Reader Mode

سؤال: ما الحكمة من القسم بمواقع النجوم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ (سُورَةُ الوَاقِعَةِ: 56/75)؟

الجواب: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ $ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ $ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (سُورَةُ الوَاقِعَةِ: 56/75-77).

آهٍ على ذلك الإنسان الذي قسا قلبه! إن الله عز وجل يعلم بعلمه الأزلي ما في الإنسان من قسوة وجفاء، ولذا غلّظ قوله بالأيمان في حديثه لنا.

على الإنسان أن يخجل ويستحيي من هذا، بل عليه أن يتفصَّدَ عرقًا، وأن ترتجِفَ شفتاه، وتتزلزلَ أوصالُهُ وهو يقرأُ مثل هذه الآيات؛ لأنّنا ألجأنا ربنا تبارك وتعالى على أن يبدأ حديثه بالقسم مؤكّدًا لنا مرّات ومرات بأن القرآن كتاب كريم؛ حتى نصدق ونذعن.

والأيمان كثيرة من هذا القبيل في القرآن الكريم، فكما أقسمَ الحقُّ جلَّ وعلا تارة بالنجوم أقسمَ تارةً أخرى بالشمس والقمر والسماء كلّها، بل إنه أقسم بِنِعَمِهِ على الأرض، فأقسم بالتين والزيتون والطور، كما أقسم بالليل والنهار، ولا ريب أن كلَّ هذه الأيمان تنطوي على عشراتٍ من الحِكَمِ والأسرارِ الخفيّة.

وفي آيةٍ أخرى يقسم الحقُّ جلَّ وعلا بالنجمِ فيقول: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 53/1)، ومن الممكن أن نفهمَ هذه الآية على النحوِ التالي: أي “أُقسم بالنجم الذي يعرج إلى السماء، أو الذي يتقوَّسُ تمامًا ثم يعود”، ومن هنا جاء ذكر النجم في هذه السورة متناسبًا تمامًا مع الحديث عن معراج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان الوضع هكذا فإن النجم الذي أقسم به ربنا تبارك وتعالى في هذه الآية -كما أشارت إحدى التفسيرات- هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف لا وهو الذي عرج أولًا من الخَلْقِ إلى الحقِّ سبحانه وتعالى، ثم عادَ من الحقِّ إلى الخَلْقِ.

ومن التفسيرات المتعلقة بحقيقة “وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى”: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسكرْ أو يغبْ عن وعيِهِ إزاءَ الجنّة التي رآها أو الجماليّات التي كشفَ الله له عنها، بل عاد لِيُصَحِّحَ فسادَ العالم ويُعلِم الآخرين بالنِّعَمِ التي اختصّه الله بها، ويأخذ بأيدينا إلى المعالي.

وعلى ذلك فالقَسَمُ بنبيِّنا محمّد صلى الله عليه وسلم واعتبارُه نجمًا له مغزى عميق وجميل.

أجل، إن هذا النجم بأحدِ معانيه يعني النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فهو من اختصَّه الله تعالى في الأساس بمزايا وفضائل عظيمة، ولما عرج به إلى السماوات العُلى حظي بكثير من النعم الأخرى، ثم هوى إلى الأرض نزولًا مختلفًا على غير الصورة التي ذهب بها، وهذه حادثة لا مثيل لها في تاريخ البشر، وكذلك منحَهُ هذا الشرف مرة أخرى فقال: “وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى”، وأقسم بجاهه صلوات ربي وسلامه عليه.

وفي قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ (سُورَةُ الشَّمْسِ: 91/1)، يقسم ربنا تبارك وتعالى بالشمس، وبالضحى الذي يصاحب ظهور الشمس.

وفي قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ (سُورَةُ الضُّحَى: 93/2)، أقسم سبحانه وتعالى بالليل من حيث إنه محل للراحة، وبالظلمة التي تغشى الليل، ثم بانقشاع تلك الظلمة وبزوغ النهار مرة أخرى؛ بمعنى أن الله تقدست أسماؤه يقسم بالفيوضات والألطاف الإلهية التي تجري في الكون في دوران دؤوب.

وفي موضع آخر يقول الحق جل في عُلاه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ $ وَطُورِ سِينِينَ﴾ (سُورَةُ التِّينِ: 95/1-2)، والطور هو ذلك المكان المبارك الذي حظي فيه موسى عليه السلام بكلام الحق سبحانه وتعالى وتجلياته، وهذا الشرف الذي ناله سيدنا موسى عليه السلام كان يحمل في طياته أُسُسَ انبعاثِ أمة من الناس.

ولقد تلقَّى موسى عليه السلام الأمرَ هنالك، فاستيقظَتْ تلك الأمة بهذه النفحاتِ على الحياةِ الحقيقيّة؛ ولذا استحق الطُّورُ أن يكونَ بقعةً مباركةً يُقْسِمُ الله تعالى عليها.

وكما ذكرنا آنفًا فكثيرًا ما وردَ في القرآن الكريم مثلُ هذه النوعية من الأيمان، ومن تلك الأيمان قَسَمُهُ جلّ وعلا بمواقِعِ النجومِ كما جاء في الآية الأولى، ومما ذكره العلماء قديمًا وحديثًا حول الحكمة من القَسَمِ بالنجومِ ما يلي:

أولًا: النجوم مهمة للإنسان في كلِّ زمان؛ لأن العلاقة قائمةٌ ودائمةٌ بين الإنسان والنجوم، وأقلُّها هو تحديدُ الناسِ الجهات عن طريقها، ويؤكِّدُ ربُّنا تبارك وتعالى على هذه الحقيقة فيقول: ﴿وَعَلاَمَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (سُورَةُ النَّحْلِ: 16/16).

وعلاوةً على تحديدِ الجهاتِ في البرِّ والبحرِ فإن كلَّ نجمٍ أو مجموعةٍ من النجومِ توحي لنا بأمورٍ محاكيةٍ للإنسان كنجم القرآن تمامًا، وبلسانِ حالها وانتظامها وتناغمها تُحَرِّكُ قلوبَنا وتُرشدُها إلى حقائق خفيّة، وهذه صورة أخرى من الاهتداء بالنجوم، ولذا يقول الحق تعالى: “وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ”، وربما أقسم الحق جل وعلا بمواقع النجوم بناءً على تلك العلاقة بين الناس والنجوم؛ لأنه إن لم تجر النجوم في أماكن معينة فليس من الممكن أن يستفيد الناس منها على هذا النحو.

ثانيًا: لا يمكن أن تتحقَّقَ عمليّة وصول الشمس والنظام الشمسيّ إلى موقعها الحالي واتخاذهما صورتهما الحالية إلا بتوافر مئاتٍ من الشروط، فعلى سبيل المثال إنَّ تَسَرُّبَ الهواءِ من الغلافِ الجوِّيِّ واختلالَ توازنِ ما بِهِ من غازاتٍ يؤدّي إلى اختلال البنية العامة للغلاف الجوِّيِّ على الفورِ، وإلى عدم إمكانيّة الحياة داخله.

في الواقع إن كلًّا من الهواء والكرة الأرضية يدفع بعضهما بعضًا، ومع ذلك يجتمعان كرهًا؛ بمعنى أنهما يذعنان ويستسلمان لأوامر الله تبارك وتعالى، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (سُورَةُ فُصِّلَتْ: 41/11).  وكلَّما دقَّقْنا النظرَ في هذه الأمورِ وسَبَرْنَا أغوارَها أُصِبْنا بالحيرةِ والذهولِ، واستنبطْنا منها أدلَّة على وجودِ اللهِ ووحدانيَّتِهِ.

وعلى ذلك فالقَسَمُ بهذه النجوم ومواقعِها التي تُعَدّ دليلًا على وجود الله ووحدانيّته إنّما هو في غايةِ المنطقيّة وفي محلِّه بالضَّبطِ، وإننا إذا خرجنا عن النظام الشمسي تبدت لنا أنظمة أخرى عديدة داخل درب التبانة، كلها قد استقر في مكانه المناسب، فلو اصطدمت ذرَّتان في مكان ما ببعضِهما لوقعَتْ كارثةٌ لا تُطاق، وإن التفكير في أن تؤدي تلك الأجرام العظيمة إلى مثل هذه الكارثة بسبب اختلال التوازن في فضاء الكون أمر يسوق الإنسان إلى الخوف والفزع، وبينما كان ينبغي أن تؤدي هذه الكثرة والتداخل إلى انعدام التوازن نجدُ النجومَ تجري في انتظام مذهلٍ بقدرة الله تعالى، إننا نحاولُ أن نرجع هذا التناغمَ والانتظامَ بين النجوم بنظريَّةِ الدفع والجذبِ، بيد أن وراءَ هذا التناغم قدرة الله سبحانه الذي لا حدَّ لقدرتِهِ، والتي تُعرَض على أنظارنا على صورة القَسَمِ بمواقع النجوم في قوله: “فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم”.

ثالثًا: وهذه الآية تنقلُنا إلى مسألةٍ أخرى ألا وهي: أن النجومَ استقرَّتْ إلى حدٍّ كبيرٍ في مكانها اللائقِ بها، وإن أجرينا دراساتٍ حول نظامٍ واحدٍ توفَّرت لدينا أفكارٌ سليمةٌ عن الأنظمة الأخرى، حتى إننا قد نتمكن من عقد اتصالٍ مع تلك الأنظمة وإنشاء مدن بها.

أجل، إن تيسَّرَ لنا فهمُ نظامٍ واحدٍ سيتيسَّرُ لنا اكتسابُ معلوماتٍ عن الأنظمة الأخرى تلقائيًّا؛ لأن استقرارَ هذه الأنظمة في مثل هذه الأمكنةِ المناسبة لها تمامًا قد جنّبَها كلية العشوائية والفوضى، وكلها يجري في غاية النظام والانتظام.

ومن الملاحظ أن ربنا تبارك وتعالى قد كشفَ لنا في سورة الرحمن عن رحمانيته بهذا التوازن والانتظام الرائعين، فالرحمن هو الاسم الذي يلي لفظ الجلالة، وقد استخدمه الحق تعالى كاسمٍ خاص بين أسمائه الحسنى بمعنى الرزاق، والرحمنُ في “بسم الله الرحمن الرحيم” يلي اسم الجلالة مباشرةً، واقترن بلفظ الجلالة كصفة له داخل البسملة فحسب في مائة وأربعة عشر موضعًا في القرآن الكريم، وتستهلُّ سورة الرحمن بذكر اسم الله الرحمن، وعند تعدادِ النِّعَمِ كان اسم الرحمن أوَّلَ ما عرضَ لنا.

يقول ربنا تبارك وتعالى بدايةً ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 55/1)، ثم يعبر بقوله: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 55/2) عن مظاهر الرحمة الإلهية وتجلياتها، فهل هناك أعظم من هذا التجلي؟

أجل، لو لم تُنِر الأطياف النورانية للقرآن الكريم أبصارَنا وتُنوَّرْ دنيانا بالرسائل التي يبثُّها هذا الكتاب الكريم لظلَّ الكونُ بالنسبة لنا مأتمًا عامًّا ولتراءت لنا جميع الموجودات جثثًا هامدةً تبعثُ الخوف والفزع في صدورنا، ولَمَا استطعنا أن نتلمَّسَ الماهية الحقيقيّة للأشياء ونفهمها فهمًا تامًّا.

لكنَّنا أدركْنا معنى وحكمة كلِّ شيءٍ بفضلِ ظلِّ الأطيافِ النورانية للقرآن الكريم، وشَعَرْنَا بأننا أهمُّ أنموذجٍ في هذا الوجود.

إننا فَهِمْنا بنورِ القرآن أمورًا تعذَّرَ على الآخرين فهمها عن طريق العلم، فتخلَّصْنا من الحيرة والعجب، ولما دَرَسْنا الوجودَ من خلال النفوذ إلى روح القرآن أدركنا أمورًا لا يعرف الآخرون حتى مسمّياتها.

أجل، لقد حَدَسْنا وجودَ أنفاقٍ نورانية تمتدُّ إلى العوالم الأخرى حتى داخل الثقوب السوداء، وحيثما نظرنا بنور القرآن ألفينا النورَ يعمُّ كلَّ مكان.

﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ $ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 55/3-4):

إن الله تعالى الرحمن وفقًا لفحوى هذه الآية يشير إلى رحمانيته، فلو كنا بُكمًا أو تعذَّرَ علينا أن نكون ترجمانًا للسان هذه الكائنات التي تنطق بغزارة وتتكلَّم بطلاقة، أو إن لم نستطِعْ أن نفهم البيان الإلهي ونشرحه لبعضنا؛ يعني إن لم نتمكَّن من أن نرى ذلك النور الذي استضاء به الكون من خلال البيان الإلهي الصادر عن صفة الكلام ما استطَعْنا أن ندرك شيئًا من المعاني العميقة والنقوشِ الدقيقة التي يتزين بها الكون.

﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ (سُورَةُ الرَّحْمَنِ: 55/5):

لقد وضعت الشمس والقمر في منازل مناسبة وفقًا لحسابات دقيقة قويمة، حتى إن أشعة الشمس إذا ما دنت من غلافنا الجوي واصطدمت به تحولت إلى أشعة لطيفة أنعشت أبصارنا، مما يدل على أن وراء ذلك قدرة إلهية عظيمة ربطت كلَّ شيءٍ بخطة حمايةٍ مُحكمَةٍ، وهذه الحماية تعني من زاوية أخرى أن الله تعالى يظهر لنا رحمانيَّتَهُ، فلو لم تضع الرحمة الإلهية نظامًا هكذا وفق حسابات دقيقة كاملة لاصطدمت الأجرامُ السماوية ببعضها ولصرنا هباءً منثورًا بين تلك الأجرام.

أجل، قد تسقط أحيانًا شهب من السماء لكنها لم تتسبَّبْ لِأحدِنا في أيِّ مشكلة قطّ، فما جَرَحَتْ رأسًا ولا فقأَتْ عينًا، وهذا يعني أن هذه الشُّهُبَ المتصادمةَ تصطَدِمُ بدرعِ حماية الله فَتَتَفَتَّتُ، إن شئتم اجعلوا السببَ الغلافَ الجويَّ أو الأكوامَ الغازية المتكاثفة، قولوا ما شئتم فكل هذه الأسباب عبارة عن تجسيد عناية الحق تبارك وتعالى، لقد وضع الله تعالى كل شيء بحسابات دقيقة في نظامٍ وتناغمٍ كاملين، ويتراءى لنا مثل هذا المعنى في قوله تعالى: “فلا أُقسم بمواقع النجوم”.

رابعًا: إن النجم القطبي ومكانته بين النجوم وهدايته لنا، والنظام الشمسيّ وموقعه داخل درب التبانة، ودرب التبانة وموطنه الرائع بين الأجرام السماوية وموقعه المذهل بالنسبة للأنظمة الأخرى؛ المتواضع بالنسبة لغيره، ثم ذلك التناسب بين هذه الأنظمة والأنظمة الأخرى، وابتعاد النجوم كلها عن بعضها بمسافات معيّنة كما حدَّدَها العلم، واستقرار الأقمار التي تدور حول الشمس في منازل خاصّة وفقًا لحسابات معينة؛ كل ذلك يشير إلى أن كل شيء في الكون قد انتظمَ في تناغمٍ رائعٍ أشبه بالشِّعرِ، وربما تشير آية “فلا أقسم بمواقع النجوم” إلى هذه الأشياء كلها.

خامسًا: لقد أُجريت دراسات مختلفة في الشرق والغرب عن مواقع النجوم، فالعلماء الروس مثلًا يقولون: إنها المواقع التي تحطّ فيها النجوم، أما في الغرب فيقولون زيادة على ذلك: إنها إما الثقوب البيضاء أو الثقوب السوداء.

في الواقع علاوةً على المسائل التي يحاول العلم الوصولَ إلى حلٍّ فيها نجد أن هناك العديد من الأسرار التي ما زالت تنتظر الحل، حتى عندما نعتقد أننا قد أوضَحْنا مسألةً ما إذ بِنا نجِدُ أمامنا فجأةً مسألتَين أو أكثر تنتظِرُ التفسيرَ والبيان، فعلى سبيلِ المثالِ هناك نوعٌ من التضادِّ بين الغلافِ الجوِّي للكرة الأرضية والكرة الأرضيّة، ويدَّعِي الفلكيُّون أن هذا التضادّ عاملٌ يُحافِظُ على التوازُنِ في العالم والفضاءِ بل في الكون بأكملِهِ، فالثقوبُ البيضاءُ والثقوب السوداء هما عنصران متضادّان، وهما مهمّان جدًّا للحفاظ على التوازن العام في الكون.

ويرى المفسِّرون الحداثيُّون أن آيةَ مواقع النجوم تشير إلى الثقوب البيضاء والثقوب السوداء، فالثقوب البيضاءُ مصدرٌ ثريٌّ وعظيمٌ للضوء والطاقة، وها قد أصبحت تُرى وتُحدّدُ في أيامنا، ويقول رجالُ العِلْمِ عن هذه الثقوب: إنها كحقولٍ نشأَتْ وترعرَعَتْ في باطنِها النجومُ والأنظمةُ الأخرى.

أجل، إنها تمتلك طاقةً هائلةً، فلو غابَت حتى مجرّةُ “دربِ التبانة”؛ فمن الممكِنِ أن تُشكِّلَ ثقوبٌ بيضاء منها مدارًا لـمـجرّةِ “دربِ تبانة” جديدٍ بحولٍ من الله وقوَّتِه.

لقد استقرَّتْ هذهِ الثقوبُ إلى هذا الحدِّ داخلَ الكون في تناغمٍ استطاعَتْ من خلاله أن تؤدِّي أعظمَ وظائِفِها المنوطة بها على أكملِ وأدقِّ وجهٍ.

أجل، إن مواقعَ النجومِ هي من العوامل التي تؤثِّرُ ظاهرًا تأثيرًا بالغًا في نظام الكون، ويقول العلماء الروسُ إن هذه المواقع هي الأماكن التي نَشَأَتْ وأينَعَتْ فيها النجوم الصغيرة، وقولهم هذا له اعتباره من جهة ما؛ لأن هذا يعني أن إشارة القرآن الكريم إلى مواقع النجوم في هذه الدنيا العجيبة تقريرٌ وتأكيدٌ على أن عِلْمَ القرآن الكريم بالماضي والمستقبَلِ يُضاهي عِلْمَهُ بالحاضِر.

سادسًا: أما الثقوبُ السوداء فهي تلك النجوم التي تتشكل من ذرَّات وإلكترونيات، فإذا ما نفدَتْ طاقة الإلكترونيات خَمَدَتْ تلك النجوم، فإن تتابعَ ذلك الخمودُ تضاءلت تلك النجوم العظيمة، فإن تضاءَلَتْ مثل الشمس أو أقلّ منها نشأت الثقوبُ السوداءُ.

وفي الواقع إن هذه النجوم يتضاءلُ حجمُها رغم أنها لا تفقدُ شيئًا من وزنها، وتتحوَّلُ إلى ثقوبٍ سوداء عظيمة، ومع ذلك لا تُرى، غير أن الضوءَ يتلاشى عند النفوذ منها، مما يعني أنها تبتلِعُهُ، الأمرَ الذي يدلُّنا على وجودها، وعند ذلك تُسْرِعُ وتيرةُ الزمان.

وعندما تتلاشى تلك الأشياءُ التي دَخَلَتْ دوامة هذه الثقوب تتمثّل أمامنا بعضُ الأسرار الخفية، فمثلًا هذا النظام العظيم مثل الشمس إذا ما دنا إلى ثقبٍ من هذه الثقوب ابتُلع وغاب عن الأنظار، ومن ثم يقولُ بعضُ الفلكيِّين بأن الثقوبَ السوداء هي مواقع النجوم.

سابعًا: وقد يرد لفظُ النجم في القرآن الكريم بمعنى الأنبياء العظام، فمثلًا يقول الحقُّ تبارك وتعالى في سورة الطارق: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ (سُورَةُ الطَّارِقِ: 86/3)؛ أي النجم الذي يثقبُ القلوبَ الصلبةَ ويفتحُ الأبواب المغلقة وينفذ إليها، وعلى ذلك فهذا النجم هو سيدنا رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فكلُّ نبيٍّ هو -من ناحيةٍ ما- كنجمٍ من حيث مهمة النبوّة التي كُلِّفَ بها في عصرِهِ، فمن اتَّبَعَهم ارتقى إلى سماءِ السعادة، ارتقى وحظي بالوصال مع الحقِّ جلَّ وعلا.

وعندما يُقسم الحقُّ جل وعلا بمواقع النجوم يلفت الانتباه إلى مقام سيدنا إبراهيم وسيدنا نوح وسيدنا موسى وسيدنا عيسى وغيرهم من الأنبياء، وإلى المقامِ الأعظم لنبيِّنا صلوات ربي وسلامه عليه، وهذه المسألةُ من الأهمّيّة بمكانٍ من حيث التفسير الإشاري.

ثامنًا: أريد هنا أن أتعمَّقَ في الموضوعِ أكثر، وأُنَبِّهَ إلى مسألةٍ أخرى؛ فكلمةُ “النجم” تُطْلَقُ أيضًا على آياتِ القرآن الكريم، يقولُ المفسِّرُون: “لقد نَزَلتْ آياتُ القرآنِ الكريمِ منجّمة”، ومن ثمَّ فهم يرون أن لِآياتِ القرآن مواقعَ كمواقع النجوم، لكننا نقولُ بادئَ ذي بَدءٍ بأنَّ موقعَ القرآنِ الكريمِ في العِلمِ الإلهيِّ يفوقُ كلَّ التصوُّراتِ، ونحن لا نستطيعُ أن نرى ما في صفةِ كلامِ الله من قوَّةٍ وقدرةٍ وإحاطة، وعلى ذلك أقسمَ ربُّنا تبارك وتعالى مباشرةً على مكانة القرآن بمواقع النجوم.

وعلى ذلك ليس هناك فرقٌ بين ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (سُورَةُ ق: 50/1) والقسم بمواقع النجوم، فهذا كهذا، علاوةً على ذلك فَلِلْقُرآن مكانةٌ في اللوحِ المحفوظ؛ لأن القرآن كانَ في اللوح المحفوظ حتى ليلة القدر، وما استطاعَ أحدٌ أن يطَّلِعَ عليه إلا مَن امتدَّتْ أبصارُهم إلى هنالك، ووفقًا لذلك فإن مواقعَ النجومِ تعني مواقع نجومِ القرآنِ الكريم التي نشأَتْ بحولٍ من الله وقوَّتِهِ فشرَحَت وأوضَحَتْ كتابَ الكون، بمعنى أن القرآنَ يُعتبر أيضًا مجموعةً أخرى من النجوم، توضّح وتشرحُ النجوم في الكون.

يتبين من خلال ذلك أن ثمة تشابهًا وشموليَّةً بين القرآن والكون، وبما أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (سُورَةُ القَدْرِ: 97/1)؛ فهذا يعني أن القرآن الكريم كان مكانه في اللوح المحفوظ، ولم يستطع أن يطَّلِعَ عليه هنالك ويشاهده كلّية إلا كلُّ وليٍّ تمكَّنَ من مشاهدة حقيقةِ اللوح المحفوظِ وامتدَّ نظرُهُ إلى هنالك.

وبناءً على ذلك يمكن أن يُقالَ: إن القَسَمَ بمواقعِ النجومِ يعني القسمَ بالموقِعِ الشريفِ للقرآن الكريم.

تاسعًا: إن للقرآن الكريم موقعًا آخر أيضًا وهو أمانةُ سرِّ صدر جبريل الأمين عليه السلام، ذلك الذي استحقَّ مقامَ الأمانة بوصف الله له في قرآنه ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ (سُورَةُ الشُّعَرَاءِ: 26/193)، ووفقًا لذلك يُحمَلُ القسم بالنجوم على القَسَمِ بِصَدْرِ جبريل عليه السلام ومن هم على شاكلتِهِ.

عاشرًا: وقد يُقصَدُ بمواقعِ النجومِ أيضًا الصدورُ النقيَّة للنبي صلى الله عليه وسلم وأمّتِهِ.

حادي عشر: ويمكن أن تكون المواقع التي أقسم الله تعالى بها هي تلك الصدور النقية التي تصدق بالقرآن وتعتبره كلَّ شيء، وعند قراءتها له تشعر في أرواحها بأن الله يخاطبها هي لا غيرها، اللّهم طهِّر قلوبنا وصدورَنا كما طهَّرْتَ قلوبَ السابقين وصدورَهم، واجعَلْنا يا ربَّنا من الصدورِ التي تُقسِمُ بها.

 لقد أقسمَ ربُّنا تبارك وتعالى بمواقِعِ النجومِ قَسَمًا يضمُّ في طيَّاتِهِ كلَّ هذه المعاني التي نعرفُها إلى جانب كلِّ ما لا نستطيع معرفَتَهُ، وأعلنَ سبحانه وتعالى بنفسِهِ عن عِظَمِ وجلالِ هذا القسم.

وإننا نؤمنُ بالأسرارِ التي يتعذَّرُ علينا معرفة كنهِها قدرَ إيماننا على الأقلِّ بما نعرفهُ من أسرار، ونُصَدِّقُ يقينيًّا وبكلِّ جوارِحِنا بقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (سُورَةُ الوَاقِعَةِ: 56/76).

فهرس الكتاب