بين الميراث القديم والمنهل العذب | موقع الأستاذ فتح الله كولن

إن الإسلام إذ يحاور مخاطبيه، يَأخذ بنظر الاعتبار كلَّ مشاعرهم الظاهرة والباطنة، وكلَّ أعماقهم من أمثال الفكر والحس والشعور والمنطق والإدراك، إنه يَعتبر الإنسانَ كلاً جامعًا مع لطائفه وأحاسيسه، ويخاطبه في هذا الإطار، فيستجيب لرغباته ويسد احتياجاته الطبيعية والبشرية، ويمهِّد له البيئةَ الصالحة لانفساحه بيسر في كل زمان وفي كل مكان.

الإسلام يختلف عن النُّظُم السماوية وغير السماوية كافة، بأسلوبه الخاص ومناهجه، وما اقترحه وقدَّمه من حلول للمعضلات البشرية.

ومن خصوصيات نظام الفكر الإسلامي اعتمادُه على مرجعية الكتاب والسنة أكثر من سائر مصادر العلم والمعرفة. فهو بهذا الوجه يتميز عن التنظيمات الدينية والتيارات الفلسفية كلها. فالإسلام منذ ظهوره، باعَدَ بينه وبين الميراث القديم والتنظيماتِ المتنوعة التي تظهر بصورة الدين، وأراد أن يبقى بكيانه وذاتيته… ومع أنه وقَّرَ ما هو غير محرَّف ومبدَّلٍ منها وسماها “شَرْع مَنْ قَبْلَنَا”، لكنه بقي في الأصل مستَمِدًّا من المصادر الأساسية التي نعتبرها “المنهل العذب المورود”.

من خصوصيات نظام الفكر الإسلامي اعتمادُه على مرجعية الكتاب والسنة أكثر من سائر مصادر العلم والمعرفة. فهو بهذا الوجه يتميز عن التنظيمات الدينية والتيارات الفلسفية كلها

القرآن جامع للكتب المقدسة

والحق إن الإسلام لم يكن -في أية حال- بحاجة إلى الميراث القديم أو الأحلامِ والفانتازيات الجديدة. وكيف يحتاج إليها وكان سنده القرآن؟ القرآنُ “المتضمِّنُ -إجمالاً- كلَّ الكتب التي جاء بها الأنبياء في مختلف العصور، وكلَّ رسائل الأولياء بأنواع مشاربهم، وكل آثار الأصفياء بمسالكهم المتشعبة…. اللامعُ من كل جهاتِه، من فوقه وتحته، وأمامه ووراءه، ويمينه وشماله… المنغلقُ تجاه كل الأوهام والشبهات… كتابٌ نقطةُ استنادِه الوحيُ السماوي والكلامُ الأزلي باليقين… وهدفه وغايته السعادة الأبدية بالمشاهدة… وباطنه صريحُ الهداية الخالصة… وأعلاه أنوار الإيمان… وأسفله الدليل والبرهان، بعلم اليقين… ويمينه تسليم القلب والوجدان، بالتجربة… وشماله تسخير العقل والإذعان، بعين اليقين… وثمرته رحمة الرحمان ودار الجنان” ([1]) . لذلك لم يجد الإسلامُ المتغذي من هذا الكتاب حاجةً أبدًا لا إلى تخيلات المثاليين ولا إلى محصلاتِ منطق الواقعيين، ولا أصولِ وطرق التجريبيين أو غيرهم، ولم يَرجع إليها ولم يَعتبرها مصادرَ موثوقا بها.

إن الإسلام يَعتبر الإنسانَ كلاً جامعًا مع لطائفه وأحاسيسه، ويخاطبه في هذا الإطار، فيستجيب لرغباته ويسد احتياجاته الطبيعية والبشرية، ويمهِّد له البيئةَ الصالحة لانفساحه بيسر في كل زمان وفي كل مكان.

الإسلام يختلف عن النُّظُم السماوية وغير السماوية كافة، بأسلوبه الخاص ومناهجه، وما اقترحه وقدَّمه من حلول للمعضلات البشرية. وهو من كل وجهٍ أنموذجٌ لـ”الكمال” بكل معنى الكلمة. فهو يضع الإنسان في إطار واسع؛ آخذًا بنظر الاعتبار خصوصياتِه الأساسية بتمامها، ومَلَكاتِه الذهنيةَ والفكرية والروحية بمجموعها، ثم يشحنه بطاقات متنوعة… فلا يحصر توجهَه في العقل والفكر، ولا يقوِّمه كوجود عقلي ومنطقي بحت، ولا يُهمل أحاسيسه، ولا يغض البصر عن آليات وجدانه كما يفعل قسم من المدارس الفلسفية. بل الإسلام ينظر إلى الإنسان بعين الخالق تعالى، فيضعه في قالب متين بكله الذي لا يقبل التجزؤَ والانقسام، ويستجيب لمطالبِ أحاسيسه الداخلية والخارجية، ويُعِدُّه بعناصرِ وجوده المادية والمعنوية كلِّها ليكون جاهزًا للسعادة الدنيوية والأخروية وأهلاً لدخول الجنة ، أما تحقيق هذه الأمور من البداية إلى النهاية، فنحيله إلى الأقلام المتخصصة للإسهاب فيها تمحيصًا وتحريًا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، الطبعة الثانية، ٢٠١2، ص: 109

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

                                                                                                                                                                                                    ([1])

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.