لا جرم أن هذا الضرب من الزيغ والضلال لا يختص بعصر دون آخر، فقد وقع على شاكلتها كثيرٌ في كلّ عصر ومصر؛ وفي عصرنا أناس مفوَّهون إلى حدٍّ ما، تراهم يدبّجون شيئًا في سطر أو سطرين، وربما قطعوا مسافةً يسيرةً في المجاهدة، ثم إذا بهم يضيّعون التوازن ويحاولون أن يجعلوا من أنفسهم قِبْلة وبوصلة، ويقومون ويقعدون بـ”الأنا” و”حبّ الذات”؛ ولما رأوا السُّذَّج من الناس يتحلّقون حولهم رغم ضآلة ما قاموا به ظنوا أنفسهم أقمارًا تهدي السالكين، وكأنّ هذا هو السبب في كثرة من يدّعون المهدية في زماننا، أعرف منهم خمسة أو ستة في تركيا، ومنهم ثلاثة أرادوا أن يلتقوا بي.

جاءني منذ فترة يسيرة شابٌّ في الثانية والعشرين من العمر، وقال: “أستاذي، كنتُ أحسب نفسي حُسينيًّا فقط، ثم ثبت بالدراسة والتمحيص الدقيق أنني حَسَنِيٌّ أيضًا”؛ فتحدثتُ إليه عن المحو والتواضع، وأنّ التكبّرُ وحبّ الظهور أمارة الصِّغار، أما العظام فأمارتهم الانحناء تواضعًا كما العصا.

وبعدما ذكرتُ له ما ذكرتُ انصرفَ وأنا أحسب أنه قد اقتنع، لكنه لما خرج قال: “حسنًا يا أستاذي، لكن ماذا عسى المرء أن يفعل إن كان مكلَّفًا لا خيار له في هذا الأمر؟”.

ليس هناك مقام سوى النبوة يجب على صاحبه إعلانُه والإبلاغ عنه، حتى وإن كان هذا الشخص أبا حنيفة أو الشافعيَّ فليس من وظائفه إبلاغ الناس عن كونه أبا حنيفة أو الشافعيَّ، والمهديةُ كذلك؛ لكن يتعذر إقناع من حبسوا عقولهم في تصوّرٍ كهذا؛ نسأل الله أن يهدي كل مغرور أنانيّ إلى الصراط المستقيم.

وأذكِّرُ أخيرًا إلى احتمال وجود مثل هؤلاء المدَّعين ضمن دائرة صالحة مركزُها المحو والتواضع والإخلاص ونكران الذات، وإقناعُهم أصعب لأنهم يشتقون أنانيتهم الذاتية من أنانية الجماعة، فيقول أحدهم: “كنتُ إلى الآن تلميذًا، وكان لفلان ألف من الملائكة والأرواح، ثم إن تسعمائة منهم فارقوه وأتوني”.

وهناك أمثلة كثيرة مختلفة في كل عصر على مثل هؤلاء الذين قد يتعرضون للإغواء والخداع، ويصبحون أسرى للنفس والشيطان.

فلا يغيبنَّ عن خَلَدِ أحدكم أن انتشار الأشواك حتى في وقت نبات البذور وازديان البساتين بالورود أمر محتمل، فالحذر واليقظة والبصيرة وإن كنت تسير في بستانٍ كهذا.

أجل، ظهورُ الضالّين المُضِلِّين وارد في كلّ وقت، فيتبعهم السذّجُ من الناس؛ وكما تنمو الأشواك مع الورود فقد يصخب العقعق عندما تغرّد البلابل، وربما تعجب العقعقةُ أناسًا لم يسمعوا شدو البلبل الرائع ولم تألفه آذانهم.

إنّ سدّ الباب لئلا ينخدع أحد بادعاءات هؤلاء يقتضي أن نتحرك بحذر ويقظة دائمة، وأن ننظر إلى الحوادث ونرصدها ألف ألف مرة بفِراسةٍ كتلك التي عند سيدنا أبي بكر الصديق وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

المصدر: فتح الله كولن، شد الرحال لغاية سامية، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة.