Reader Mode

نحن نُطْلِقُ على هذا الجهاد الأكبر أو الجهاد المعنوي، وهذا هو سبيله صلى الله عليه وسلم والصحب الكرام، إنهم في حضور دائمٍ مع الله واتصالٍ مستمرٍّ وثيقٍ معه، كانت عباداتهم وأذكارهم من الكثرة والعمق بحيث من يشاهدهم يحسب أن ليس لهم شغل يشغلهم غير العبادة والذكر، هذا مع كمال إيفاء أمورهم المعيشية حقّها من الاهتمام.

إنهم يمثلون خلاصة الإخلاص، إذ ما كانوا يعملون عملًا إلّا وفق مرضاة الله سبحانه، فكان كلّ عملهم في مراقبة عميقة دائمة لله، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمرَ حملَ قربةً على عاتقه فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين ما حَمَلَكَ على هذا؟ قال: إن نفسي أعيتني فأردت أن أذلها[1]. وَكَانَ عُمَر بْن عَبْد العَزِيز رحمه الله إِذَا كتبَ كتابًا فاستحسنَ لفظَهُ مزَّق الكتابَ وغيّرَه[2] حتى لا يقع في فخّ الشرور النفسية وأمراضها.

إن جهاد هؤلاء الأطهار الذين بلغوا الكمال الروحي وتكاملوا به لن يبقى بلا ثمر، لأنه في سبيل الله وعلى هذا فالذين يتفاخرون بأعمالهم باسم الجهاد، ولم يصلحوا شؤونهم الداخلية ولم ينجوا من الرياء والكبر؛ أعمالهم تخريبًا أكثر من كونها تعميرًا، بل حتى لو بلغوا مبلغًا معيّنًا في مرحلة ما؛ فلن يبلغوا الغاية والنتيجة قطعًا.

على الإنسان الذي انتصرَ على أعداء الخارج، أن ينتصِرَ على عدوّه في الداخل أيضًا وهو نفسُه التي بين جنبيه، ليتمّ جهادُه ويكتمل.

الجمع بين الجهادين.. الأصغر والأكبر:

وهناك آيات وأحاديث تجمع بين الجهاد الأصغر والأكبر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (النَّصْرِ: 110/1-3). فهذه السورة تُبَشِّرُ بمجيء نصر الله وفتحه حينما يدخل الناس أفواجًا في دين الله، وهذا ما حصل بالفِعلِ،فحينما أُزِيلَت العوائقُ أمامَ الجهاد الأصغر عبر الأمر ِبالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ وتبليغِ الحقِّ، ودخل الناس في الإسلام أفواجًا جاء الأمر الإلهي: “فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ”.

وتقول أمنا عائشة رضي الله عنها: كان صلى الله عليه وسلم بعد نـزول هذه السورة يردّد باستمرار: “سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيكَ”[3]. ويجمع صلى الله عليه وسلم الجهادَين معًا: “عَينَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَينٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ الله، وَعَينٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ الله”[4]. إن جهاد مَن يسهر على الحدود والثغور ويرابط في ميدان الحرب، وفي أخطر المواقع جهادٌ مادّي، فالذي يؤدّي هذا الجهاد لا تمسّ النارُ عينَه، وعينٌ أخرى تحقّق الجهاد المعنوي الأكبر، وهي العين التي تبكي من خشية الله.

نعم، يستحيلُ لدى الرحمة الإلهية ووعد الله القاطع أن تمسّ النار هاتين العينين كاستحالة عودة اللبن إلى الضرع: “لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ الله حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ”[5]،

وإنّ واقعَ من يجاهد في سبيل الله أشعثَ أغبرَ لا يختلف عن هذا، فقد بشّر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة، فعن عَبَايَة بْن رِفَاعَةَ قَالَ: أَدْرَكَنِي أَبُو عَبْسٍ وَأَنَا أَذْهَبُ إِلَى الجُمُعَةِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: “مَنِ اغْبَرَّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ الله حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ”[6].

لا تمسّ النار تلك الأعين التي تذرف الدموع من خشية الله، وتحرس ثغور الأمّة، فالذي ينذر نفسه لهذا الرباط، ويجابه المهالك التي تعصف بالبلاد، ويتصدى لها بإنشاء مؤسّسات يتربى فيها أبناء أمته، ويتجافى عن حظوظ نفسه لأجل الآخرين، ويهتم براحة الآخرين وعيشهم الهنيء؛ فهؤلاء لا تمسّ أعينَهم النارُ أبدًا.

—————–

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 202-205.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

 

[1] محب الدين الطبري: الرياض النضرة، 2/380.

[2] القشيري: الرسالة القشيرية، ص 247.

[3] صحيح مسلم، الصلاة، 218.

[4] سنن الترمذي، فضائل الجهاد، 12.

[5] سنن الترمذي، فضائل الجهاد، 8؛ سنن النسائي، الجهاد، 8.

[6] صحيح البخاري، الجمعة، 16؛ سنن الترمذي، فضائل الجهاد، 7؛ سنن النسائي، الجهاد، 9.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts