سؤال: ما الرسائل الموجهة إلى رجال الإرشاد في خطاب سيدنا شعيب عليه السلام قومه في قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؟

الجواب: بادئ ذي بدءٍ من المفيد التأكيد على ضرورة معرفة خصائص الأقوام التي أُرسل إليها الرسل؛ من أجل فهم خطابات الرسل ونصائحهم فهمًا جيدًا؛ إذ ينبغي الانتباه إلى أن تصريحاتهم خاصة بظروف ومرحلة معينة، وأنها تشكلت وفقًا لمتطلبات بيئتهم الاجتماعية، وعند النظر إلى قصص الأنبياء المذكورة في القرآن يتبين لنا أن لكل قوم خصائصهم وعِللهم المختلفة.

وقد كانت مشكلة قوم سيدنا شعيب عليه السلام مختلفة عن غيرهم من الأقوام؛ فقد أُرسل عليه السلام نبيًّا إلى قوم مدين وإلى أصحاب الأيكة، وبحسب أحد التوجيهات الواردة في كتب التفاسير يُحتمل أنه عليه السلام نشأ في مدين، ولكنه كُلّف بإرشاد أهل الأيكة وتوجيههم أيضًا، ذلك أن القرآن الكريم حين تحدث عن إرساله عليه السلام رسولًا إلى مدين كان يستخدم عبارات ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ (سورة الأَعْرَافِ: 7/85)، (سورة هُودٍ: 11/84)، (سورة العَنْكَبوتِ: 29/36)، بينما لم يكن يستخدمها عند حديثه عن علاقته بأهل الأيكة قال تعالى ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/176-178).

الغرض الرئيس من مهمة الأنبياء كان دعوة الناس إلى التوحيد والعبودية لله عز وجل.

وعند النظر إلى البيان القرآني يتضح أن كلًّا من تلك الأماكن كان مركزًا تجاريًّا مهمًّا في ذلك العصر، وقد حقق أهلُ هذه البلاد ثروات هائلة، فدفعهم ذلك إلى التعجرف، فكانوا يلجؤون إلى المضاربات في تجارتهم وبيعهم وشرائهم، فيختلسون أموال الناس، ويحتالون عليهم في البيع والشراء ويخدعونهم، وبالنظر إلى الآيات أيضًا يُحتمل أنهم كانوا يترصّدون طرق المنتجين ويشترون بضائعهم بثمن بخس، ويبيعونها للناس بثمن باهظ، ويفرضون الخراج على البضائع التجارية، ويأخذون ضرائب فادحة منها، ولهذا السبب فإن سيدنا شعيب عليه السلام أوصاهم دائمًا بالصدق والعدل في بيعهم وشرائهم، وألا يأكلوا أموال الناس بالباطل.

الدعوة المشتركة بين جميع الأنبياء

على الرغم من تعدد أشكال دعوة الأنبياء أقوامهم بحسب أمراض ومشاكل مجتمعاتهم، إلا أن هناك حقائق ثابتة مهمة للغاية اتفق وركز عليها جميع الأنبياء الكرام، فمثلًا عند النظر إلى منهج الأنبياء في الدعوة، يتبين أنهم جميعًا يدعون الناس إلى التوحيد وإلى عبادة الله، فقد حاول جميع الأنبياء حماية أقوامهم من الكفر والشرك والضلال والإفساد، ولذلك فإنه على الرغم من أن الأنبياء العظام تناولوا عددًا من القضايا المتعلقة بالنواحي والظروف الداخلية لمجتمعاتهم التي نشؤوا فيها، إلا أن الغرض الرئيس من مهمتهم كان دعوة الناس إلى التوحيد والعبودية لله عز وجل.

وبالشكل نفسه أكد جميع الأنبياء أنهم لا ينتظرون مقابلًا ماديًّا ولا معنويًّا من أقوامهم لقاء وظيفة النبوة التي يؤدونها، وأن أجرهم على الله تعالى فحسب، فعند النظر إلى قصص الأنبياء الواردة في سورة الشعراء على سبيل المثال يتبين أن جميع الأنبياء قالوا بالإجماع ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/109، 127، 145، 164، 180) وما قاله الحبيب النجار لمن عزموا على قتل الأنبياء المرسلين إليهم يشير إلى الحقيقة نفسها بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 36/21).

أكد جميع الأنبياء أنهم لا ينتظرون مقابلًا ماديًّا ولا معنويًّا من أقوامهم لقاء وظيفة النبوة التي يؤدونها، وأن أجرهم على الله تعالى فحسب.

وهذا يفيد أن أهم متطلبات النجاح في مهمة الإرشاد هو عدم التشوف لأي شيء، فمن لا ينتظرون أجرًا على ما قدموا من خدمات قد حافظوا على إخلاصهم، ونالوا ثقة الآخرين، بينما من يُديرون حياتهم وفقًا لتطلعات وأهداف معينة لم يثبت أنهم أوصلوا أتباعهم إلى شاطئ السلامة، وعلى حد قول نيازي المصري:

لا تركننّ إلى أيِّ مرشدٍ      فينقلِب الفسيحُ أمامك إلى مضيق

أما مَن استرشدَ بـ”المعصومِ”   سَهُلَ عليه اجتيازُ وسلوك الطريق

وإن نموّ الخدمات التي يجري تنفيذها وتعاظمها ككرة الثلج التي تكبر كلما تدحرجت مرهون بأن تُتوَّج بالإخلاص.

نيلُ الثقة

دعونا ننظر الآن عن قرب إلى الآية الكريمة المذكورة في السؤال؛ فسيدنا شعيب يبدأ حديثه بقوله “يَا قَوْمِ“، ويُلاحظ هنا أن ياء المتكلم (ي) قد سقطت من كلمة “قوم”، وربما يشير هذا إلى حماس سيدنا شعيب عليه السلام واستعجاله هداية قومه، ويمكن أن نجد مثل هذا الأسلوب في مواضع كثيرة من القرآن الكريم.. ويواصل سيدنا شعيب عليه السلام حديثه إلى قومه بقوله ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؟

يجب أن يكون الإصلاح هو الشغل الشاغل للمرشد وهمّه الأوحد، عليه أن يكون همه إصلاح الناس، وليس إصلاح دنياه الخاصة به فحسب.

يدعو سيدنا شعيب عليه السلام قومه بهذه العبارات إلى التفكر مذكرًا إياهم بنعم الحق تعالى عليه؛ وبذكره أن الأموال والنعم التي يمتلكها إنما هي رزق حلال من الله تعالى عليه؛ يكون قد ألمح إلى أن أرزاقهم ليست حلالًا.

 وفي موضع آخر يوضح لهم طرق الكسب الحلال؛ حيث يقول في آيات كريمة أخرى: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة الشُّعَرَاءِ: 26/181-183).

وكما ذكرنا سابقًا فإن قوم سيدنا شعيب اكتسبوا ثرواتهم بالظلم والباطل، ولذلك يُحتمل أنهم يرون رسولهم -حاشاه- مثلهم في هذا الشأن، ويسيئون الظن به؛ ذلك أنه عليه السلام من نسبهم ونشأ بينهم، وللحيلولة دون وقوع مثل هذا الظن السيئ كان عليه السلام يبين أنه اكتسب أمواله بطرق مشروعة، فعن طريق بيانه أن الأموال التي يمتلكها إنما هي إحسان إلهي عليه، ورزق حلال طاهر طيب كان يدفع الشكوك التي يحتمل أن تدُبَّ في أذهان مخاطبيه، ويمكن اعتبار موقفه هذا بمثابة تقديم كشف حساب لقومه عما يملكه.

أجل، يجب على كل مرشد أن يكون جاهزًا لتقديم كشف حساب عن حياته للمجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن نيله الثقة في نظر المجتمع مرتبط بهذا، وإذا نظرنا إلى حياة الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي نرى أنه بين في الكتب التي ألفها حساب كل شيء يمتلكه بدءًا من الثياب التي يرتديها وصولًا إلى الطعام الذي يأكله؛ لأنه إذا ما تكونت أية شبهة لدى الناس بحقكم كأنكم “تبددون ممتلكات الأمة أو تستأثرون بشيء من ممتلكاتها لأنفسكم”؛ فقدتم ثقة الناس بكم.

من يُديرون حياتهم وفقًا لتطلعات وأهداف معينة لم يثبت أنهم أوصلوا أتباعهم إلى شاطئ السلامة.

إن من خرجوا من مناطق عشوائية بالأمس، وبرزوا على الساحة ينادون بـ”الوطن” و”الأمة”، أصبحوا اليوم يعيشون في يخوت وقصور، وصاروا شركاء في مؤسسات، حتى إنهم أكسبوا أولادهم وبناتهم وأصهارهم الثروات الطائلة إلى جانبهم، يستحيل أن يكون أمثال هؤلاء مُقْنِعين ألبتة، وإنهم وإن أخفوا وجوههم الحقيقية اليوم بألاعيب وحيل مختلفة ولم يُشعروا أحدًا بثرائهم الحقيقي الذي يمتلكونه فسيأتي يوم ينكشف فيه كل شيء للعيان؛ فيفقدون كل الثقة والمكانة التي نالوها، ولا تبقى لهم أية قيمة تُذكر، بل إنهم يُلعنون متى ذُكروا، لذا يجب على المرشد الحقيقي أن يعيش حياته كلها بالعفة والعصمة، ويتجنب مواضع التُّهم، ويُشعر الناس بهذا أيضًا.

أجل، إن النبي العظيم عليه السلام كان بقوله ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ (سورة هُودٍ: 11/88) يوضح أنه اكتسب ما لديه من أموال بطرق مشروعة، ويبيِّن أنه لا يفعل مثلهم، فلم يدخل في مضاربات محرّمة، ولم ينهب أموال الأمة، ولم يرتشِ، ولم يغش ويحْتَل في بيعه وشرائه؛ فكسب ما كسب بطريقٍ حلال، وبإشارته عليه السلام إلى كل هذا كان يؤكد على أمانته وجدارته بالثقة، وفي الوقت نفسه كان يمهد الطريق للنصائح التي سيسديها إلى قومه لاحقًا.

مطابقة القول العمل

وبقوله عليه السلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)؛ يلفت الانتباه إلى مبدإٍ آخر مهم في عملية الإرشاد والتبليغ، ألا وهو مطابقة القول العمل، فنجد النص القرآني في موضع آخر: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ (سورة البَقَرَةِ: 2/44) يوبخ بني إسرائيل لقولهم ما لا يفعلون.

 من خرجوا من مناطق عشوائية بالأمس، وبرزوا على الساحة ينادون بـ”الوطن” و”الأمة”، اليوم يعيشون في يخوت وقصور، وصاروا شركاء في مؤسسات، وأكسبوا أولادهم وأصهارهم الثروات الطائلة، يستحيل أن يكون أمثالهم مُقْنِعين ألبتة.

أما الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (سورة الصَّفِّ: 61/2) فليست تعني “إذا كنتم لا تفعلون فلا تقولوا”، بالعكس تعني: “ما دمتم تقولون فامتثلوا فعل ما تقولونه”، لأن هذا هو السبيل إلى التأثير الحقيقي، ومرهون به حسن قبول المخاطَبين للكلام الـمُقال.

السعي إلى الإصلاح

في الأمور التي نبه إليها سيدنا شعيب قومه بيَّن أنه لا يرغب في أن تخالف أفعالُه أقوالَه، ثم كشف عن رغبته الحقيقية بقوله ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)، وهنا يمكن رؤية مدى الحذر والحيطة الكامن في كلام هذا النبي؛ فكان يسعى إلى أن يسود الصلاح والسلام والطمأنينة بين الناس، ولأجل هذا أيضًا كان حريصًا منذ البداية على أن يصل بهم إلى سلامة القلب والروح والفكر والحس، لأن العاجزين عن إصلاح عوالمهم الداخلية يظلون عاجزين بالتأكيد أمام تحقيق السلام المجتمعي وتأسيس النظام الاجتماعي، ومع ذلك كان عليه السلام يبيِّن أن الإصلاح المراد مرهونٌ بقدر الاستطاعة.

يجب على كل مرشد أن يكون جاهزًا لتقديم كشف حساب عن حياته للمجتمع الذي يعيش فيه؛ لأن نيله الثقة في نظر المجتمع مرتبط بهذا.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أحد أحاديثه الشريفة: “إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي[1]، فبشر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله ذلك بمن يركضون من أجل تحقيق الإصلاح في زمن فسدت فيه الأسواق والذمم، وغرقت البيوت في الجهل، وعجزت المدرسة عن تحقيق المرجو منها، وخبا العشق والحماس في المساجد، وعاش المسلمون فيه غرباء؛ ذلك أنهم سيركضون من أجل إصلاح المجتمع في مواجهة المفسدين وأرواحهم فداءٌ لذلك.

لهذا السبب يجب أن يكون الإصلاح هو الشغل الشاغل للمرشد وهمّه الأوحد، عليه أن يكون همه إصلاح الناس، وليس إصلاح دنياه الخاصة به فحسب، فحين يتم إصلاح الناس لن تبقى هناك مشكلة على وجه الأرض، فقد عرفت الأرض المشكلات مع الإنسان، فلا يمكنكم التغلب على المشكلات ما لم تصلحوا الإنسان.

هذا النبي المبارك المدرك للعجز والضعف البشري كان يتجرد من قوته المحدودة بقوله ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (سورة هُودٍ: 11/88)، ويلتجئ إلى قوة الله تعالى المطلقة، لأنه كان يعلم جيدًا أن عناية الله تعالى هي مصدر جميع الإنجازات التي تتحقق؛ فبالاعتماد عليه واللجوء إليه يمكن تحقيق نجاحات حقيقية ودائمة، وعليه فإن ما يقع على عاتقنا هو أن نثق به عز وجل ثقة تامة ونعتمد عليه عند التخطيط والكتابة والحديث، بل وفي كل خطوة نخطوها، ونركن ونتوجه ونلجأ إليه جل وعلا فحسب.


[1] سنن الترمذي، الإيمان، 13.