سؤال: هل توجد مشارب ومدارس مختلفة في الإسلام؟ وهل حدث مثل هذا الخلاف بين الصحابة الكرام ؟ وما الفكر الذي يوحّد بينها؟

الجواب: المشرب كلمة تأتي من جذر “الشُّرب”، أما المعنى الدارج لدى العامة فهو يُطلَقُ على أحَدِ فروع الحقيقة الواحدةِ جرّاءَ اختلاف الناس في فهم فروعها، لذا يمكننا اعتبار اختلاف الآراء والأفكار في الدعوة إلى الإسلام والإيمان والقرآن على أنها مشاربُ مختلفة للحقيقة الواحدة، فالهدفُ موحّدٌ ومشتركٌ للجميع ولكن الطرق الموصلة إليه مختلفة.

لذا يجب تأييد ومساعدة كلّ مَن يخدم الدين والإيمان ويعمل على إعلاء شأن الإسلام سواء أكان في المشرق أم في المغرب، وأيًّا كان مشربه، صحيحٌ أن الطرق والمسالك قد لا تكون نفسُها، ولكن المهمَّ هو توحيد الهدف والغاية.

هناك أسبابٌ عديدة تؤثّر في اختلاف هذه الطرق، فالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان، والثقافة التي يحصّلها لها تأثيرٌ كبيرٌ فيه، كما أن لكيفية تجلي أسماء الله الحسنى تأثيرًا فيه أيضًا، لذا فظهورُ مشارب مختلفة أمرٌ طبيعي، وقد ظهرت في السابق ولا تزال تظهر.

لم يكن مشرب الكرّار عليّ كرم الله وجهه كمشرب الصدّيقِ أبي بكر رضي الله عنه، ولم يكن مشرب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه كمشرب أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، بل كان هناك اختلافٌ كبير بينهما، مع أنهما يتمتّعان بنفس الشهامة والشجاعة ومع أنهما تلاميذ المدرسة النبويّة نفسها، فعُمر رضي الله عنه كان رجلَ دولة ورجلَ إدارةٍ وتنظيمٍ من الطراز الأول، بينما كان أبو ذر رضي الله عنه ذا مشرَبٍ انفراديٍّ.

ويُفهم من هذا أنه حتى في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي اجتاز كلّ الأذواق والمشارب، ووحّد الأديان وألّف بين المسالك لم تَنْمحِ تمامًا الأذواق والمشارب المختلفة، ولم يحاول أحدٌ القيام بمثل هذه المحاولة، والحقيقة أن محاولة توحيد المشارب تصطَدِم والفطرةَ الإنسانية؛ ذلك لأن الذين خُلقوا بطبائع مختلفة لا يمكن أن يفكروا بطريقةٍ موحّدة، وطبعًا هناك احتمالٌ قويٌّ لظهور مصاعب وتعقيدات ومشاكل عديدة عند محاولة فرض التوحيد بين المشارب بالقوة.

ويمكن أن نقول: إن الذين يرومون توحيد المذاهب لم يفقهوا هذه الناحية الدقيقة في الفطرة الإنسانية، ولم يُدركوا الطبيعة الإنسانية، وتناسَوا الاستعدادات البشرية الفطريّة، فإن بدأت القابليات المختلفة التي خلقها الله بالعمل والظهور وفقًا لمقتضى الحكم الإلهية -موفّيةً مهامَها بحقٍّ- فلا بدّ من ظهور مذاهب ومشارِبَ مختلفة.

لذا فقد كان لا بدّ لهذه القابليات المختلفة أن تُجَسِّدَ الفقه على شكل مذاهب أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والأوزاعي والثوري والزهري… إلــخ من المذاهب، وكان لا بدّ لها من الظهور في الطرق الصوفية التي تخاطبُ قلبَ الإنسان ومشاعره ووجدانه، وتسعى لخدمة الشريعة الغرّاء وخدمة الدين الإسلامي المبين، اعتبارًا من عهد النبوة إلى يومنا هذا مستهدفةً توسعة الروح والقلب.

كان سفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم رحِمهما الله من أوائل الصوفية، ثم جاء أبو يزيد البِسطامي فجنَيد البغدادي، ثم الغوث الأعظم عبد القادر الكيلاني ذلك العملاق الذي أحبّه أهلُ الحقّ كافة، ثم الشيخ شاه النَّقشَبند؛ كلُّ واحد من هؤلاء كان يمثّل مَشْربًا مختلفًا ومزاجًا مختلفًا، ولكنهم كانوا جميعًا كأضواء ودَرجات مختلفة من اللون نفسه، وحاولوا جميعًا إحياء الحقيقة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم.

إن وضعتُم طريقة محيي الدين بن عربي بجانب طريقة الإمام أحمد الفاروق السرهندي الملقَّب بـ”الإمام الرباني” لَرأيتم فَرقًا واضحًا بينهما؛ فالوَليّ الكبير الإمام الرباني يُعَدُّ ممثّلًا لـمَسلك الصحابة وطريقهم وهو قطب مذهب “الفرق”[1]، وهو باتفاق الجميع مِن أفضل مَن فهم الحقيقة الأحمدية، وأفضلِ مَن كتب عن الظاهر والباطن للشريعة الأحمدية وأفضل شارحٍ للوحدة والتناسب الموجود بينهما، ولا نزال نحسّ في قلوبنا بنور الضياء الذي نشره قبل أربعمائة سنة.

ولقد عارضَ هذا العملاقُ محييَ الدين بن عربي في مواضع عديدة فكان دائمًا ما يوجه إلى المنهج النبوي الصحيح وطريق الصحابة الكرام قائلًا: ليست “الفتوحات المكيّة”، بل “الفتوحات المدنيّة”، وهو طريق أهل السنة والجماعة التي تمثّل بدورها الحقيقة الأحمدية، والحقيقة أن هذه المسألة مسألةُ مشرَبٍ وذوق، صحيح أن ابن عربي قال بـ”وحدة الوجود” إلّا أنه بدلًا من معنى “لا وجود لأيّ موجودٍ سوى الله” كان يعني “لا وجودَ حقيقيّ وقائم بذاته سوى الله”، أي كان يُومِئ بشكلٍ ما إلى “وحدةِ الشهود”.

لقد أطنَبتُ واتخذتُ طرقًا بعيدةً ومختلطةً حتى أُبَيِّنَ استحالة اتّحاد المشارب والأذواق، لِنَعُدْ إلى صُلْبِ السؤال والموضوع فنقول:

 إنّ المشارب والمذاهب المتعدّدة باقيةٌ ما بقي الليل والنهار ولن يستطيع أحد الحَيلولة دون هذا، ولكن من الممكن دائمًا الاتحاد في الهدف والغاية مع اختلاف الطرق والمسالك، أي يمكن أن تـخـتلف الألسن، ولكن الحقيقة التي يتمّ شرحها بِشَتّى اللغات حقيقة واحدة، وكما قال الشاعر:

“عباراتُنا شتَّى وحُسْنك واحد

وكلٌّ إلى ذاك الجمال يشيرُ”

الكلمات مختلفة، والتعابير متنوّعةٌ، والأجواء متعدّدة، ولكن الجمال الذي تصِفه هذه الكلمات هو الجمال نفسه. أجل، فما دام رضا الله تعالى متوطّنًا في الأرواح، ومَحبة الشريعة الأحمدية -صلى الله وسلم على صاحبها- موجودة في القلوب، والروحُ تتحرّك وفقَ هذا الأساس، فإن التفاهم والاتفاق ممكنٌ -وإن وجدت الاختلافات والاحتكاكات- في كلِّ حينٍ وآنٍ، فإذا كان اليوم ثمّة أُمورٌ ضرورية لتأمين الوفاق والاتّحاد في ظلّ فهمٍ إسلاميٍّ صحيحٍ -وأنا أعتقد أنها موجودة- فيجب الوقوف عندها والاهتمام بها.

