1 – فارقليط

جاء في إنجيل يوحنا: “قال المسيح: إنني ذاهب إلى ربي وربكم لكي يرسل لكم فارقليط، الذي سيأتي إليكم بالتأويل” (الباب: 16، الآية: 7). ومعنى فارقليط الروح الحق، الذي يُفرِّق بين الحق والباطل.
أجل، إن رسول الله هو روح الحق، ذلك لأن القلوب الميتة لا تحيا إلا بالحق الذي جاء به. وقد بذل كل شيء، وكافح لكي يوصل الهداية إلى الناس، ولم يتميز الحق عن الباطل إلا بعد هذا الجهاد وهذا الكفاح. إذن، فقد جاء فارقليط الذي بشَّر به المسيح عليه السلام، وهو خاتم النبيين والمرسلين محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وجاء في إنجيل يوحنا(الباب: 14، الآية: 15، 16): “إن كنتم تحبونني أطعتم أوامري، أما أنا، فسأبتهل إلى الرب ليرسل لكم مُعينًا آخر، وروح الحقيقة “فارقليط” لكي يبقى معكم على الدوام”. والآن لنتأمل هذه الآيات: “فارقليط هو روح القدس الذي سيرسله الرب باسمي أي نبيًّا مثلي. سيعلمكم كل شيء، وسيُذّكركم بما قلته لكم” (يوحنا، الباب، 14، الآية: 14).
“عندما يأتي فارقليط سيشهد لي، وستشهدون أنتم لي” (يوحنا، الباب: 15، الآية: 26-27).
“ولكني أقول لكم الحق: من الأفضل لكم أن أذهب، لأني إن كنت لا أذهب لا يأتي فارقليط إليكم، ولكني إن ذهبت، أرسله إليكم” (يوحنا، الباب: 16، الآية: 7). “وعندما يأتي فارقليط يُبكِّتُ العالمَ على الخطيئة” (يوحنا، الباب: 16، الآية: 8).
لقد جاء الإنجيل باللغة العبرانية في البداية، ثم ترجم إلى اللغة اليونانية، والتراجم العربية الموجودة في أيدينا مترجمة عن اليونانية، ولما كانت كلمة”فارقليط” ورادة في الترجمة الأولى إلى اليونانية، فإننا لا نعرف الكلمة الأصلية المقابلة لها في العبرية، وفارقليط هي الترجمة العربية لهذه الكلمة في اليونانية، أي أنها دخلت إلى العربية عن طريق التعريب، إلا أننا لن نقف عند هذه الكلمة لنبني موضوعنا عليها، بل سنحاول رؤية جميع صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي بشَّر بها الإنجيل، وكيفية تطابقها، وملاءمتها مع صفات رسولنا صلى الله عليه وسلم.
2 –رئيس العالم

جاء في إنجيل يوحنا (الباب” 14، الآية:31) قول المسيح عليه السلام: “لن أُكّلِّمَكم كثيرًا بعد، فإن سيد هذا العالم قادم عليّ، ولا شيء له فيّ”. وتقول (الآية: 8 وما بعدها في الزبور، الباب: 72): “ستمتد مملكته من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض.. أمامه يركع أهل البادية.. ملوك تَرْشِيش والجزر يحملون إليه الهدايا ..ملوك الشَّبَا وسبأ يقدمون عطايا ..ينحني أمامه جميع الملوك، وتتعبد له كل الأمم، لأنه يُنقذ المسكين المستغيث البائس الذي لا معونة له ..يعطف على الفقير والمحتاج، ويخلص نفوس المساكين إذ يفتدي نفوسهم من الظلم والعنف، ويحفظ حياتهم، لأنها ثمينة في عينية، ليحيا الملك، ليعط له ذهب شبا، وليصلوا من أجله دائمًا، وليطلبوا له بركة الله كل النهار. لتتكاثر الغلال في الأرض، وعلى رؤوس الجبال، وتتماوج مثل أرز لبنان، ويُزهر أهل المدينة كعشب الأرض. يخلد اسمه إلى الدهر، ويدوم اسمه كديمومة الشمس، ويتبارك الناس به، وتطوّ به كل الأمم”
وكما قلنا آنفًا، فإننا دخلنا إلى هذا الموضوع استطرادًا ومن أجل إعطاء فكرة مختصرة، وليس في نيتنا الدخول إلى تفاصيله، إلا أننا لا نملك هنا أنفسنا من القول بأنه على الرغم من جميع محاولات النصارى واليهود حاليًّا أو في الماضي من الذين تغلغل الغل والحسد إلى عروقهم ونفوسهم، وعلى الرغم من جميع محاولات التحريف التي قاموا بها، فإن التوراة والإنجيل الموجودين حاليًّا يحفلان بالكثير من البشارات حول نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعديد من الإشارات إليه. وأنا أعتقد أنه بجهود المحظوظين من مؤرخّينا قد نعثر على النُسخ الأقلّ تعرّضًا للتحريف للتوراة والإنجيل والزبور، وعندئذ سيرى فيها الجميع حتى العامة من الناس الإشارات الصريحة الواضحة التي لا تحتاج إلى أي تفسير أو تأويل حول نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعل الأحاديث التي تخبر عن رجوع المسيحية إلى نقائها القديم إشارة إلى هذا الأمر.
ومن جانب آخر، فإنه من الثابت في القرآن والسنة أن التوراة والإنجيل يشيران إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإلى أصحابه، لذا فإن إنكار هذا الأمر يعد انحرافًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: محمد فتح الله كولن، النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مخرة الإنسانية، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ8، 2013، صـ40، 41.

ملاحظة: عنوان المقال من تصرف محرر الموقع.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.