Reader Mode

س: الأستاذ كولن نشكركم على إتاحة الوقت لنا للتحدث معكم، والسبب الذي أريد أن أحاوركم من أجله هو قلق المجتمع الصيني حيال ما يحدث في تركيا، ومدى تأثير تلك الأحداث على مستقبل تركيا. أولا أود قبل كل شيء السؤال عن تلك الحملة الضخمة من الاعتقالات التي حدثت بعد محاولة الانقلاب والتي يرى البعض أنها تصفية حسابات. كيف ترون تأثير تلك الحملة على مستقبل تركيا عامةً، وحركة الخدمة خاصة؟

ج: الحقيقة أن الانتهاكات والاعتداءات لم تبدأ مع حادثة يوليو الأخيرة. الاعتقالات وإغلاق الصحف ومصادرة ممتلكاتها بدأت قبل ذلك. يمكن أن تَرجعوا بتلك الانتهاكات إلى فضائح الفساد في ١٧-٢٥ ديسمبر 2013 التي اتخذوها ذريعة، بل يمكن العودة إلى ما قبل ذلك.

كانت رحلاتهم لا تنقطع إلى بلدان شتى من العالم في محاولات لإقناع المسئولين في هذه البلدان بإغلاق مدارس الخدمة، وكانوا يبذلون في سبيل ذلك جهودا كبيرة وينفقون أموالا ضحمة. وفي ١٧ و ٢٥ ديسمبر وبعد انكشاف تلك الفضائح ازدادوا كراهية وحقدا. بل ربما عثروا على ذريعة يُغطّون بها سوآتهم، وانتهزوها فرصة لتضليل الرأي العام بذلك. وقد نجحوا في ذلك فعلا، على الأقل لدى أنصارهم على الصعيد الداخلي. أنصارهم أصبحوا يرددون عند كل انتهاك أو مظلمة “هذا جيد، هؤلاء يستحقون أشد من ذلك، حسنا فعلتم بهم”.

كانت مظالمهم تلك تسير ببطء ووفق وتيرة معينة قبل الانقلاب المريب. يصادرون ممتلكات الناس، يعيّنون حراسة قضائية على الشركات، يستولون على أموال المواطنين، ويدفعون بعض رجال الأعمال إلى الإفلاس، وهكذا تسير الأمور وفق خطة ووتيرة محددة. فإذا بهم يلجؤون إلى سيناريو الانقلاب، نحن قلنا سيناريو، مسرحية، والعالم كذلك قرأ الحدث على أنه مسرحية. هنا بالتحديد أريد أن ألفت نظركم إلى نقطة هامة: وهو أن العالم يمتلك قراءة مختلفة عن القراءة الموجودة في تركيا. العالم يقرأ الحدث بحيادية. لكن في الداخل التركي تُقدَّم للمواطن صورة مختلفة تماما. لم يبق صوت معارض في تركيا، قُمِعت كافة الأصوات المعارضة. واليوم يتم اختلاق قراءات وهمية تُسوَّق للرأي العام التركي وسط صخب وضجيج إعلامي كبير، فتتشكل لديه صور وقناعات مغايرة تماما لما يبدو للمتابع من الخارج.

وربما بعض المسئولين الأجانب ممن يتابعون الأحداث من الداخل التركي ينظرون إلى المشهد بعيون الشعب التركي المضلل، فينخدعون كذلك. لأنه لا يوجد صوت معارض. لم يبق أحد يقيّم الموضوع بحيادية. أغلقت جميع وسائل الإعلام المعارضة. إذا اعترض أحد القضاة يعتقلونه فورا، أو إذا اعترض ضابط يزجّونه إلى السجن، بل لقد وصل الأمر إلى اعتقال أعضاء من المحكمة الدستورية العليا وألقوا بهم في السجن. ففي ظل ممارسات دكتاتورية كهذه، كيف يتسنى للمواطن التركي أن يطّلع على الحقائق أو يعرفها؟ هم أنفسهم سمّوا انتهاكاتهم هذه بمطاردة الساحرات، ويبدو أنهم متمادون في ذلك دون رجعة.

نحن أناس نؤمن بالله تعالى، فإن لم تتداركنا عناية الله عز وجل فسوف يتمادون في مظالمهم تلك، بل وسيذهبون بها إلى أبعد مدى ممكن. من ناحية أخرى، هذه المظالم والانتهاكات التي تقع في تركيا هي جرائم في حق الإنسانية. فهم يعتدون على أناس أبرياء، يعرّضونهم لشتى أنواع التعذيب والانتهاكات الجسدية، يعتقلون أبرياء بلا دليل ويصادرون حريتهم، ينزعون من المحامين حقهم في الدفاع عن موكّليهم، هذه القائمة من الانتهاكات والمظالم تطول وتطول، وهي تؤكد أن القانون والحقوق والعدالة مصطلحات فقدت معانيها تماما في تركيا.

وإزاء هذه الانتهاكات والمظالم يجب أن يكون للأسرة الدولية وقفتها الحاسمة. فما لم يطالب النيتو والاتحاد الأوروبي وكذلك منظمة شنغهاي تركيا بالتوقف، فأحسب أن هذه الانتهاكات لن تتوقف أبدا. وأحسب أن التاريخ سوف يحمّل الإنسانية كلها مسؤولية كبرى إن لم تقم بدورها المطلوب. وسوف يسجّل التاريخ عنها أنها لم تقم بما ينبغي عليها فعله. أما بالنسبة لمن يحمل في قلبه إحساسا دينيا، فإنهم سيحاسبون أمام الله في الآخرة إن لم يقوموا بدورهم إزاء هذه المظالم.

س: لقد ذكرتم منذ قليل أن العالم لا يصدق قصة أردوغان تلك، فهل تتوقع أن يقوم الغرب، أو الاتحاد الأوروبي، أو الولايات المتحدة بالضغط على أردوغان قريبا للكفّ عما يفعله حاليا؟

ج: أعتقد أنهم قد يفكرون بفعل شيء يحفظ اعتبارهم حتى لا يدانوا أمام التاريخ في المستقبل، ولكن -كما تعلمون- فإن للمصالح المشتركة أهمية بالغة في العلاقات بين الدول. فإذا ما رأوا أن تدخّلهم سيسيئ إلى مصالح بلادهم، عندئذ قد يتريّثون. هناك مشاريع مشتركة بين أمريكا وتركيا، بين حلف الناتو وتركيا. فإذا رأوا أن تحذيرهم لتركيا في موضوع ما سوف تؤول نتائجه بالسلب على مصالحهم، فقد يحجمون ويسكتون عن إدانة هذه الانتهاكات.

لذلك أعتقد أنهم يبحثون لأنفسهم عن موقع مناسب يجنّبهم المخاطر التي يتخوّفون منها. الأمر ينطبق على الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي والنيتو، بل حتى منظمة شانغهاي، التي بدت حتى اليوم كأنها معسكر آخر، فهل يكون لها تأثير حقيقي؟ لا أدري. فهي تتشكل من دول كبيرة مثل الصين في الشرق الأقصى وروسيا هنا. كيف سيتصرفون إزاء هذه الانتهاكات في تركيا، لست متأكدا.

ولكن عندما نفكر من زاوية المصالح المشتركة بين هذه الدول والتكتلات، يبدو الاحتمال ضعيفا. حلف الناتو عنده مصالح خاصة في المنطقة. علما أنه قد لا تشترك الصين أو كوريا في المصالح عينها مع تركيا. مع ذلك عندما ننظر إلى الموضوع من زاوية حساب الاحتمالات، يبدو شبه مستبعد أن تتفق هذه الدول والمنظمات على نقطة واحدة في الشأن التركي، فتطالب القيادة التركية بالتراجع عن سياساتها الظالمة وانتهاكاتها لحقوق الأبرياء. لذلك أحلنا الأمر إلى الله سبحانه وتعالى، فهو نعم المولى ونعم النصير.

س: أود سؤالكم عما يجري داخل تركيا. يبدو أن هناك اتجاهين من الناس. الاتجاه الأول هم أولئك الذين خدعهم أردوغان، وصدقوا بأن الخدمة هي من خططت للانقلاب. والاتجاه الآخر هم أولئك الذين فهموا الانقلاب ولكنهم ما زالوا يرون الأمر معقدا بعضَ الشيء. هم يرون أن أردوغان في سعي دائم لتوسيع سُلطته وديكتاتوريته، لكن دون إبداء أي اعتراض حقيقي تجاه ما يفعله، ما زال الأمر أشبه بالمعضلة بالنسبة لهم. هل تتكرمون بالحديث قليلا عن هذا الأمر؟

ج: هناك إشكال في تركيا أشرت إليه من قبل مرارا، وهو غياب المعارضة السياسية الحقيقية. لا يوجد معارضة قوية وجادة. هنا في أمريكا يوجد الديمقراطيون والجمهوريون، فيتفوق الأول على الثاني أو الثاني على الأول ببعض النقاط الطفيفة، أي أن هناك منافسة ندّية، تُمكّن من تداول السلطة، وهناك نقد ذاتي ومحاسبة دقيقة للسياسات حتى لا يخسروا في الانتخابات، وهو ما يدفعهم للالتزام بمبادئ الديمقراطية أكثر.

في تركيا تم تدجين المعارضة بالكامل، وربما الظروف تطورت في ذلك الاتجاه. سابقا كان كل من حزب الطريق القويم وحزب الوطن الأم يشكلان الأغلبية. ولكن بعد تداعي هذه الأحزاب من الداخل وفقدها لتأثيرها أقبلت جماهير الشعب على دعم الحزب الحاكم حاليا، ومن ثم بدأت شوكتهم تزداد يوما بعد يوم مع غياب حقيقي لأحزاب المعارضة، وهذه هي إحدى كبرى مشاكل تركيا حاليا.

أضف إلى ذلك أن بعض أحزاب المعارضة كان لها موقف سلبي إزاء حركة الخدمة من قديم. واحد من هذه الأحزاب الكبرى في المعارضة كان يمنع أعضاءه من الحضور في أولمبياد الثقافة واللغات التي كانت تقوم مدارس الخدمة بتنظيمها. لكن بعض الأوفياء منهم كانوا يقولون للإخوة، سنأتي إكراما لكم ووفاء، ولكن نرجو ألا تجلسونا في الصفوف الأمامية، دعونا نجلس في الوراء حتى لا نظهر. إذن هناك نوع من الانزعاج وعدم الاستساغة منذ ذلك الوقت. يمكنني أن أقول الشيء نفسه بالنسبة للحزب الآخر كذلك (حزب الشعب الجمهوري). بل يمكنني القول نفسه لمن كانوا سابقا يهانون ويطردون ويهمشون في جنوبي شرقي تركيا (حزب الشعوب الديمقراطية). لقد كانوا يحملون النوايا والأفكار ذاتها في قرارة أنفسهم. ومع الأزمة الراهنة استحسنوا ما وقع فقالوا ليأكل هؤلاء (قيادة أردوغان) الطرف الآخر (الخدمة)، لينكّلوا بهم ويقضوا عليهم. نعم، ذهبوا في هذا الاتجاه ولم يكونوا مخلصين لمبادئهم، تجاهلوا المستقبل، توقعوا أن الأمور ستجري على هذا الشكل إلى الأبد.

يمكن أن نقول إنهم وجدوا قاسما مشتركا فيما بينهم، موضوعا اتفقوا عليه جميعا، هو القضاء على حركة الخدمة. حركة الخدمة حركة إنسانية انطلقت تخدم الإنسانية في ١٧٠ بلدا في العالم. تسعى إلى أن يعانق الإنسان أخاه الإنسان بمحبة… المساجد إلى جانب الكنائس والصوامع مع المعابد جنبا إلى جنب دون حرج، في ولاية هوستون رأينا نموذج المسجد وإلى جانبه كنيسة، في تركيا رأينا مشروع مسجد وإلى جانبه دار الجمع لإقامة روح التعايش بين العلويين والسنيين. هذه المشاريع تمت بإذن الله وعنايته، وفشلت جميع مخططاتهم التي تخدم روح التفرقة، لذا لم يستسيغوا الخدمة بل حقدوا عليها، يقولون اليوم: “لا تتفوهوا بكلمة اعتراض على المظالم التي تقع، اتسعت أنشطة هؤلاء كثيرا، دعوا القيادة الحالية تقضي عليهم، ولا شك أن السياسات المجحفة التي تنتهجها الحكومة ستضعفها كذلك ومن ثم نوقع عصفورين بحجر واحد”. أعتقد أنهم يقولون أيضا: “غدا ستتدخل القوى العظمى في هذا الموضوع، وستقضي على القيادة الحالية، فيُفتَح لنا المجال ويكون لنا دور يومئذ”. لا نستبعد هذا النوع من التفكير البراغماتي لدى هؤلاء. هذه توقعاتي من خلال قراءتي المتواضعة للمشهد من الزاوية الاجتماعية والسيكولوجية.

س: الأستاذ كولن لقد كنتم أنتم وأردوغان حليفين سياسيين في الماضي حتى إنه أتى لهذا المكان خصيصا طلبًا لدعمكم. ما الذي يجعلكم تختلفون معه الآن؟ ومتى بدأ ذلك الخلاف؟ وما السبب الذي يجعلكم تظنون أن أردوغان يغدو أكثر ديكتاتورية يوما بعد يوم؟

ج: أعتقد أن هناك لبسا في الموضوع. فأنْ تجمعك مع أحد لقطة واحدة شيء، وأن تكونا متلازمين شيء آخر، ويبدو أن ظهورنا معا في صورة واحدة شكّل لدى الرأي العام قناعة بأننا متلازمان. لم يتعد لقاؤنا مرتين، تحديدا مرة عندما كان رئيسا لبلدية إسطنبول، وقد كان لقاء عابرًا لا يستأهل أن يعد لقاء. ثم جاءني مرة أخرى عندما أراد أن يؤسس حزبا ينفصل به عن السيد أربكان. وذات مرة كان يجلس إلى جواري أثناء مباراة لكرة القدم. ربما اعتبر البعضُ هذه اللقاءات نوعا من التوأمة. هذا من جانب. ومن جانب آخر أحب أن أنبه إلى نقطة أخرى مهمة. فعندما تولى سليمان ديميريل الحكم سنة ١٩٦٣ تعهد للجماهير بتعزيز الديمقراطية، وتحدث عن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي كما تحدث عن حلف الناتو. فكرة حلف الناتو تشكلت في الخمسينيات أثناء الحروب الكورية. والأغلبية الساحقة من المفكرين المستقلين في تركيا دعمت سليمان ديميريل بناء على وعوده تلك التي قطعها على نفسه. وقد تكرر هذا في كل مرة جاء فيها سليمان ديميريل إلى مقام الرئاسة، فقد دعمه الشعب مرارا بناء على تلك التوجهات التي تُعزّز المسار الديمقراطي.

وبعد انقلاب عام ١٩٨٠ تولى تورغوط أوزال الحكومة عن حزب الوطن الأم، ولقد وثقت به الجماهير أيضا ودعمته دعما قويا. فقد كان يدعو إلى مزيد من الديمقراطية، وتعزيز حقوق الإنسان، ودعم القيم الإنسانية العالمية، كما كان ينادي بضرورة الاندماج مع العالم ومواكبة التطورات الحادثة فيه. لذلك قمنا نحن وأمثالنا من مؤيدي الديمقراطية والتنمية والحقوق والحريات بمنحه الدعم الكامل. بل يمكنني القول بأن أغلبية المجتمع التركي قد دعمت السيد بولند أجاويد في فترة من الفترات رغم انتماءاته اليسارية، نعم دعمته في بعض المشاريع الصحيحة والمواقف القوية. وكان رحمه الله من المقدِّرين لإنجازات حركة الخدمة والمتعاطفين مع انفتاحها على العالم في أبعادها الإنسانية. ورغم أنه كان من بيئة ثقافية مغايرة، ونشأ في وسط مختلف، لكنه كان إنسانا متواضعا ونزيها. لذلك ما فتئ هذا العبد الفقير يذكره بخير سواء في حياته أو بعد وفاته. نعم دعمه الشعب التركي لما لمسه لديه من إخلاص في تعهداته الديمقراطية. وهؤلاء أيضا (حزب العدالة والتنمية) في بداية أمرهم تقدموا إلى الشعب بوعود، نادوا بتعزيز الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والاندماج مع العالم والتناغم والتعايش مع الجميع.

“نحن نحكم بالظاهر”، هذه قاعدة من قواعد مجلة الأحكام العدلية. فَحَكَمْنا عليهم بالظاهر، أحسنَّا بهم الظن، صدّقنا وعودهم. وأقبل محبونا يصوتون لهم. لكن هذا لم يكن يعني في وقت من الأوقات أننا كنا في تحالف معهم، أو نصطف إلى جانبهم، أو نشاطرهم في رؤاهم السياسية كلها. لقد عبّرنا عن حقنا في التصويت لمن رأيناه مناسبا، فالتصويت والاختيار حق وواجب ينبغي على كل مواطن أن يقوم به.

قلنا وقال الناس معنا: “يبدو أن الحماسة التي تظهر عليهم وهم يقطعون العهود الانتخابية على أنفسهم تشي بأنهم سيقومون بتنفيذها”، لذلك كان الدعم قويا. لكنهم خيّبوا آمالنا إذ تخلّوا عن وعودهم تلك، وانحرفوا مع الوقت إلى نوع من الديكتاتورية. اتهمونا بأشياء لا صلة لنا بها ولا نرتضيها. استغلوا الجهاز القضائي وجهاز الشرطة وقتذاك لزج بعض الجنرالات في السجون، هؤلاء الجنرالات سبق وأن أصدروا مذكرة إنذار للحكومة، ولكن الغريب أنهم فيما بعد أطلقوا سراحهم وعقدوا تحالفا معهم، ثم بدأوا بطرد وتشريد واعتقال كل من شارك من رجالات الأمن والقضاء في عملية القبض على هؤلاء الجنرالات، وهم الذين كانوا عينوهم بأنفسهم بل كانوا يساندوهم سياسيا.

ثم جاءت فضائح الفساد في ١٧ و٢٥ ديسمبر، فانهارت ثقتنا بهم، بتنا لا نصدقهم إزاء ما رأيناه من فساد مالي وإداري. لم نعاد أحدا ولم نكن ضد أحد، بل كنا ضد الممارسات الخاطئة والأوصاف الخاطئة التي تلبّسوا بها. كنا ضد الظلم، ضد انتهاك حقوق الأبرياء. هذا فيما يتعلق بقضية “كنا ضدهم”. لم نتورط في إثم الغيبة، لم نفتر عليهم أو نكذب عليهم. كانت هناك وسائل إعلام تنصحهم وتدعوهم إلى سبيل الرشاد، انزعجوا منها، وأسكتوها، بل أسكتوا جميع وسائل الإعلام التي تعارضهم في أدنى شيء. أسكتوا جريدة مليونية كجريدة زمان. وأوقفوا بث قنوات سامانيولو ذات الانتشار الواسع. صادروا ممتلكات السيد أكين إيبك الإعلامية والتجارية. هم من اعتدى، وهم من قادوا حملات الاعتداء هذه، وهم من يديرونها حتى اليوم وبشراسة منقطة النظير. ستتضح الحقيقة يوما ما، وستستيقظ الجماهير السادرة في غفلة عميقة بتأثير من هذه البروباغندا التخديرية، وستراجع مواقفها من جديد، وتتصدى لتلك المظالم هاتفة “كفى”.

س: ما زال لدي سؤالان: الأول هو أن أردوغان يتهمكم بأنكم العقل المدبر لمحاولة الانقلاب تلك، بل طَلب من الولايات المتحدة تسليمكم إلى تركيا للمحاكمة، سؤالي هو: هل تظنون أن الولايات المتحدة سوف تفكر في هذا الأمر؟ وما هو دليل أردوغان لإدانتكم؟ وهل تشعرون بالقلق أنكم ستُضطرون إلى مغادرة أمريكا يومًا ما؟

ج: ربما أحتاج إلى أن أنقب في أعماق قلبي بدقة حتى أحسم ما إذا كنت قلقا من ذلك أم لا. ولكن أقول لك بصدق: إنني ألِفت خيبة الأمل من قبل المسؤولين على الدوام، سواء اليوم أو سابقا، ولا سيما في مثل هذه الظروف الصعبة التي كنت أتعرض فيها لأصناف شتى من الضغوط والملاحقات والمضايقات. شخصيا تعودت على هذا الوضع، وتكيفت مع هذه الحالة، لذلك لا أكترث بما سيحصل لي. أنا اليوم هنا أقضي البقية الباقية من أيامي، لا يهمني حتى لو قادوني إلى حبل المشنقة، فأنا إنسان يؤمن بالدار الآخرة، لذلك قلبي عامر بالاطمئنان والحمد لله. أما الذين لا يبالون بيوم الحساب، فعليهم هم أن يشعروا بالقلق مما سيلاقونه هناك.

شخصيا أستبعد أن تسارع أمريكا إلى تلبية مطالب هؤلاء. الدولة هنا دولة قانون. قبل ١٥ سنة سبق أن أدليت بإفادتي لدى نائب عام نيو جيرسي بناء على طلب النائب العام التركي آنذاك. الرجل عاملني معاملة إنسانية راقية، فبان لي أن منظومة القضاء هنا تراعي حقوق الإنسان كما ينبغي. لقد بعثوا بملفات في حقي لا ترابط بينها، وواصلوا الضغط عن طريق أعضاء برلمانيين أرسلوهم إلى هنا مرارا، وقاموا بالتنسيق مع أطراف أجنبية مشبوهة لإدانتنا. جربوا كل الوسائل، لكن باءت كلها بالفشل حتى اليوم. الحكومة الأمريكية كانت تحيل الملفات إلى القضاء في كل مرة، وتصرح بأن القضاء سينظر في تلك الملفات ليدرسها ثم يقرر. ومؤخرا طالبت القيادة التركية من القيادة الأمريكية أن يتم اعتقالي لمدة شهرين، لكن القضاء هنا رفض، وقالوا لهم القضايا هنا لا تسيّر بالمنطق الذي تقترحونه. ينبغي أن ندرس الملفات أولا، ثم إن جُلَّ الملفات باللغة التركية، ولا نفهمها، أضف إلى أن هناك ما لا يمكننا فهمه في إطار المنطق الحقوقي، الملفات معقدة جدا.

لذلك اقترح الأمريكيون تشكيل لجنة تحقيق مشتركة تتحرى الموضوع وتدرسه ثم تقرر الحسم فيه، لا أدرى ما الغرض من هذا المقترح الأمريكي؟ هل هو فرصة لكسب الوقت والمماطلة لأهداف أخرى؟ أم أن الإجراءات القضائية تستدعي ذلك، لا يمكنني الحسم في هذا الموضوع. مع ذلك أومن بأن المنظومة القضائية تشتغل هنا في الولايات المتحدة بجدية صارمة، وأعتقد أنهم سيتعاملون مع الملف وفق المعايير القانونية، ولن يلجؤوا إلى تصرفات ترضي أهواء هؤلاء. أما فيما يتعلق بهذا العبد الضعيف فأؤكد لكم أنني لا أحمل أدنى قلق حول مصيري. فقد تعرضت مرارا عند كل انقلاب عسكري لنفس الأذى وللمضايقات ذاتها، والآن أتعرض للمعاملة السيئة نفسها عبر انقلاب قام به مدنيون. لا يختلف الأمر بالنسبة لي، لذلك لست مكترثا بالنتيجة أيا كانت. بل لو حدث وقررت الولايات المتحدة تسليمي بالفعل، فإن ذلك سيكون شرفا لي ووساما أعتز به، ولعلي ألقى بهذا الشرف الحبيب المصطفى (ص)، وحينها قد أكون سببا في خسرانهم. لا أرضى لهم ذلك ولا أرغب فيه، أسأل الله تعالى أن ينجيهم من الخسران المبين يوم الحساب.

لا أعتقد أنهم يملكون أي دليل ملموس ضدي، ولكنهم يثيرون ضجيجا هنا وهناك هاتفين “عندنا أدلة قوية” لمجرد التشويش على الأذهان فقط. لو كان لديهم أدنى دليل لأطلعوا العالم عليه خمسين مرة، وما ترددوا في ذلك مطلقا. نعم، هل قلت كلمة لأحد حول الانقلاب؟ أو هاتفت أحدا أو أصدرت تعليمات لأحد؟ لو حدث هاتوا أدلتكم. قد تستغربون إذا ما قلت لكم إنني لا أجيد استخدام الهاتف الجوال هذا، وإخواني يشهدون على ذلك. في شبابي عندما عملت إداريا كنت أجيد استخدام الهواتف الأرضية، لكن هذه الإلكترونيات الجديدة لا أعرف استخدامها، عندما تأتيني مكالمة يناولونني الجوال فأتكلم، والإخوة هنا يشهدون على ذلك. وإذا أردت أن أكلم أحدا لأعزيه في قريب فقده أو لأهنئه على مناسبة سارة فالإخوة يتصلون بالهاتف ويأتون به لكي أتكلم.

ومن ثم إن كان لديهم مكالمة هاتفية تحتوي على كلمة أو كلمتين حول الانقلاب، أو تعليمات لأحد عن القيام بانقلاب، فليأتوا بها وأنا سأقبل كل شيء. فهل بإمكانهم أن يقدموا شيئا سوى اللغط والضجيج؟ بالتأكيد لا، لأنه لم يحصل هذا قط، فكيف يقدمون المعدوم أصلا؟

لا يوجد دليل أصلا، لأنهم هم أنفسهم من دبروا سيناريو الانقلاب، لكنه كان سيناريو مضحكا للغاية، والعالم كله يعلم ذلك، ويعلم أن الانقلابات لا تتم على هذا النحو. أيّ انقلاب هذا الذي يتم من خلال الاشتغال بالعبث، والتلهي بتوافه الأمور، وقتل الأبرياء، والتغاضي عن المجرمين الحقيقيين إلخ؟ أعتقد أن البشرية لم تشهد مهزلة مثل هذه عبر تاريخها. من الواضح أنهم كانوا في حاجة إلى ذريعة يتكئون عليها لتنفيذ إجراءات تعسفية لا يمكنهم تنفيذها في أجواء ديمقراطية يسودها القانون والعدالة.

س: في النهاية أريد أن أسألكم عن الاتجاه المستقبلي لحركة الخدمة، كنتم تقولون منذ البداية إنها ليست حركة سياسية، إنها ليست إسلاما سياسيا ولكن في مثل هذه الظروف الراهنة التي تمر بها الخدمة من ضغوط سياسية، هل فكرتم مرة أخرى في توجه الخدمة من الناحية السياسية؟ ربما بأن يكون لها مشاركة سياسية أكثر قليلا من السابق أو ربما حزب سياسي في المستقبل. هل تعتقدون أنه لديكم إعادة تفكير في هذا الأمر؟

ج: مبدئيا لا نفكر في أن نغير من منهجنا ورؤانا. نحن آمنا بأن ما نفعله هو خدمة في صالح الإنسانية. ونؤمن أن ما نقوم به بالغ الأهمية سواء من أجل آخرتنا أو من أجل سعادة واستقرار العالم في المستقبل، من خلال العمل على التقاء الناس ببعضهم، والعيش معا في تناغم ووئام. وقد رأينا ذلك التناغم في أولمبياد الثقافة واللغات التي كانت تنظمها مدارس الخدمة، فالأجيال الصاعدة من قاع المجتمع الإنساني تسير في اتجاه تحقيق أخوة كهذه.

فبعد اطلاعنا على مثل هذه النتائج الناجحة لا ينبغي الارتياب فيها والتراجع عنها أو مساءلة جدواها. ولكن قد يصاب البعض بلوثة الحسد كما حصل ذلك في تركيا، فيدفعه ذلك للتصدي لهذه الخدمات، ومحاولة القضاء عليها؛ لذلك ربما يُستحسن مراجعة الاستراتيجية مرة أخرى، ولكن مع المثابرة على النهج نفسه. بمعنى، هل هناك ما يمكن فعله حتى لا نثير الحسد والغيرة إزاء هذه الخدمة الإنسانية لدى البعض؟ هل من سبيل يجنّبنا تحريك مثل هذه المشاعر القاتلة لدى هؤلاء؟ يمكن التفكير في مثل هذه القضايا، وتضمين نتائجها وخلاصاتها في إستراتيجيات العمل، مع مواصلة السير قدما وعدم التراجع، بل برأيي ينبغي تسريع وتيرة العمل على هذا الدرب الإنساني النبيل. هذا أولا، ثانيا نحن أناس نؤمن بالله تعالى. لقد منّ الله علينا بإمكانات عظيمة وفتح لنا أبوابا واسعة، ربما نحن فشلنا في استثمارها مئة بالمئة، لذلك أراد الله أن ينبهنا بلطمة رحمة منه سبحانه، بمثابة شدّ أذن أو صفعة خفيفة على العنق، بمعنى “احذروا وأجيدوا، وزّعوا جميع النعم التي منّ الله بها عليكم على الإنسانية، ولا تبقوا شيئا منها في أيدكم، عانقوا الناس بمحبة غامرة كيونس أمره. لا ترفعوا يدا في وجه من ضربكم، أمسكوا لسانكم إزاء من شتمكم، ولا تحنقوا على أحد مهما أساء إليكم. افعلوا كما فعل المسيح عليه السلام. ليس البر أن تحسن إلى من أحسن إليك، إنما البر أن تحسن إلى من أساء إليك. كونوا كذلك”.

ما تَعرّضنا له من مظالم قد تكون لطمات تنبيه من الحق تعالى إزاء مثل هذه الهفوات، لذلك بالتأكيد نحن سنراجع أنفسنا، سنراجع أفكارنا وتصرفاتنا مرة أخرى، ونحاول بإذن الله أن نعلي من أدائنا ونستكمل ما تركناه ناقصا. أما التراجع عن الرؤية الأصل فلا نعرف بديلا سواها. فهذا هو سبيلنا نسير عليه ولا نلتفت إلى شيء آخر، بل نقول كما قال الشاعر في مناجاته للحق تعالى: “جفاء جاء من جلالك أو وفاء من جمالك، كلاهما صفاء للروح” ثم نواصل السير في طريقنا.

المهم أن تؤمن بسلامة الطريق. فإذا غيرت طريقك لأنك تتعرض لبعض الضغوط أو المضايقات من هنا أو هناك، فهذا يعني ذبقناعتي المتواضعة- أنك في شك من صحة الطريق الذي تسير فيه. إذا لم يكن عندكم شك من طريقكم فينبغي أن تثبتوا عليه. انظروا إلى الأنبياء العظام، سيدنا موسى وعيسى والحبيب المصطفى (ص)، بل حتى رموز الديانات الأخرى مثل بوذا وبراهمان، تجدون أيضا أنهم تعرضوا لألوان شتى من الإساءة والإيذاء، قد يعتزلون الناس حينا من الوقت، لكنهم لا يحيدون عن منهجهم جراء تلك الممارسات والمضايقات.

نردد مع الشاعر الوطني محمد عاكف قوله: “بالله استعن، وبالسعي الجاد التزم. احرص على الحكمة، فهذا هو الدرب، ولا درب آخر للخلاص” ونواصل السير على طريق المحبة، طريق الاحتضان، طريق المعانقة، طريق فتح القلوب للجميع، هذه أفكارنا التي لن نتخلى عنها أبدا مهما كان. إن جاءكم أحد، وطرق باب قلبكم فلا ينبغي أن يساوره قلق من ألا يجد مكانا فيه، ينبغي أن تخصصوا مكانا في قلوبكم لكل أحد. هذه هي فلسفتنا، ولا تراجع عنها البتّة.

 

* تم نشر هذا الحوار بتاريخ ١٧ أغسطس ٢٠١٦.