حقيقة “الأثير”

السؤال: هل هناك أثير؟ إن كان موجوداً فما ماهيته؟

الجواب: وجود الأثير ليس قطعياً، ولكن قيام بعض من نحترم من العلماء بذكره وتناوله -وإن كان في معرض ضرب الأمثلة- يجعلنا نقترب منه بتوجس.

كان “كريستيان هويكنـز” أوّل من قام -بتردد وقبل عدة عصور- بتقديم فكرة الأثير كمادة تنفذ في كل شيء وتملك ماهية رقيقة جداً. ولكن ما أن قام “مكسويل” بتأييد هذه الفكرة حتى أهملت فكرة الفراغ المطلق. كان مكسويل يقول: بعد أن تم إثبات الظاهرة الكهرومغناطيسية تولدت الحاجة إلى وجود وسط كالأثير. أي إن كل شيء بدءً من العالم الكبير (الكون) وانتهاء إلى العالم الصغير (الذرة) يتحرك ضمن الأثير. وكان مكسويل يقول أيضا إن النتيجة الأولى لهذا الاكتشاف هو أن الموجات الضوئية ليست إلاّ موجات كهرومغناطيسية. أي أن ظاهرة الضوء ليست إلا ظاهرة كهرومغناطيسية. وكان هذا الاكتشاف يعد في الحقيقة خطوة أولى نحو توحيد الظواهر الطبيعية.

وفي الحقيقة فإن “فراداي” كان قد صرح قبل “مكسويل” بأن الشحنات الكهرومغناطيسية لا تستطيع الحركة والانتقال في الفراغ، وأنها تحتاج في ذلك إلى وسط تنتقل خلاله. ومن خلال القوانين التي اكتشفها ذكر أن هذه الشحنات هي مَوجات عرضية وأنها تملك نفس خواص الضوء من ناحية الانعكاس والتكسر والتكسر المزدوج. بينما ادعى “ماكسويل” أن الضوء عبارة عن موجات كهرومغناطيسية قصيرة نوعاً ما. ثم جاء “هرتز” فأجرى تجارب عديدة أيدت نظرية ماكسويل، إذ لاحظ بأنه عندما يقوم بإحداث تيار كهربائي في أي زاوية من زوايا الغرفة تحدت شرارات كهربائية في الدورة الكهربائية الموجودة في الزاوية الأخرى من الغرفة دون وجود أي ارتباط بينهما. وقال إن سرعة هذه الموجات تساوي سرعة الضوء، لذا تم إطلاق اسم “هرتز” على هذه الموجات. وهكذا تم اكتشاف أساس الراديو واللاسلكي والهاتف الذي نعرفه ونستخدمه.

بعد أن سادت الفكرة الأثيرية مدة طويلة أراد “مورلي” و”ميكلسون” التأكد من وجود الأثير تجريبيًّا وفكرا بما يأتي: إن قمنا بإرسال شعاعين، الأول باتجاه حركة الأرض، والثاني باتجاه عموديّ وقمنا بواسطة مرايا بعكس هذين الشعاعين مرة أخرى إلى عين المشاهد أو المراقب للتجربة، فإن من المفروض أن يتأخر الشعاع المتوجه باتجاه حركة الأرض عن الشعاع المرسل باتجاه عموديّ لحركة الأرض، لأنه سيصادف مقاومة من التيار الأثيري المتكون باتجاه معاكس لحركة الأرض. ولكن هذا التوقع لم يتحقق، إذ وصل الشعاعان في اللحظة نفسها دون أي فرق ومع أن التجربة أعيدت، إلا أن النتيجة بقيت نفسها، وكانت هذه إشارة سلبية بالنسبة لوجود الأثير، أي تبين أن الموجات الراديوية لا تحتاج في انتقالها إلى أي وسط.

كان هناك من اعترض على هذه النتيجة السلبية، منهم “لورنتز” الذي ذكر بالمبدأ القائل بأن الأجسام تفقد جزءاً من طولها باتجاه الحركة. وقال بأن هذا الأمر حدث في تجربة “مورلي” و”ميكلسون”، وقام بإثبات وصول الشعاعين إلى المركز أو إلى عين المشاهد في اللحظة نفسها رياضياً. وقد عد هذا الاعتراض وجيها آنذاك. ولكن كان من المهم معرفة ماهية ما يريد ميكلسون إثبات وجوده، وماذا يعني “الأثير” الذي يقول “لورنتز” بوجوده.

فالأول كان يقول بعدم وجوده استناداً إلى تجربته، لأنه كان يفترض كثافة في الأثير، أو يعده في الأقل مشابها للهواء المحيط بالكرة الأرضية ويتصور حركة هذه المادة السيالة المحيطة بالأرض مع حركة الأرض، أي كان يجري تجربته في مثل هذا الأثير الخيالي. أليس من الممكن أن الأثير وجود فوق المادة؟ أي عالماً غير مشهود مقابل عالمنا المشهود هذا؟ هذا علماً بأن كثيراً من المجلات العلمية نشرت وتنشر الآن مقالات عديدة حول العودة إلى “الأثير”.

والخلاصة أننا نستطيع القول بأنه مع عدم وجود أي حكم يستند إلى المشاهدة أو إلى التجربة في خصوص الأثير، إلاّ أن من الخطأ الاستعجال والقيام بنفي وجوده. لأننا لا نملك معلومات أكيدة حول عدم وجوده.

المصدر: مسجد “بُورْنُوَا”، 7 يناير 1977؛ الترجمة عن التركية: اورخان محمد علي.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts