سـورة النور | موقع الأستاذ فتح الله كولن

﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(النُّور:35)
الله تعالى هو الذي أظهر الوجود للعيان، وأخرج الكون بوجهه الحالي إلى الوجود وجعله معرضا أمام الأبصار وكتابا يُقرأ، وهو الذي أعطى النور للأبصار والانشراح للقلوب. بدون نوره لا تبصر العيون، ولا تدرك البصائر، وتختلط الأوهام بالعلوم والفرضيات بالحقائق، وينقلب الوجود كله إلى فوضي لا معنى لها، فلا تحصل هناك فلسفة علوم في الأدمغة، ولا ضياء معرفة في الصدور.
لا يمكن التوصل من نقطة اللقاء بين الآفـاق والأنفس من العلم إلى الإيمان، ومن الإيمان إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الإحساس العميق بالعبودية إلا بالله تعالى نـور السماوات والأرض ونور من في السماوات والأرض، منور الأنوار.
بهذا النور يتحقق وجود الشمس أو الشموس في السماء، والألوان وصور الجمال على الأرض، وتنمو البصيرة والإدراك في القلوب، والمعرفة والمحبة والعشق والشوق، والتفكير والتحليل والمنطق في العقل وفي الدماغ. والذين يهتدون إلى الحقيقة عن طريق الاستدلال يهتدون بفضل هذا النور.
بفضل هذا النور يبصر الإنسان الألوان والتناسب بينها، والتناغم الموجود بين جميع الأشياء، ويدرك الشعر الموجود داخل هذا التناغم، ثم يحول هذا في قالب علم ومعرفة إلى القلب. وتقوم البصيرة بضم هذه العلوم الجزئية معا، أو تقوم بإعادة تحليل وتركيب هذه المعلومات الكلية ليحولها إلى معرفة. إن الانتساب إلى الحق، والنظر إلى كل شيء بنور الله ومعرفته، يحول حقيقة الإنسان -الذي كان قطرة من ماء مهين- إلى بحر، ويحول معرفة الإنسان من ذرة إلى شمس، ويحول قلب الإنسان -الذي هو شيء لا يذكر- إلى نبض للكون. وفي مقابل عدم استطاعة الإنسان أن يحيط بأمسه وغده ببصره، بل حتى بكل أبعاد حاضره ويومه، يستطيع ببصيرته أن يدرك نفسه وكل الأشياء المحسوسة جزءً وكلاً. يدرك الأشياء ويدرك حقيقتها ودلالاتها وحقيقتها ثم حقيقة الحقائق وهو ربه تعالى بالإيماءات والإشارات الصادرة من قبله… يدركها ويحسها حسب درجة اليقين عنده، ويدخل في علاقة عبودية مع ربه.
والسبيل إلى تفادي الالتباس في هذا الإدراك العقلي، أو هذه المعرفة التي يمكن أن نطلق عليها اسم البصيرة الوجدانية هي القيام في أثناء السياحة بين الأدلة والإشارات والمؤشرين -علاوة على إلقاء نظرات جانبية على الوجود وعلى الحوادث- بالتوجه نحو منور الأنوار ومصور الأنوار، لكي تستطيع العلوم أن تنقلب إلى معارف، ولكي لا تلتبس على الإنسان مشاعره. والسبيل إلى التوجه والنظر إلى نور الأنوار هو النظر إلى القرآن الكريم الذي هو شمس الشموس ﴿قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُم﴾ (النساء: 174) وإلى مشكاة النبوة لسيد الأنبياء والرسل التي هي قمر أدمغتنا وشمس وجداننا ونظير الشمس والقمر في السماء ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ (الفرقان: 61).
أجل!… إن لم نأخذ النور الإلهي بنظر الاعتبار تحول الكون وكل ما فيه إلى ظلام. أما إن أخذناه بنظر الاعتبار تنورت جميع الأشياء -المنظورة منها وغير المنظورة- وبدت بوجهها المشرق وبماهيتها الحقيقية.
والخلاصة أن كل شيء من نوره هو، ومن تجلي هذا النور تكون كل شيء نما وتطور… النور المطلق نوره وحده. وإسناد النور لغيره إما مجاز عند الخواص، أو جهل من العوام. فإن لم يدرك الجميع هذا فبسبب ظهوره الشديد في الوجدان دون كيف أو كم، وبسبب تجليه الباهر. أجل!… كما يمكن أن يكون الغيب بابا مهما للعلم والإحاطة، كذلك يمكن أن يؤدي التجلي الباهر والشديد إلى منفذ للخفاء.
إن الله نور السماوات والأرض. وجميع الأشياء ليست سوى التجليات المختلفة للأمواج المختلفة من ذلك النور، وألبسها لباس الوجود الخارجي.
وأود كذلك جلب أنظاركم إلى بعض نواحي هذه الآية. بعضهم لا يميز الفرق بين النور وبين الضوء. ثم يقول إن سرعة الضوء معلومة فما هي سرعة النور؟. وأود هنا التأكيد على وجوب عدم الخلط بين النور وبين الضياء. فالله تعالى لا يقول بأنه ضياء السماوات والأرض. إذن فلفهم النور علينا الاقتراب من منبعه ومصدره، ومصدر النور هو الله. والله تعالى منـزه عن الزمان والمكان. إذن يجب تقييم النور جزئيا من هذه الزاوية. يمكن أن يوجد النور والأشياء النورانية في اللحظة نفسها في مليون مكان، وأن ينتقل في لحظة سيالة من هنا إلى هناك. لذا استطاع رسولنا -الذي تحول جسده الطاهر إلى وضع استطاع فيه مرافقة روحه الذي تحول إلى حالة نورانية- إتمام معراجه في دقائق معدودة والقفول راجعا. بينما كانت هذه السفرة تحتاج في الظروف الاعتيادية إلى تريليون مضروب في تريليون من السنوات. بينما تخبرنا الروايات الصحيحة أن رسولنا صلىوسلمة ذهب ثم رجع وكان فراشه لا يزال دافئا. أي كأنه تم هنا تجاوز الزمن في هذه السياحة.
ويجب ألا يفهم من كلامنا هذا بأننا نقول بأن النور المذكور في هذه الآية مخلوق. ولكي لا أدع مجالا لهذا الفهم الخاطئ استعملت كلمة: “كأن”عن قصد. أجل!… إن الأنوار الأخرى مخلوقة وخالقها هو الله تعالى منور الأنوار.
ونستطيع في هذا الضوء ذكر الحديث النبوي: “أول ما خلق الله نوري”أي أن النواة الأولى التي قذفت إلى رحم الوجود كانت النور المحمدي.
والخلاصة يجب ألا نخلط بين النور وبين الضوء. يجوز أن منبع الضوء هو النور، وأن الضوء هو تجلي النور في الدنيا، والنور يملك تجليات كثيرة من الثرى إلى الثريا.
اللهم يا منور النور، يا مصور النور، يا مقدر النور! نوّر قلوبنا وحواسنا بنور معرفتك، وأيدنا بروح من عندك. وصل اللهم على سيدنا محمد الذي جعلته قمراً منيراً وعلى آله وأصحابه الذين اقتدَوا به شبراً بشبر.

مقدمة الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts