سؤال: لِم حُرِّم زواجُ الأخ بأخته وقد كان حلالًا لأولاد آدم وحواء عليهما السلام؟

الجواب: نشاهد اليوم -مع الأسف- بعضَ البؤر تثير مثل هذه الأسئلة وتُشِيعها بين الشباب بشكل منظم؛ وهؤلاء يتعذر تصديق دعوى حسن النية لديهم؛ وشيء من النظر يكشف ما يستهدفونه بإثارة هذه الأسئلة؛ فلعل من أهمّ أهدافهم بل ربما أولها إيهام التناقض في مبادئ الدين.

ما ورد في السؤال قد يكون من الإسرائيليات؛ إذ ليس في المصادر المعتمدة ما يُثبت صحته.

وفي خبايا هذه الأسئلة دعايات وشعارات هدامة لبعض أنظمة النفاق، منها مثلًا -حاشا لله-: “لا إله والحياة مادّة، الدين أفيون الشعوب، المقدسات الدينيّة تابوهاتٌ وأدوات استغلال بيد الإمبريالية؛ حدود الحلال والحرام بين أفراد العائلة نقيض ما أثبتته الحقائق العالمية… إلخ”. ولما انكشف المستور وراء هذه الدعايات والشعارات الخبيثة برزت جملة من القضايا المفزعة، منها: ” لقد وصل الدين إلى يومنا هذا وهو يحمل تناقضات كثيرة، وها هو اليوم يفقد مرجعيته بعد انتصار العقل والمنطق عليه؛ فلا يترددن أحد في فعل ما يهوى ويشتهي ولو أن ينكح محارمه”.

إن سلّمنا بما ورد في السؤال دون تحرٍّ لأصله ففي الإباحة المؤقتة ثم النسخ دلالة على وجوب رعاية المصالح، أي إن الأحكام قد تتغير بتغير الأزمان والأوضاع.

تلك هي الخطط القذِرة والأهداف الخبيثة الخفية في خبايا أسئلة تبدو بريئة، ويا له من خِداعٍ وتضليلٍ للسذّج من وراء ستار الوضعية والعقلانية!

أجل، هناك في المجتمع من يستهدف تقويض أركان الدين ومقاصدِه في حفظ الدين والنسل، فيثير أسئلة كهذه؛ ونظرة فاحصة لتربتها التي نبتت فيها تبين أنها من جنس فكرهم المعوج؛ والقاعدة أن الحق هو نقيض ما يزعمون ويدّعون، إذًا فما نحن عليه هو الحق، هذا الجواب يكفيهم لكننا نريد أن نقول بضع كلمات حول هذا الموضوع:

1- هذه المسألة مسألة دينية أولًا، ومن مسائل الدين الفرعية ثانيًا، والذين لا يؤمنون بالدين وينكرون مبادءه ليس لهم قول شيء في مثل هذه الأمور ألبتة.

بانعدام الزواجر ويقظة الضمير واضمحلال بيئة التقوى تُفتح الأبواب على مصراعيها لكل أنواع الشر وخبيث الفِعال.

2- لا ريب أن الدين بأوامره ونواهيه مُلزِم لمن يؤمن به؛ فإذا صدر عمّن يجحده ما تهواه نفسُه فليس للمؤمنين أن يتعرضوا له؛ فضلال العمل والسلوك ثمرة لانحراف الفكر والتصور؛ ومن العبث محاولة تقويم ذاك قبل هذا.

3- هذه المسألة مِن فروع الدِّين لا من أصوله، ومثل هذه المسائل يعتريها تطوُّر مستمرّ يوائِم التكامل البشريّ؛ وما كُلِّفنا به من أمر ونهي أيًّا كانت حكمته مثل ما كُلّف به مَن قبلنا، فالمهم في هذا الخصوص امتثال أمر الآمر؛ نراه أمس ينهى عن نكاح التوأم بعضهما، واليوم يأتي بنهيٍ جديد مناسب لطبيعة العلاقة بين الأب والأم ويقضي بتحريم كذا وكذا؛ ومثل هذا كمثل سَنِّ قوانين لمراحل نمو الطفل في المأكل والمشرب والملبس، بل حتى التحدث بلسانه ومستواه؛ ومثل هذا رُوعي في الحياة الإنسانية المتطورة على الدوام؛ ولا تُعدّ سياسة أمور الطفل وعقليتُه وفهمه عيبًا ولا أمارة جهل، بل أمارة رقي وعلم، وكذا سَنّ قوانين حسب درجة تطور الإنسانية في مراحل تاريخها؛ إذ لا يُنكَر تغيُّرُ الأحكام بتغير الأزمان.

حوادث المحارم الناجمة عن خطأ وإهمال يسير تجعل المرء يخجل من كونه إنسانًا، وإذا ما سمع عنها تتملّكه قُشَعْرِيرة تسري في بدنه وشعورٌ بالوجل.

4- ما ورد في السؤال قد يكون من الإسرائيليات؛ إذ ليس في المصادر المعتمدة ما يُثبت صحته؛ لكننا نضطر لتصديق هذا إذا ما وصلْنَا بسلسلة الخلق إلى آدم وحواء عليهما السلام كما ورد في القرآن؛ فإن سلّمنا بهذه المسألة كما هي دون تحرٍّ لأصلها ففي الإباحة المؤقتة ثم النسخ دلالة على وجوب رعاية المصالح، أي إن الأحكام قد تتغير بتغير الأزمان والأوضاع.

5- هذه المعاملة التي أُبيحت مؤقتة تتميز بحال مخاطبيها، إذ إن عائلة آدم عليه السلام ليست كغيرها ألبتة، لِمَ لا وأنوار الوحي الإلهي لم تنقطع عنها، فظل ضميرها يقِظًا دائمًا.

من حِكَم الزواج بغير المحارم ضمان توزيع الثروة وتداولها لكي لا تكون دُوْلة بين أفراد العوائل.

إن والدَي هذه العائلة يتميزان بطراوة ونضارة الإنسان الأول على وجه الأرض، وكان قلبُهما وجِلًا على الدوام لعلمهما أن الزلة الصغيرة قد يكون عقابها شديدًا، وكان قلبُهما منكسرًا لخروجهما من الجنة بسبب الزلة التي وقعت منهما… بيتٌ يحظى بأبوين مثل هذين يلازمه الورع والحيطة حتى في الأمور المباحة، وفي مثل هذه العائلة يعيش المرشحون للزواج دون أن ينظر بعضهم إلى بعض نظرةً خبيثة، بل ينتظرون الأمر بالزواج انتظار الصائم للفطر؛ فقد كان الوحي ينزل على هذا البيت كالصاعقة لتقويم ما قد يقع مِن زيغٍ في القلوب، فلو زالت الحدود كلها فلا أحد يتعدّى أسوار حِمًى يأبى ضميرُه أن يتعدَّاها.

أما البيوت اليوم فلا أثر فيها لشيء من هذه المعاني، أي يتعذر أن تظن بها الوقوف عند هذه الحدود، أو رعاية هذه الأمور، ويحتمل وقوع ما لا يليق في الأعمار الصغيرة؛ وهذا ما يجلب العار لأفراد الأسرة طول العمر؛ ويختل أمن هذه البيوت وتفقد الطمأنينة حتى إنها لَتستحيل سُكًّا للعقارب وجحورًا للثعابين.

لا ريب أن الدين بأوامره ونواهيه مُلزِم لمن يؤمن به.

وهل يمكن أن يُظَلّل الأمن والاطمئنان بيتًا فيه من يميل بشهوة إلى إحدى محارمه؟ إنَّ بيتًا كهذا يغدو حلبة سباق ليفوز كلّ امرئ بمن يشتهي، بل إنه ليسابق أشقّاءَه في ذلك! وربما بلغ الأمر أن تُرتَكب جرائم كما وقع لابني آدم عليه السلام ثم فوضى واضطراب مستمر.

إذًا فالزواجر وعوامل يقظة الضمير ورقابته ضرورية؛ وبانعدام هذه العوامل واضمحلال بيئة التقوى تُفتح الأبواب على مصراعيها لكل أنواع الشر وخبيث الفِعال.

لا أودّ أن أتحدث عما شهِدتُ أو سمعت لئلا أصوِّر الباطل؛ فحوادث المحارم الناجمة عن خطأ وإهمال يسير تجعل المرء يخجل من كونه إنسانًا، وإذا ما سمع عنها تتملّكه قُشَعْرِيرة تسري في بدنه وشعورٌ بالوجل.

هناك أناس يستهدفون تقويض أركان الدين ومقاصدِه في حفظ الدين والنسل، فيثيرون أسئلة تثير الشبهات؛ تُعبّر عن فكرهم المعوج.

وقبل الختام أود الإشارة إلى نقطة معينة، وهي أنّ عائلة تهتز جدران مسكنها بقول الله تعالى: ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ (سُورَةُ البَقَرَةِ: 2/36) فتغمرها الخشية والإجلال، ليست كغيرها من عوائل اليوم، فمن الطبيعي أن أحكامها -وإنْ كانت مؤقتةً- تختلف عن أحكام العوائل الأخرى، فضلًا عن أنه تتعذر معرفة عدد وقوع ذلك النوع من الزواج، فلا ندري ربما وقع مرة أو مرتين.

6- من حِكَم الزواج بغير المحارم ضمان توزيع الثروة وتداولها لكي لا تكون دُوْلة بين أفراد العوائل، ولكن الناس يومئذ هم أولاد آدم عليه السلام فحسب، وكانت الدنيا كلها مسخَّرة لهم، فلا سبيل إلى القول بتراكم الثروة أو احتكارها وتمركزها؛ أما اليوم فقد اختلفت البنية الاجتماعية كثيرًا بما جدّ من أواصر؛ لكن هذا ليس علة الأحكام المتعلقة بأمر الزواج، حتى لو وجدت طرائق أخرى لتوزيع الثروة فلن تختلف هذه الأحكام، والقول فيها للعليم الحكيم جل وعلا.

المصدر: محمد فتح الله كولن، نحو عقيدة صحيحية، دار انيل للطباعة والنشر.