وثمة وسيلةٌ أخرى للحفاظ على تجدّدنا، وهي أن يكون الإنسانُ على وعيٍ وشعورٍ بالزمان الذي يعيش فيه، وبما أننا “أبناء الوقت” فعلينا أن نتعرّف جيِّدًا على الوقت الذي نعيش فيه وأن نتّبع منهجًا يتوافق مع متطلبات هذا الوقت، فمثلًا ليس من الصواب أن أقوم الآن وأعظ الناس بنفس الأسلوب والمنهج اللذين كنت أتبعهما قبل 30-40 سنة في مدينة “إِزْمِيرْ” أو مدينة “أَدْرَمِيتْ”؛ لأن الناس اليوم يختلفون عن الناس بالأمس، بل ربما معظمهم يعرف ويحفظُ ما يُلقَى إليه عن ظهر قلب.. أما ما يتوجّب علينا فعله الآن فهو أن نتناول الأمور التي نتحدث فيها بكل أبعادها المنطقية وأن نقف عند معقوليّتها.

فعلى سبيل المثال: إن كان للموضوع الذي نتناوله اليوم وجهةٌ فقهيّة فعليكم الرجوع فيه إلى المؤلّفات المتخصصة في هذا المجال؛ لا سيما ما قاله الشاطبي (ت: 1388م) أو ما تناوله التفتازاني (722هـ/1322م-792هـ/1390) في كتابه “التلويح على شرح حقائق التنقيح”، فإن فعلتم هذا شعر الناس بقدْرِ ما تُلقونه عليهم، وإلا تعاملوا باستغناءٍ مع هذا الأمر وإن كان عينَ الحقيقة.. وما دام المعلّم الأزلي والأبديّ سبحانه وتعالى قد استخدم منهج تنوّع الأسلوب في القرآن الكريم ففتح الباب لنا، وأرشدنا إلى الوظائف التي يجب أن نقوم بها فيجب علينا حينذاك أن نحسن استغلال هذا الأسلوب استغلالًا جيّدًا.

أشرنا فيما سبق إلى أهمية استيعاب فكرة أن نكون أبناءً للوقت واللحظة التي نعيشها، غير أنني أريد أن أتناول هذه النقطة بشيءٍ من الإيضاح كيلا تُفهَمَ على غيرِ وجهها الصحيح، فأقول: إن من الخطإ أن يغفل الإنسان عن ظروف الزمن الذي يعيش فيه، كما لا يصحّ أيضًا أن يقيد كلَّ شيء بالزمان وظروفه كالتاريخانيين.. وبنفسِ الوقت فإنني لا أقصد بـأيّ حالٍ من الأحوال أن نُغيِّرَ أو نُبدِّلَ المسلّمات والحقائق الدينية، معاذ الله؛ لأن الحقائق القرآنية أزليّة أبديّة لا تتبدل ولا تتغير.

غير أن هناك ساحات ومجالات لم يُصرَّح بها في كتاب الله تعالى ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتُركت لتفسير الزمن لأن الزمان أكبر مفسِّر للحوادث، وهي ساحات سيملؤها أبناءُ الزمن باستنباطاتهم واجتهاداتهم، وعلاوة على ذلك لا بد لنا أن نتعرف على الاستنباطات والاجتهادات التي تتوافق مع متطلبات العصر، لأن هذه ساحات يؤثِّر فيها الزمن فيُثريها، ويعبر فضيلة الأستاذ النورسي رحمه الله عن هذه الحقيقة بعبارة وجيزة فيقول: “الزمان مفسر عظيم، فإذا ما أظهر حُكمه فلا اعتراض عليه”.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts