أن أكون من رجال تاريحنا أو مستقبلنا”.

من شغلته الخدمة فحسب في يومنا، ونام وقام عليها، ولا يشغل قلبه سواها، فذلك خيرٌ له من أن يكون من السلاطين والملوك.

2- نحن أبناء اليوم، ولا يمكن أن نكون من الماضي ولا من المستقبل، والذي ينبغي هو أن نستثمر يومنا استثمارًا كاملًا، فلن نعد الماضي أسطورةً ولا المستقبل خيالًا؛ وليس الماضي “مقبرةً كبرى”، ولا المستقبل مملكةَ غيلان؛ وإنّ الإعداد لمستقبلٍ يوازي تاريخنا المجيد رهنٌ بالاستفادة الجيدة من يومنا، ومن هذا المنطلق لك أن تقول: من شغلته الخدمة فحسب في يومنا، ونام وقام عليها، ولا يشغل قلبه سواها، فذلك خيرٌ له من أن يكون من السلاطين والملوك، بل حتى الأولياء والأقطاب والأغواث في تاريخنا.

3- قد يسيطر الفخر والغرور -عافانا الله- على مَن خدم الدين في مرحلةٍ وأسهم فيها؛ وبهذا يَذهب أجره وثوابه؛ فيا حبّذا الرحيل عن هذه الدنيا قبيل نجاح المسلمين بهنيهات. أجل، ذلك هو وقت دعوة وتمنّي اللحاق بالرفيق الأعلى.

لهذا كلِّه قلتُ وأقول: “أفضّلُ أن أكون مِن عامّة مَنْ نذروا أنفسهم لله في يومنا هذا على أن أكون من رجال تاريحنا أو مستقبلنا”، والحقّ أني عاجز عن معرفة حقيقة هذه الخاطرة ولا أدري أهي خاطِرةٌ وفكرة شيطانية أم رحمانية؟ فالنفس خدّاعة جدًّا، والشيطان يزيّن للإنسان عمله، وقد تكون فكرة كهذه من تزيينه؛ والله أعلم بالصواب.