سؤال: سمعناكم في أحد المجالس تدعون الله قائلين: “اللهم إن خزائنك واسعة، تعطي كلَّ سائل سُؤله، فاللهم هبني حفنة من مجانين الدين”، فماذا تقصدون بـ”مجانين الدين”؟

الجواب: ربما تجاوزتُ حدي ولهجْتُ بذكر هذا الدعاء منذ عهد مبكّر، وأكاد أتمثل هذه الذكرى أمامي وكأنها حدثت اليوم: ففي إحدى المواعظ بمسجد “كستانه بازاري (Kestanepazarı)” في مدينة إزمير قلت: “ليت لي بين هذه الجماعة حفنةً من المجانين”؛ والمعنى الذي قصدتُه من لفظة “مجانين” آنذاك: أولئك الذين يقيمون حياتهم على إعلاء كلمة الله تعالى فحسب مثل الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تمامًا، وهم الذين يقولون: “قيمةُ الحياة في هذه الغاية، وإلا فلا؛ لأن حياتنا التي سنعيشها بدون هذه الغاية لن تختلف عندئذ عن حياة المخلوقات الأخرى التي هي أدنى درجة عن الإنسان”.

هم الذين يتحرون الدقة في أداء الحقوق التي تُمليها عليهم وظيفةُ العبودية، ويقومون بمسؤولياتهم، ويعطون كل ذي حق حقه، ولا يتكاسلون في فعل هذا ألبتة، وفوق ذلك لا وزن عندهم للبيوت والعقارات، والفيلات والشاليهات، والجياد والعربات، والغنى والثروات، والصيت والشهرة، هم الذين أعرضوا عن كل متاع الدنيا، ونزعوا ما في قلوبهم من حبّها ودفعوها بظهر أيديهم، وفي كل طرفة عين يغمغمون قائلين: “عجبًا هل ستُرفرف رايةُ الاسم الجليل المحمدي صلى الله عليه وسلم في كل أنحاء العالم وفي كل نواحي الحياة؟!”، هؤلاء هم مجانين هذه الغاية المثالية، وهم الذين سيُغَيِّرون مصير العالم.

وإلا فلا علاقة لهؤلاء بمجانين مستشفى الأمراض العقلية، والسبب في إطلاقنا هذا الاسم عليهم هو أننا نزِنهم بقسطاس الناس العاديين؛ لأن هؤلاء قد استبدلوا الرغبة في الحياة بالرغبة في الإحياء في وقتٍ يهرول فيه الجميع وراء الدنيا ومتاعها، وهم يفكرون في غيرهم أكثر من أنفسهم، ويهتمون بهموم الإنسانية أكثر من اهتمامهم بأنفسهم وأفراد أسرتهم، ولقد رُوي أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان لا يستطيع أن يتعرف على حفيده وهو يطوف بالأسواق؛ لأنه حصر كل همّته وتركيزه وجهده من أجل توفير الاستقرار والسعادة للآخرين، ولذلك فإني أطلق كلمة “المجانين” على أمثاله ممن هم على أتم استعداد للتضحية بأنفسهم وبكل ملذّاتهم في سبيل غايتهم السامية.

هؤلاء هم المجانين الذين قصدتُهم في دعائي؛ المعرضون عن كلّ جماليات الدنيا، وجميع النياشين والميداليات التي تعلقها فوق صدورهم؛ القائلون: “لا قيمة لهذه الأشياء عندنا ما لم نستطع أن نخدم ديننا وعقيدتنا”.. إن عشرة من هؤلاء المجانين يقومون بأعمال تفوق ما يقوم به ملايين من الناس الآخرين، ولذلك يخصهم الله تعالى في الآخرة بالنعم التي يهبها لعشرة ملايين من الناس.

ولا يجانبنا الصواب إذ أطلقنا على الفترة التي تبلغ قرنًا ونصفًا منذ تأسيس الدولة العثمانية حتى فتح إسطنبول فترة المجانين؛ فكما هو معلوم فإن عثمان غازي رحمه الله المؤسس الأول للدولة قد أسلم روحه إلى بارئها وهو في طريقه إلى فتح بورصة، وكذلك ابنه أورخان غازي قضى عمره على صهوة جواده، واستشهد مراد الأول خداوندكار وهو في ساحة المعركة، وتوفي يلديرم خان في الأسْر، وقضى السلطان محمد شلبي عمره وكلُّ همه أن يحوِّل السقوط الذي اعترى الدولة إلى رقي وازدهار، والانحطاط الذي بُليت به إلى رفعة وتقدّم؛ عسى أن يصل بالأمانة التي ورثها عن آبائه إلى المستوى اللائق، وعاش مراد الثاني حياةً في غاية البساطة، وفي اعتقادي أنه ليس من الخطإ القول عن هذا السلطان أنه “ولي من أولياء الله”، وفي هذه القائمة أيضًا السلطان الفاتح، والسلطان بايزيد، والسلطان ياووز سليم، والسلطان القانوني، فهؤلاء لم يهنؤوا بالحياة في البيوت الفارهة والقصور والفيلات، وإنما عاشوا حياة بسيطة للغاية، ونذروا كل حياتهم للدين، وقضوا كل أعمارهم في سبيل إعلاء كلمة الله.

إن هذه الفترة التي تبلغ قرنًا ونصفًا من الزمن تمثل فترة الازدهار بالنسبة لنا؛ لأن الفتوحات التي اتسعت في الخارج في تلك الفترة قد صاحبتها فتوحاتٌ في العوالم الداخلية للعباد، حيث توجهت القلوب إلى القرآن، وأنشأت صلةً وثيقة مع ربها، ومثُلتْ أمامه في انقياد تام وعبودية خالصة، ولذلك كانت هذه السنوات هي أخصب الحقب وأكثرها بركة في عمر الدولة العثمانية، أما بعض النجاحات التي تحققت فيما بعد فترجع إلى القوة التي استمدتها من هذا المركز، ولكن كلما خمدت هذه الروح وهذا المعنى، وتدنى شعور العدالة من الحقيقة إلى النسبية، وابتُعد عن الشعب، وبرز الميل والحب للدنيا؛ بدأ الانحطاطُ يحلّ محلّ الترقّي والازدهار.

وعندما نذكر المجانين لا نستطيع أن ننسى المجانين الذين كانوا يحاربون في مقدمة الجيش العثماني، فقد كان لهؤلاء جيادٌ عارية عن السرج واللجام، يقفزون عليها ويمسكون بها من أعرافها، كانوا أبطالًا شجعانًا لدرجة أنهم يعتبرون استخدام السلاح نوعًا من التفاهة، كانوا يتصدرون مقدمة الجيش، وكانوا هم أول من يواجه العدو، يهجمون على الأسلحة بأيديهم المسنونة من كثرة الضرب على الصخر، كانوا يستحقرون الحياة، ويُقبلون على الموت فرحين مستبشرين، فكانت هذه الشجاعة والبطولة التي يظهرونها سببًا في تقوية عزائم القادة من خلفهم والجيش المسلح من ورائهم، وهؤلاء المجانين وإن كنتُ لا أعرف عددهم فقد كان لهم دورٌ بارز في إحراز النصر والفتوحات.

وعبارة “يُقبلون على الموت فرحين مستبشرين” تذكرني بحادثة ذكرتُها مرارًا في مناسبات عدة: في معركة اليرموك لحقت الرومَ هزيمةٌ نكراء أمام المسلمين، فلما مثل قادة الجند من الروم أمام ملكهم عاتبهم وعنفهم قائلًا: “كيف لحفنةٍ من العرب جاؤوا من الصحراء أن يلحقوا الهزيمة بجيش الإمبراطورية العظمى!”، وقد كانت روما بالفعل في ذلك الوقت أقوى دول العالم؛ حتى إنها حققت نصرًا مؤزرًا على الساسانيين، ولذلك لم يستطع ملكهم أن يستسيغ هزيمة دولته أمام العرب، ووبّخ قادته وعنفهم، فكان ردّ قادته عليه: “إن هؤلاء قوم يحبون الموت بقدرِ حبِّنا للحياة”. أجل، هذا هو سرّ النصر لدى المسلمين، وسرّ الهزيمة عند الرومان المنكرين، وإن من أكثر الأمور تأثيرًا في نفس سيدنا خالد بن الوليد رضي الله عنه أحد القادة النادرين في تاريخ البشرية؛ وفاته على فراشِه وليس في ميدان الحرب.

وهذه الفكرة وذاك الشعور مهمان للغاية، لقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم مجانين بما قدموه من استخفافٍ بالحياة ونذرِ أنفسهم لإعلاءِ كلمة الله، وهؤلاء المجانين هم الذين أهدوا إلينا دنيا تستحق الحياة، لكن البؤساء الذين جاؤوا من بعدهم -مع الأسف- فرّطوا في هذه الدنيا، وتخلوا عن فكرة الإحياء، واستحبوا الحياة الدنيا، فضيّعوا كلّ المكتسبات، وقضَوا حياتهم في الفيلات والقصور، واستغرقوا في المتع والملذات، لأنهم لم يرتبطوا بغايةٍ ساميةٍ ينذرون أنفسهم لها ويستحقرون الدنيا من أجلها، فوقعوا في براثن الأنانية، ولم تعد أفكارُهم ومشاعرهم تختلف عن أفكار قليلي الهمة؛ حيث اكتفوا بالحفاظ على الموجود فقط، وفي النهاية ضيّعوا في قِمار الحياة أفكارَنا ومشاعرَنا الذاتية.

وفي وقتنا الحالي هناك مهاجرون من أجل غايتهم السامية؛ انتشروا في ربوع العالم بروح التفاني وحبّ التضحية، ولكن هؤلاء ما زالوا على الطريق، يحثون الخطى نحو تحقيق غايتهم المثالية، ولكن لا نعلم هل يوصّلون هذا الأمر إلى نهايته أم لا، نسأل الله تعالى أن يوفقهم إلى ذلك، وأن يحفظهم فلا يتعثّرون في الطريق ولا يتفرقون، ولا ينحرفون إلى منعطفات أخرى، فالمجانين الحقيقيون ليسوا الذين ما زالوا على الطريق، بل هم الذين وجدوا ربهم ووصلوا إليه، ومثّلوا هذا الأمر على أكمل وجه، ولكن لا بد من العبور في هذه الطرق للوصول إلى تلك الذروة.

ولهذا يمكن القول: إن مُتيَّمي عصرنا الذين يسعون ويناضلون رغبةً في الإحياء وليس لهم رأسمال إلا التفاني والتضحية إذا رنوا بأبصارهم إلى الذرى وساروا في الطرق التي تؤدي إليها فسيصلون إن شاء الله إلى أهدافهم، وإنْ لم يلبسوا عملَهم بمصالحهم الشخصية وأنهوا هذا الأمر على الهيئة التي بدؤوا منها؛ فسيحرزون الذرى كمجانين الماضي، ولكن إذا بدؤوا يفكرون في أنفسهم، ويتحركون خوفًا من المستقبل، ويتشوفون إلى الأجر مقابل خدماتهم، فسيتعثرون في الطريق وتنقطع بهم السبل، ويضيعون الأمانة المقدسة التي على كاهلهم، وبذلك يكونون قد خانوا الأمانة، وخانوا سلَفَهم الذين ورّثوهم هذه الأمانة، وغدروا بالأجيال القادمة.

وحتى لا يتعطل هؤلاء ويتعثروا في طريقهم لا بد لهم من تأهيل دائم، وتحفيز للمعنويات، وحِفاظٍ على حيويتهم بالجلسات الإيمانية، كي تزداد حيويتهم ويتضاعف حماسُهم كل يومٍ عن اليوم السابق حتى لا يفقدوا استقامتهم، فضلًا عن ذلك ينبغي لهم الحفاظ على ثباتهم وعزمهم وإخلاصهم وصدقهم ونيتهم الخالصة حتى وافتهم المنية، فالنوايا هي التي تزيِّن الأعمال والأعمال بالنيات، ولهذا ينالون جزاء الواصلين حتى وإن ماتوا ورحلوا وهم في منتصف الطريق؛ ففي الحديث “إنّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَا إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ[1].


[1]صحيح مسلم، البر، 33.