لا تضاد بين القدر والإرادة الجزئية – موقع الأستاذ فتح الله كولن

لا تناقض -من حيث الأساس-بين القدر وإرادة الإنسان، بل هما متكاتفان. فلئن كان دخول الإنسان بحسَناته الجنةَ وبسيئاته جهنم قضية، فهي قضية تعني بلسان القدر تصديق رب العالمين لها، ومن جانب آخر تأييده لإرادة الإنسان. بمعنى أن في الإنسان قوة تدفعه إلى الخيرات والحسنات والدخول في الجنة، أو بالعكس؛ أي فيه قوة تسوقه إلى السيئات والشرور والآثام فتُدخله جهنم. فهذه القوة تشكّل الأساس في التقدير، وما هي إلاَّ الإرادة. ووجود هذه الإرادة لا ينافي التقدير الإلهي ولا يضاده.

وفي الحقيقة يمكننا أن نرى هذا في أفعالنا جميعًا. فمثلاً: إذا أردنا رفع أيدينا، فإننا نتمكن من ذلك إن لم يكن هناك عارض، ويمكننا كذلك أن نتكلم أيضاً عندما نريد ذلك، يعني أن قيامنا بأفعالنا يثبت وجود إرادة لدينا، فإن شئت أطلقت عليها الجزء الاختياري، أو المشيئة، أو الرغبة والطلب.. فالنتيجة لا تتغير بتغير الأسماء، إذ وجود الإرادة -التي لا نعرف ماهيتها-واضح وضوح الشمس.

إن الله سبحانه هو خالق كل شيء. ولما كان عليماً بالأُمور كلها، فإنه يوجّه تقديره إلى حيث تتوجه إرادة الإنسان.

أما إذا نظرنا إلى المسألة من حيث التقدير الإلهي، فنرى كأن الله سبحانه يقول للإنسان: “إنني أعلم أنك ستستعمل إرادتك في هذا الوقت في الفعل المعيّن، ولهذا أقدّر لك هذا الفعل بهذا الشكل”. وهذا يعني أنه تعالى لا يحجر على إرادة الإنسان.

نعم، إن الله سبحانه هو خالق كل شيء. ولما كان عليماً بالأُمور كلها، فإنه يوجّه تقديره إلى حيث تتوجه إرادة الإنسان. بمعنى أن القدر لا يحول بين الإنسان وإرادته، غير أنه يحيط بإرادة الإنسان، أي يعلمها وعلمه بها لا يعني تقديرها مسبقًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن، القدر في ضوء الكتاب والسنة، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ7، 2012م، صـ22/ 23.

 

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.