إن القرآن قد جاء بمفهوم مختلف لـ”الجهاد” من حيث كنهه ونكتته؛ جهادِ تحفيزِ الناس ليتعرفوا على أنفسهم وذواتهم.. وجهادِ إنشاء العلاقة مع الوجود كله.. وجهاد التمرد على الجسمانية والنفسانية.. وجهاد أن ينتصر المؤمن على نفسه ويفتحَ قلعةَ ذاتِه من الداخل.. وجهاد الاستعدادِ المستمر واتخاذِ الموقف الواضح ضد كل العواطف والغرائز التي تهبط بالإنسان من أمثال: العداوةِ والحقد والكراهية والشهوة والضغن والحرص والحسد.. وجهادِ أن يربط كلُّ أحد نفسَه بفكر سام وهدف عال.. وجهادِ تخطِّي كل المخاوف والتطلعات.. وجهادِ اعتبار الدنيا غرفةَ انتظارٍ للآخرة وإحياء الأخرويات وإعمار ما هنا كسبيل إلى ما هناك إلى غير ذلك من أنواع الجهاد الكثيرة.

لقد ظل القرآن -قرابة ربع قرن- يقدم للناس معظم رسائل الجهاد، حتى نما بتبليغاته الباعثة على الحياة، فصار ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾

مائدة سماوية من عالم الألوهية

لقد ظل القرآن -قرابة ربع قرن- يقدم للناس معظم رسائل الجهاد من هذا القبيل، حتى نما بتبليغاته الباعثة على الحياة، فصار ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾(إبراهيم:24) فانتشر وحوَّل مساحات واسعة إلى جناتٍ… نعم، كانت كل آية في عهد النـزول كأنها صوت شلالٍ هادر، وماء كوثر عذب متدفق كفواراتٍ دائمة الانبجاس، وبالأحرى، كالفواكه في تباشيرها الأولى القادمة من عالم الألوهية. فكان المشتاقون الطافحون رغبةً يجْنُون هذه الفواكه فور ظهورها بمنتهى الحماس، ويقدمونها لتقدير القلوب والأرواح ويتتابع التقديم والتقدير كرة بعد كرة بلا فتور، ويقعد ويقوم أولئك المحظوظون كل يوم على هذه المائدة السماوية الآخذة بالألباب.

دعا القرآن إلى جهاد تحفيزِ الناس ليتعرفوا على أنفسهم وذواتهم.. وجهادِ إنشاء العلاقة مع الوجود كله.. وجهاد التمرد على الجسمانية والنفسانية.

غيوث الوحي ونفخة الخضر

وبفضل هذه الخطوة، كان أولئك المخاطبون المتدفقون حيويةً، يعيشون -بزخاتِ غيث الوحي الهاطل كل يوم على آفاقهم- “انبعاثاتٍ بعد الموت” متشابكةً ومتداخلةً كأنهم سمعوا صوت الصُّورِ من اللانهاية، فيغدو كلٌ منهم “خضرًا”، فيَنفخ روح الحياة في كل من يمر به… وكانوا يتسلقون ذرى حظوظهم السعيدة “بانبعاثاتٍ” تترى، في حيوية عظيمة دائمة، واشتياق طافح لا يستكين، ورغبات جياشة. الله تعالى يناديهم إلى الانبعاث في العواطف والفكر والروح والقلب بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال:24)، وهم بدورهم يردون على هذا النداء من دون تردد فيقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾(آل عمران:193) ويهرولون لتلبية هذه الدعوة الإلهية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، طـ2، ٢٠١2، صـ106.

ملاحظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.