ويمكن أن يتمّ هذا الاتفاق والاتحاد وتجاوز المشارب على الصعيد العاطفي أو على الصعيد الفكري والمنطقي، بالنسبة للصعيد العاطفي قد يكفي لتحقيق هذا الائتلاف والاتفاق اجتماعُ الجماعات الإسلامية المختلفة وتكوينها اتحادًا ما وإن كان صوريًّا، ولكن لكون الإنسان لا يستقرّ على حال، وهو في تطوّرٍ فكريٍّ وروحيٍّ دائمٍ، فإن هذه الوحدة العاطفية الضعيفة -ضَعْفَ الخيطِ القطني- قد لا تكون كافية، لذا فإنه متى ما تبيّن عدم كفاية هذه الرابطة الضعيفة، فعلى الجماعات الاجتماع حول مائدةٍ واحدةٍ ومحاولة تأسيس وحدةٍ فكريّةٍ ومنطقية. أجل، لكي ننقذ الحق من براثن الباطل، ولكي نتخلّص من الذل أمام الظالمين، ولكي نجعل من الأمة المحمدية مثالَ الأمن والطمأنينة لكلّ الأمم، ونمكّن لها نشر حقائق القرآن المعجز البيان في العالم كله يجبُ الاتفاق على الصعيد الفكري والمنطقي.

فإن أردنا إيضاحَ المسألة بأمثلةٍ ملموسة نقول: إنه كان قبل عِقدَين أو ثلاثة من الزمن اتفاقٌ واتحادٌ عاطفي بين جماهيرنا، وكان هذا الاتفاق والاتحاد ردّ فعلٍ للتيار الإلحادي والشيوعي، أي كان في الجانب المقابل زمرةٌ تُنِكر -حاشا لله- اللهَ تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم، وتجمَّعَ في الجانب المقابل كلّ معارضي الشيوعية، ويشبه هذا اتفاقُ الدول الحرّة ضدّ الشيوعية، فتجمّع في الجانب المعارض للشيوعية المؤمنون الذين يحاولون نشرَ أسس الإيمان، الذين يتبنّون فلسفة الإحياء والانبعاث من جديد، وكذلك القوميون الذين اتخذوا الفكرة القومية أساسًا لهم، أما في الساحة السياسية فقد تجمّع ألوان وأصناف عديدة من معارضي الشيوعية واتحدوا واتفقوا ضدها، لذا كنّا نرى في الجانب المعارض للشيوعية مَن يقرأ المجلات الإسلامية ويتابع المجلات القومية، كان بعضهم يتحدث بحماسٍ وبلسانِ العاطفة بينما كان البعض الآخر يتحدث بلغة العقل والمنطق، في مثل هذا الجو العاطفي كان الكثيرون يقولون: “مهما حدث يجب أن نُحافظ على وحْدتنا ضدّ الملحدين والمنكرين”.

فقد كان الاتفاق آنذاك مؤسّسًا على العاطفة تمامًا، ولقد جاء الوقتُ الذي لم يعُدْ فيه هذا المفهوم للأخوّة كافيًا، فلقد تقدّمَ المسلمون على الصعيد الفكري والعاطفي، لقد فكّروا وبحثوا وقرؤوا فتقدموا، وأدركوا أيَّ الأفكار المضادة للإسلام، أو ظنّ معظمهم أنهم أدركوا؛ فقد كان يجمعهم الفكر والعمل والدفاع المشترك، فظلوا لفترةٍ طويلة معًا تحت السقف نفسه يُحافِظون على هذه القواسم المشتركة، وكما اجتمع الملحدون والمنكرون لله ولرسوله تحت سقفٍ واحد كذلك فقد اجتمع المسلمون تحت سقفٍ واحدٍ آخر، ومَن يدري فلربما توفرت لهم آنذاك فرصةٌ كافيةٌ للتمييز بين الأسود والأبيض وبين الغثّ والسمين. أجل، لقد شاهدوا كلّ شيء وأدركوه جيدًا، وبينما كانت قلوبهم وعقولهم تسترجِعُ عهد الحضارةِ في المدينة المنورّة على عهد النبيّ صلى الله عليه وسلّم كي تَسود الحقائق الإلهية التي جاء بها كانت عقول بعضهم الآخر وقلوبهم بعيدةً جدًّا عنهم وفي وادٍ آخر، وهكذا بدأت روابط هذا الاتفاق بالتقطّع، إذ تبين أن المشاعر والعواطف مختلفةٌ ومتباينة.

بعد هذه الفترة ظهر أن الروابط العاطفية ليستْ كافيةً، لذا اتجه كلّ فريقٍ إلى جهة معينة وتفرقت بهم السبل، فالاتحاد والائتلاف كان بحاجةٍ -إلى جانب الرابطة العاطفية- إلى أسسٍ فكريّةٍ ومنطقيّةٍ.

أما من جهتنا فإننا نشاهد الصحوة الإسلامية في تركيا وفي البلدان الإسلامية الأخرى، وإننا نرى من المفيد أن نذكّر بضرورة عدم تناسي الأسس التي يجب مراعاتها حتى وإن كانت لدينا قناعةٌ بأن كلّ إنسانٍ يقوم بما عليه ويهيّئُ ما يمكن تهيئته لمستقبل الأمة.

أولًا: يجب على كلّ سالكٍ في طريق الحقّ أن يتخلّى عن محاولة قسرِ الآخرين على التفكير مثله؛ فكلّ خدمةٍ في طريق الحق نُصفّقُ لها ونُثْنِي عليها، فكما يتقبّل أرباب المهن المختلفة وأصحاب الفنون المتنوّعة بعضُهم البعضَ الآخر ويتداولون ويتبادلون ثمار سعيهم ويتعاونون في سبيل هدفٍ مشترك، كذلك على أصحاب المشارب والأذواق المختلفة إبداء الفهمِ نفسِهِ والمرونة نفسها، والابتعاد عن التصلّب في فرض طرقٍ معينة ما دام الهدف المنشود مشتركًا، لذا فما يجب عمله هو القيام بالثناء على كلّ مَنْ يقدّم خدمةً في ساحته، وقبول كل مَنْ يقول: “إن كل من يذكر الله تعالى ويسعى من أجله ويبجّل رسولنا صلى الله عليه وسلم فهو أخي…”، ولكي لا تزدرئنا الرأسمالية أو الشيوعية، ولكي لا نقع في بئر الإلحاد علينا أن نضع اتفاقًا ما ولو كان صوريًّا، فالإنجليزيّ حقق وحدة “الأنجلوسكسون والغال” لكي يؤمّن مستقبله، مع أن هذين العنصرين -“الأنجلوسكسون والغال”- يكره أحدهما الآخر وينفر منه نفورًا كبيرًا، ومع ذلك فلم يظهر بينهما أمام العيان أيّ خلاف أو نـزاع حتى اليوم؛ لأنهما جلسا على طاولةٍ واحدة وتفاوضا واستعرضا القواسم المشتركة ونقاط الخلاف، وأخذا بنظر الاعتبار مستقبلَ إنكلترا ومصيرها، فتنازلَ كلٌّ منهما عن بعض الأمور في هذا السبيل.

ما يعنينا من هذا في دعوتنا هو أننا جميعًا باختلاف مشاربنا وأذواقنا نؤْمن بربٍّ واحد، ونؤمن بأنّ رسولَنا واحد، وكتابَنا واحد، وقبلتَنا واحدة، وطريقَنا واحد، إذن نستطيع أن نقيمَ وحدَتَنا على هذه الأسس المنطقية السليمة، وليس على أساسٍ عاطفي مجرّد، فهذه الأسس القوية المشتركة فيما بيننا تقتضي وتوجب علينا الوحدة فيما بيننا، أما الزعم بخلاف هذا فليس إلّا همسات النفس الأمّارة ومعاذيرها.

لقد عقدنا العزم جميعًا على إيصال كنـزٍ نفيس إلى مكانٍ معيّن، فإن كان علينا أن يُبارزَ بعضُنا البعضَ الآخر، فلنتبارز تلك المبارزةَ الملعونة بعد قيامنا بإيصال ذلك الكنـز وتلك الأمانة إلى أصحابها، ولكن علينا أوّلًا أن نفكّر في حاضر هذه الأمة الكريمة ومستقبلها فلا ندعهما نهبًا للملحدين والفسقة.

ثانيًا: الطريقة الثانية في هذا الموضوع هي ألا يقوم أحدٌ بإكراه الآخرين على سلوك طريقه والدخول في نظامه، بل لندع كلَّ واحد يعمل بالطريقة التي يفضّلها ويراها أصلح من غيرها؛ لأنه من المعروف أنّ مِنَ الصعب على الكثيرين تغيير أفكارهم، بل يستحيل ذلك في كثيرٍ من الأحيان، فالإجبار ليس طريقًا سليمًا ومجديًا، بل يؤدّي إلى مشاكل وانشقاقات لا يمكن التئامها، بينما التسامح واللين والتفاهم بالحسنى هو الطريق الذي أوصانا به القرآن، والذين يتعاملون بالحسنى والتسامح يحلّون مشاكل مستقبلية مهمة.

وهناك شيءٌ آخر يجب الوقوف عنده وهو: بما أن المشارب والأذواق المختلفة لا تتّحد، لكن كلّ مَن يعمل في سبيل الإيمان والقرآن يؤدّي في الحقيقة خدمةً مهمّة؛ فمثلًا هناك كثيرٌ من الأقلام اللامعة التي تقوم بتناول حياتنا الاجتماعية ومشاكلها بالتدقيق وبالبحث عن حلولٍ لها، والإسلام بحاجة إلى مثل هذه الحلول أيضًا، لذا فلندَع هؤلاء يقومون بحلّ المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، ولنقم نحن بما نستطيع القيام به، فكما تـمّت حمْلة تَكيّف وتوفيق في العصر العباسي، كذلك يجب أن تتم مثل هذه الحملة اليوم، ولتكن مقاييس وموازين أهل السنة والجماعة هي الحكم فيما نأخذ وفيما ندَع، ولنحاول إنشاء عالم جديد أو على الأقل تهيئة الأسس للوصول إلى هذا العالم الجديد من خلال توليفات جديدة.

لنفرض أن هناك مجموعةً أخرى لها جوانب يمكن انتقادها من منظور أهل السنة والجماعة، ولكن بالنسبة لموضوع الدراسة والبحث فإنّ لها -بل حتى للغرب- جوانب إيجابية يمكن الاستفادة منها؛ فما الضرر في الأخذ عنهم بعد الأخذ بنظر الاعتبار كرامتنا وعزتنا وكذلك عداوتهم لنا وإجراء حساباتنا على هذا الأساس؟ والحقيقة أن كلّ مذهبٍ باطل يحتوي على جزء صغير من الحق، وهو مَدِين في وجوده وبقائه لهذا الجزء الحق؛ لذا يمكن أخذ ذلك الجزء الصغير من الحق والحقيقة، بل هذا أمرٌ لا بدّ منه.

لِأَشْرَحْ هذه المسألةَ بمثال: هناك مذهبان خارج دائرة أهل السنة والجماعة يمثلان منذ القديم قطبين متضادين وهما “المعتزلة” و”الجبرية”، فمذهب المعتزلة يقول: “إن العبد خالقٌ لأفعاله”، أما المذهب الجبري فيقول: “الله خالق كل شيء، والإنسان مسيَّر مثل الآلة”، فلهذين المذهبين وجهتا نظر متناقضتان تمامًا حول إرادة الإنسان وحول خلق الله تعالى للأفعال، فالمعتزلة تقول: إن الإنسان يخلق أفعاله، ولا يتدخّل اللهُ تعالى في هذا الأمر، وأصحاب الفلسفة العقلية “راسيوناليزم” في أيامنا الحالية يفكرون أيضًا التفكير نفسه، أما الجبرية فترى العكس تمامًا ولا تعطي للإنسان أيّ حرية أو اختيار أو إرادة، بل تراه مكتوف اليدَين والرجلَين وهو على مثال قول الشاعر النابلسي:

ألقاه في اليمّ مكتوفًا وقال له *** إياكَ إياكَ أن تبتلّ بالماءِ

أما أهل السنة فقد أخذوا جزءَ الحقيقة من هذا المذهب وجزءَ الحقيقة من المذهب الآخر ومزَجوهما معًا ليُخرجوا تركيبًا آخر؛ فقالوا للمعتزلة: “أجل، هناك إرادة للإنسان، لأن آيات عديدة في القرآن تدلّ على هذا، فالإنسان يعمل عملًا صالحًا بإرادته ويستحق الجنة على ذلك، فالإرادةُ موجودة لأن القرآن الكريم يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (سُورَةُ النَّجْمِ: 53/39)، ولكن دون أن ننسى أنّ مشيئة الله أساس في هذا الموضوع حسَب قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (سُورَةُ التَّكْويرِ: 81/29).

 إن مساحة الإرادة التي تذكرونها ضيّقة إلى درجة قد يكون وجودها أو عدم وجودها سواء، ولكن الإرادة -كشرط عادي- موجودة وهي الأساس في البرّ والإثم والثواب والعقاب.

ما أريد قوله من هذا الشرح، أن هناك جزءًا من الحقيقة في النظام الرأسماليّ، وكذلك جزءًا من الحقيقة في النظام الشيوعيّ، هذا الجزء هو الذي تقوم الشيوعية باستغلاله، إذ تقوم باستغلال الملكية العامة واستغلال الفقير زاعمة الدفاع عن الفقراء، أي إنها تنافق في هذا الموضوع، وهذه الأنظمة هي التي تقود الجماهير الآن، أما الإسلام فجميع أنظمته وجميع مبادئه حقّ وحقيقة وعدالة مَحْضة، فهو مجموعة من المبادئ التي تؤمّن الوحدة والاتفاق.

أما المشارب فإننا نقول بأن كل مشرب يحوي جانبًا من الحقيقة؛ لذا فمِن الخطإ تَنَاسِي أن الله تعالى خلق الناس بمشارب مختلفة وأذواق مختلفة، ومن الخطإ محاولة التصدي والعمل ضدّ الفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومحاولة جمع جميع المياه المتدفّقة من جداول مختلفة في مسارٍ واحد، فهذه محاولة خيالية علينا ألا نقوم بها، بل على كل واحد منا محاولة نشر الأنوار القرآنية والإيمانية، كلٌّ في ساحته، ولا يصرف جهده في النـزاع مع الآخرين، فإنْ لم يستطع الاتفاق مع الآخرين فلا يُثِرِ النزاعَات والخصومات على الأقلّ، وليحذر انتقادهم واغتيابهم، وليتعلّمْ كيف يثني على كلّ عمل خيرٍ، وكيفَ يكون ظهيرًا لكلّ مَن يذكر الله، فإن فعلنا هذا فإننا نأمل بعون الله تعالى تأسيس تعاونٍ واتحادٍ واتفاقٍ فيما بين المسلمين بعد مدة وجيزة.

[1] الفَرقُ: مَا نُسب إليك والجَمعُ: مَا سُلب عَنْك، ومعناه أَنَّ مَا يَكُون كسبًا للعبد من إقامة العبودية وَمَا يليق بأحوال البشرية فَهُوَ فرقٌ، وَمَا يَكُون من قِبل الحق من إبداء معان وإسداء لطف وإحسان فَهُوَ جمع، وهَذَا أدنى أحوالهم فِي الجمع والفرق، لأنه من شهود الأفعال فمن أشهده الحق سبحانه أفعاله من طاعاته ومخالفته فَهُوَ عَبْدٌ بوصف “التفرقة”، ومن أشهده الحق سبحانه مَا يوليه من أفعال نَفْسه سبحانه فَهُوَ عَبْدٌ يشاهد “الجمع”، فإثبات الخلق من بَاب التفرقة وإثبات الحق من نعت الجمع، ولا بدّ للعبد من الجمع والفرق، فَإِن من لا تفرقة لَهُ لا عبودية لَهُ، ومن لا جمع لَهُ لا معرفة لَهُ، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إِلَى الفرق، وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إِلَى الجمع، انظر: القشيري: الرسالة القشيرية، ص 166. (المترجم)

فهرس الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts