سـورة الضحى – موقع الأستاذ فتح الله كولن

﴿وَ َللآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ اْلأُولَى﴾(الضُّحَى:4)
سورة الضحى سورة مكية نـزلت في أكثر أيام الرسول صلىوسلمْ ضيقاً. فقد جاءت أم جميل -زوجة أبي لهب- إلى الرسول صلىوسلم في أثناء انقطاع الوحي وقالت له: “ما أرى صاحبك إلا أبطأك”.في مثل هذه الأجواء نـزلت سورة الضحى التي قامت بالتسرية عن رسول الله صلىوسلمح وتطييب خاطره قائلة له: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
عندما نقيّم هذه الآية في ضوء تلك الظروف التي كانت تحيط بالرسول صلىوسلمج علمنا أن معنى هذه الآية تعني أن غدك سيكون أفضل من يومك الحالي، ومستقبلك أفضل من وقتك الحالي.. والتاريخ يشهد بأن هذا هو ما حصل فعلاً. ففي كل يوم كان نجمه يرتفع، ودعوته تتوسع. وكان كل يوم أفضل من سابقه وأكثر بريقا وألواناً. كانت الآيات والسور بعد هذا اليوم تقوم على الدوام بتقديم البشائر له؛ مثلاً ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكْ﴾ (الشرح: 1) و ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً * فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾ (العاديات: 1-2). كانت أمثال هذه السور مصدر أمل كبير لرسولنا صلىوسلمَ . وكيف لا تكون ونحن حتى في هذه الأيام عندما نقرأ ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ تظهر أمام أعيننا صورة الخيول اللاهثة التي تثير الغبار وتنقدح الشرارات من تحت أقدامها، أو صورة الدبابات والطائرات الحديثة وكأن الروح المحمدي قد انتصب أمام أعيننا.
في سورة الضحى نلمس صورة القلق والضيق الفردي والشخصي، وكذلك صورة المستقبل، والانتصار والغلبة الروحية الآتية في المستقبل على مستوى المجتمع. كما تسري في هذه السورة موسيقى حزينة. أما في سورة “العاديات”ففيها موسيقى كموسيقى طبول الحرب. أي أن الحروف والكلمات في القرآن الكريم مختارة حسب مضامينها ومواضيعها بشكل دقيق يحير أولي الألباب من الباحثين والمدققين في هذا الأمر.
كما أن أسلوب سورة الضحى يعرض خاصية نفسية أيضا فعند القيام بالتسرية عن رسول الله صلىوسلمق نرى البدء بالقسم بالضحى ثم بالليل. أي عندما تقول ﴿وَالضُّحَى﴾ تشعر وكأن أشعة شمس الضحى تنير وجهك وعينيك وتغرقك في الفرح والحبور. فإن كنا نحس بهذه المشاعر عند التلفظ بكلمة ﴿وَالضُّحَى﴾ بعد مرور أربعة عشر قرنا، وبعد كل هذه الألفة مع القرآن الكريم، فما بالك بالمشاعر التي ملأت صدر سيد الأنبياء صلىوسلمم وهو يقرأ هذه الآية لأول مرة!… نفسي له فداء.
كما أن “وللآخرة”تعني الغد بالنسبة لليوم، والحال القادمة بالنسبة للحال الحاضرة، وبشارة بالرحمة الشاملة واللطف الواسع القادم بالنسبة للضيق الحالي واللطف النسبي الحالي. فهذه الآية تذكُرُ له وتعده بأن أيام نبوته الأولى في مكة التي اتسمت بالضيق ستفرج نوعاً ما في المدينة وسيتسع محيطها، وأن المشاكل والصعاب الظاهرية والشكلية ستنقلب إلى نعمة… وهكذا تتم بشارته هو أولاً باعتباره الرسول الفذ والفريد في مستوى الكون والزمان، ثم بشارة أصحابه والمنتسبين إلى دعوته ثانياً.
أجل!… فالبشارة له ولأصحابه وللمنتسبين الأوفياء لدعوته. وعند ذكر ﴿وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الأوُلَى﴾ (الضحى:4) فهي بشارة لأمته كذلك بأنها ستنقلب إلى حال أفضل، ومن الخير النسبي إلى الخير الحقيقي، ومن الإيمان إلى العمل، ومن العمل إلى الإحسان، ومن الضيق إلى الفرج، وأخيرا البشارة بأن الآخرة الحقيقية المتمثلة بالجنة والمنتهية برؤية الله تعالى ستكون أفضل من كل ما عداها.
اللهم إنا نسألك الرضا بعد القضا، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك، وشوقاً إلى لقائك يا أرحم الراحمين. وصلى الله على سيدنا محمد وآله أجمعين.

﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾(الضُّحَى:5)
من الممكن فهم كلمة ﴿فَتَرْضَى﴾ في الآية الكريمة على أنها إشارة إلى مقام الرضا على الصورة الآتية: إن الرسول صلىوسلم جاء إلى الدنيا في البداية كمظهر لمقام الرضا في صورة وماهية النواة. أجل كان هذا المظهر في البداية بمثابة نواة وبمثابة بذرة. فكما تنمو البذرة بعدما تزرعها في التربة فتكون نبتة صغيرة ثم تنمو وتكبر حتى تغطي السماء، كذلك وصل الرسول صلىوسلمر بالإرادة والجهد والعزم الذي أعطاه له ربه مقام الرضا الذي كان في حالة القوة والكمون إلى مقام رضا بالفعل بكفاءة لا يتصورها العقل. إذن فإن أخذنا الرضا المطلق في ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (الضحى: 5) بعين الاعتبار يمكن القول بأنه سيصل حتما إلى مقام الرضا. والسبب في قولنا بأنه سيصل هو وجود كلمة “ولسوف”.
والحقيقة إن مثل هذه العاقبة الجميلة واردة بحق كل من عاش حياته ضمن إطار أوامر ربه ونواهيه. المهم هنا ألا يقوم الشخص باستعمال القابليات الممنوحة له استعمالاً سيئاً وفي اتجاهات خاطئة.
كما أن اللام الموجودة في “وللآخرة”وكذلك في “ولسوف”هما لام الابتداء ولكن يحتمل أن يكونا لامي القسم أيضاً. فبعد القسم في الجملة الأولى على أن الآخرة ستكون خيرا له من الأولى، تأتي الجملة الثانية وتؤكد أن الله تعالى سيعطيه حتى يرضى. أي أنك نتيجة تقلب أيامك بين اللذة والألم، والحلو والمر، والمساعدات والمضايقات ستنضج وتبلغ أوج مراتب الكمال بحيث ستجد نفسك بين شلالات السعادة المادية والروحية والفكرية. هناك مدة قصيرة وفترة طبيعية وفطرية في هذه الأيام الحالية متعلقة بـ”سوف”. ولما كانت سنوات “الأولى”لا تقاس حتى بثواني “الآخرة”، إذن فاصبر قليلا فسترى نسائم الرضا الإلهي وهي تهب عليك وتحيط بك.
آنذاك لا يبقى هناك هم ولا حزن ولا كدر لا للمقتدي ولا للمقتدى به، ولا أي ضر أو قلق. سيجد المقتدى به -باسمه وباسم أمته- كل ألوان وأنواع الرضا والسعادة، ويعيش كل مظاهر “النفس الراضية”. أما جواب صاحب الأزل والأبد فهو إيصالهم إلى ذرى مراتب “النفس المرضية”. حيث تنقلب هنا القطرة إلى بحر والفناء إلى بقاء وخلود، طبعا مع المحافظة على وضع النسب بين الأصل وبين الظل. حيث تتجلى هنا حقيقة ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ (الإسراء: 79).
اللهم اجعلنا من عبادك الحمّادين واحشرنا تحت لواء محمد صلىوسلمق .

مقدمة الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts