يجب أن يكون أسلوبنا كالآتي: إنّ كلام الله تعالى وكلام رسوله حقّ لا ريبَ فيهما، والعلوم صحيحةٌ بقدر تلاؤمها معهما، وغير صحيحةٍ بدرجة انحرافها عنهما، وحتى القسم الصحيح من العلوم لا يُعدّ قواعد أو مستندًا تستند إليه الحقائق الإيمانية؛ غير أنها تلعب دورًا في زيادة التأمّل والتفكّر في المسائل الإيمانية ليس إلّا، أما ما يرسّخ هذه الحقائقَ الإيمانيةَ في قلوبنا فهي يد الهداية الربانية مباشرة.

 تلعب العلوم دورًا في زيادة التأمّل والتفكّر في المسائل الإيمانية ليس إلّا، أما ما يرسّخ هذه الحقائقَ الإيمانيةَ في قلوبنا فهي يد الهداية الربانية مباشرة.

 لا تكونوا كمن يحرث في بحر

هذه النتيجة التي تتحقق بفضل نعمة الله لا يمكن استشرافُها من العلوم، ومثل هذا التوقع والأمل والاستشرافِ يضرب حياتنا القلبية والروحية فيُصيبُ منها المقتَلَ، بحيث لا يفلح بعدها مَن تلقّاها؛ ذلك لأن مثل هذا الشخص الذي يقضي عمره في جمع الدلائل الكونية ويحاول أن يجعلها تتحدث باسم الله سيظلّ دون أن يعيَ مرتبطًا بالطبيعة وقوانينها المادّية ومفاهيمها، سينظر إلى الماء وسينظر إلى جمال الربيع، ولكن لن تنبت في قلبه نبتة إيمانٍ خضراء، ولن يحسّ طوال عمره بوجود الله تعالى في وِجدانه ولو مرةً واحدةً خارج الأدلة التي جمعها، ومع أنه قد يبدو في الظاهر وكأنه ليس من “الطبيعيّين” إلا أنه يقضي عمرَه كله كـ”طبيعيّ “(Naturalist).

 النظر العلمي وسيلة وليس غاية

يجب النظر إلى العلوم وإلى جميع الأدلة العلمية وعدُّها تابعةً واعتبارُها وسيلةً لإزالة الغبار فقط عن الحقائق، وعندما ينفث الشيطان وسوسته في الصدر يمكن الرجوع إلى هذه الأدلة لإزالة هذه الوسوسة؛ لأننا نقول بأنّ نور الإيمان في قلوبنا راسخٌ وقوي وعميق لدرجة أن من يغنون في الظلام بل ومن يعظمون من شأن هذه المسألة في وضح النهار لن يستطيعوا ألبتّةَ أن يُؤثّروا -بالسلب أم بالإيجاب- على هذا النور الذي نملكه في وجداننا.

 الإيمانُ لا يُناطُ بالمعلومات المتراكمة في العقل، وإنما بِقَرَارَه في القلب.

إن ما يستطيعه الإنسان المشغول بجمع الأدلة في الآفاق وفي الأنفس هو تحقيق قَفزة صغيرةٍ فقط، فإن لم يستطع الخلاصَ من هذا الأَسْرِ لم يستطع الترقّي في مدارج القلب والروح قطّ، أما إن نَحّى هذا جانبًا -بعد وصوله إلى مرحلة معيَّنة- وسار في نور القرآن وفي الطريق النوراني الذي رسمه قلبه ووجدانه؛ فإنه سيصل حتمًا إلى ما ينشُدُه من انشراحٍ قلبيٍّ، يقول أحد المفكرين الغربيّين: “لقد شعرتُ أنّ عليّ أن أضرب عرضَ الحائط بجميع الكتُب التي قرأْتُها لكي أؤمن بالله حقّ الإيمان”.

 ضرورة تقدر بقدرها

لا شك أنّ كتاب الكون وكتاب ماهية الإنسان والكتب التي تشرحهما لها دورٌ كبيرٌ في هذا الأمر، ولكن عندما تقومُ هذه الكتب بإيفاء وظيفتها حقَّها، فعلى الإنسان أن ينحّيها جانبًا ويبقى وحده مع إيمانه، وكل ما شرحناه آنفًا مسألة تستند نوعًا ما إلى التجربة، والذين لم يمرّوا بتجارب وجْدانية لتعميق الإيمان قد يبدو لهم هذا الكلام شيئًا نظريًّا، ولكن الأرواح التي أضاءت لياليها وحلّقت في اشتياقٍ إلى ربّها سبحانه وتعالى تعي جيدًا ما نقول.

——————————————————————–

المصدر: محمد فتح الله كولن، الاستقامة في العمل والدعوة، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، صـ117-119.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts