إن الداعي إلى الله رجل من أهل الوفاء والصدق، له همٌّ وحيد بدرجة العشق، هو أن يجد اللهَ كلُّ أحدٍ، ويتوجهَ إليه، ويتخلصَ بالعبودية لله وحده من شتى العبوديات… إنه يطوفُ في الدروب والأسواق، لا يهدأ ولا يسكن… صوتُه ونَفَسه ترجمانٌ لقلبه، فينادي -نداءً لا ينقطع- بأسلوب مفتوح لقبولِ كلِّ وجدان لم يفسد، فيئن وينادي: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾(الأعراف:59) هذا التوجع هو شيء من نواح النبي نوحٍ (عليه السلام) : ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾(الأعراف:65) وهذا شيء من صراخ النبي هود (عليه السلام): ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾(الشعراء: 107-109) وهذه التعبيرات الصادقة الخالصة هو البيان المشترك لدعوة أولئك الأنبياء أجمعين… يقول ذلك ويُسمِع خفقاتِ قلبِه أبدًا، أو يُهرَع لعون الذين يهتفون بتلك النغمات فينادي: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لاَ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾(يس: 20-25) فيأمر اللهُ تعالى أن يدخل الجنة (وفُسّر بأنه قتل فدخل الجنة شهيدًا) ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾(يس:20-27) فبهذه الهمهمة والتمتمة يُعلِن عن موقفه تجاه الله وتجاه قومه، (وتَرْوِي كُتُبُ المناقب أن هذه الصرخات القلبية الموازية لأنفاس ملائكة السماء هي للبطل الشجاع حبيب النجار).

 إن الداعي إلى الله رجل من أهل الوفاء والصدق، له همٌّ وحيد بدرجة العشق، هو أن يجد اللهَ كلُّ أحدٍ، ويتوجهَ إليه، ويتخلصَ بالعبودية لله وحده من شتى العبوديات.

مؤمن آل فرعون

وهناك رجل مؤمنٌ من آلِ فرعون مجهولُ الاسم. وهذا البطل الهزبرُ الذي يخفق فؤادي كلما سمعتُ صوته الهادر، يبدأ كلامه بقوله: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ﴾(غافر:28) ويعني بـ﴿رَجُلاً﴾ موسى (عليه السلام)  فيدلي بنصائحَ وبياناتٍ بليغة ومؤثرة في الأحاسيس والأفكار الإنسانية كنفخ الصُورِ، فتملأ الصدورَ خشيةً وتُرعِش وتُرعِد أرواحًا، وتَشرح وتريح أرواحًا، ثم يصرخ -في جُرأةٍ- بما ينبغي أن يقال، ويختمُ كلامه بقوله: ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلاَ فِي الآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(غافر:43-44).

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن، ونحن نبني حضارتنا، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، طـ2، ٢٠١2، ص: 114

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر .