إن أصبحت جهود شخصٍ ما وسيلةً لهداية الناس أكثر من شخص آخر، فتمخّض عن هذا أنْ حَسدَ الأخيرُ الأوَّلَ أو غبطه؛ فعليه أن يدرك بأنه في امتحانٍ كبير. مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشُّورَى: 42/52)، فإنه يقول في آيةٍ أخرى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القَصَصِ: 28/56). إذًا فالله تعالى هو الذي يهدي مَن يشاء، إن المرشدَ يدلُّ على السبيل القويم ويجعل منه جادّةً كبيرةً عند اللزوم، ويضيء هذا السبيلَ بمصابيحَ قويّةٍ وكشّافات ضوئيّة كبيرة لكي يُقبِل الناس على هذا الطريق القويم ويبلّغوا الحقّ ولا ينحرفوا عنه، ولكن -في النهاية- الله هو الذي يهب الإيمان للقلوب، وهو “المعنى الحاصل بالمصدر”من الهداية، أما “المعنى المصدري”فهو ما وُكّل لإرادتنا، ولا يوجد له “وجود خارجيٌّ”، أي لا يمكن أن نقول إنه “موجود” فيما يتعلق بالقدرة والإرادة، بل له “وجود علميٌّ نسبيٌّ”.

  خصَّ الله بعض رسله بفضائل معينة ورفعهم إلى درجات لا يبلغها ملائكةٌ وأنبياء آخرون، إلّا أن فضيلة النبوة في معناها العام فضيلة لا تدانيها أيّ فضيلة أخرى.

اصطفاء.. مع التفضيل:

صحيح أن الله تعالى اصطفى جميع رسله، ولكنه أيضًا فضّلَ بعض هؤلاء الرسل على بعضهم ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (البَقَرَةِ: 2/253)، فهذه الآية تثبت ما ذكرناه، فالله تعالى خصَّ بعض رسله بفضائل معينة ورفعهم إلى درجات لا يبلغها ملائكةٌ وأنبياء آخرون، إلّا أن فضيلة النبوة في معناها العام فضيلة لا تدانيها أيّ فضيلة أخرى، وعدم وجود بعض الفضائل الخاصة عند بعض الأنبياء دون الآخرين لا تجرح نبوَّتهم أبدًا.

من الممكن الإتيان بأمثلةٍ أخرى كثيرة حول سؤال لماذا؟ الذي يحمل معنى الشكوى والحسد: لماذا لا أستطيع أنا تقديم خدمة أكثر للدعوة؟ لماذا لا أستطيع القيام بإعطاء مَعُونَاتٍ مادّيّةٍ أكثر؟ لماذا لا يُصغي إليّ خلق أكثر؟… وغير ذلك آلاف من الأسئلة من هذا القبيل، والحقيقة أن مثل هذه الأسئلة ليست إلّا ضربات موجهة إلى صدرِ وحدةِ الصفّ، والله تعالى يدعو المؤمنين منذ البداية إلى الابتعاد عن جميع الطرق المؤدية إلى النـزاع، والآية الكريمة ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأَنْفَالِ: 8/46) تتناول هذا الموضوع بالتفصيلِ.

لا تدخلوا في نزاعٍ مادّي أو معنويّ، بل اتحدوا حول النقاط المشتركة “خيط الوصال”، ولا تقعوا في نزاعٍ حتى لو كان حول أمرٍ إيجابي، ولا تدَعوا الحسد ولا التنافس ولا الغبطة أن تقودكم إلى النـزاع، وإلّا فشلتم وذهبت قوتكم.

إنّ هذه الآيةُ تخاطِب المؤمنين فتوصيهم قائلةً: لا تدخلوا في أي نزاعٍ مادّي أو معنويّ، بل حاولوا الاتحاد حول النقاط المشتركة التي تسمّونها فيما بينكم “خيط الوصال”، ولا تقعوا في نزاعٍ حتى لو كان حول أمرٍ إيجابي، ولا تدَعوا الحسد ولا التنافس ولا الغبطة أن تقودكم إلى النـزاع، وإلّا فشلتم وذهبت قوتكم، إنّ ثمرة العمل الفردي تبقى في مستوى الفرد، أما الأعمال المنفذة في ظلّ وحدة الجماعة فتُكافأ برحمة الله تعالى العامة، وهكذا يكتسب كلُّ فرد ثوابَ جماعةٍ كاملة.

—————–

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 211-213.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts