لكي ينفذ أبناؤك تعليماتك

لا شكّ أن كلّ أبوين مؤمنَين يبتغيان تربية أولادهما تربيةً صحيحةً ليكونوا جزءًا من المنظومة السليمة في ذلك المجتمع المثالي الذي نحاول أن نرسم حدوده ونضعه في إطار يتوافق مع ما جاء في القرآن الكريم، غير أن مشاعر هذين الأبوين إن لم تنعكس على حياتهما العملية، ولم تتعمّق بالعبادات كالصلاة والصوم والحجّ والزكاة…إلــخ، والأحرى إن لم تتأكّد الأقوال الحسنة التي تردّدها ألسنتهما بالأفعال الحسنة، أو إن لم تكن أفعالهما أصدق من أقوالهما؛ فلا تأثير حينذاك لكلامهما في أولادهما، بل قد يؤدّي هذا الأمر إلى ظهور ردّ فعلٍ معاكس، ولذا يجب على كلّ الآباء والأمهات الذين يطمحون إلى بسط سيطرتهم على أولادهم أن يُفعّلوا ويُطبّقوا بأنفسهم بدايةً ما يريدون قوله، ويتحرّوا الدقة البالغة في هذا الأمر، وبعد ذلك يطلبون من أولادهم تنفيذَ ما يقولون.

على كلّ الآباء والأمهات أن يُفعّلوا ويُطبّقوا بأنفسهم بدايةً ما يريدون قوله، قبل أن يطلبوا من أولادهم تنفيذَ ما يقولون.

قصة الإمام والصبي

ولعلّ الحادثة المنسوبة للإمام الأعظم رضي الله عنه تفيدنا في تسليط الضوء على هذا الموضوع:

أُتي الإمامُ رضي الله عنه بصبيٍّ يضره العسل إلا أنه يعاند ويصرّ على أكله رغم نصح أبويه الدائم بعدم تناوله، فقال والدُه: يا إمام، إن هذا يأكل العسل، ورغم نصحنا له بعدم تناوله فإنه لا يزال يُصرّ على أكله، فقال الإمام رضي الله عنه: ائتياني به بعد أربعين يومًا، ولما انقضت المدّة جاءا به مرّةً أخرى إلى الإمام الذي أقعدَ الصبيَّ أمامه وأوصاه بالإعراض عن تناول العسل، فلما نهض الصبيُّ لثمَ يد أبيه، وقال: أبتاه، لن آكل العسل مرّة أخرى، فاندهش الحاضرون وقالوا: لِمَ لَمْ تنصحه عندما جيء به أوّل مرّة، وأنظرْتَهم أربعين يومًا، فقال لهم الإمام: “حينها كنتُ آكل العسل، فلو أنني حاولت أن أثنيه عن فعل شيءٍ أفعله لما وجدَتْ نصيحتي صداها في نفسه، ثم إنني أردت أن أطرح عن جسمي أثر العسل خلال الأربعين يومًا، ثم أنصحه”.

لا بدّ أن نضبط سلوكيّاتنا حتى يعتبرنا أولادُنا في البيت كالملائكة لا مجرّدَ والدين له

حتى لا تهتز ثقة الأولاد بنا

أجل، لا بدّ من صدق القول والعمل معًا؛ لأنه إن وقع تضادٌّ بين أقوالنا وأفعالنا اهتزّت ثقة الأولاد بنا، فإن لاحظوا كذبنا أو مغايرة أقوالنا مع أفعالنا ولو مرّةً واحدةً فقدوا ثقتهم بنا طالما احتفظ أذهانُهم بهذه الذكرى، وقد تتسبب هذه الذكرى السيئة في شيءٍ من الاستياء منا في المستقبل إبان صدور ما يثير غضبهم منا، فلا تجد أقوالُكم صداها في أنفسهم ألبتة، من أجل ذلك لا بدّ أن نضبط سلوكيّاتنا حتى يعتبرنا أولادُنا في البيت كالملائكة لا مجرّدَ والدين له، يجب أن يروا فينا الجدّية والوقار والدقة، وأن يثقوا بنا ثقةً كاملة، فإن نجح الأبوان في نقل هذه المشاعر والأفكار وتمثيلها تمثيلًا صحيحًا فقد يُعدّان من أعظم المعلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: من البذرة إلى الثمرة، دار النيل للطباعة والنشر 2015 ص 71/73

ملحوظة: بعض العناوين وبعض العبارات من تصرف المحرر.

 

 

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.