التواضع هو التذلل، عكسُه التكبّر. ويمكن أن نعرّفه أيضاً بأنه: شعور الإنسان بموقعه الحقيقي أمام الحق سبحانه، والسلوك وفقه، وتقييم مكانته لدى الخلق من زاوية هذا الفهم، وعدّ نفسه كأحد من الناس، أو كأي جزء من أجزاء الوجود. وأيا كان التعريف فمتى ما تقبل الإنسان -بروح متواضعة- أن تكون نفسُه عتبة الباب، موطئ البيت، حجر الرصيف، حصاة الجداول، تبن السنابل، تمكّن أن يعبّر كما عبّر “الإمام آلوارلي”:

الكلّ حسنٌ إلاّ أنا

الكلّ قمح والتبن أنا.

فيكون مرفوع الرأس، مرموقاً مقبولا لدى أسمى المقامات من أهل الأرض والسماوات. أمَا يقول الصادق المصدّق r في حديثه الطيب الجميل المسند إليه (مَنْ تَواضَع للهِ رَفعَه اللهُ ومَن تَكّبر وَضَعه الله) بمعنى أن الكبير والمتكبر والمتواضع والوضيع يتناسبان تناسبا عكسياً.

ويرى البعض أن التواضع هو أن لا يرى الإنسان في نفسه قيمة. ويقول البعض الآخر: هو احترام الناس بما يليق بإنسانيتهم ومعاملتهم بإنكار الذات.. وآخرون: أن يعدّ نفسه أشرّ الناس مالم يتغمده الله بعنايته سبحانه عناية فائقة. وآخرون: اتخاذ موقف تجاه أي نأمة داخلية للأنانية في نفسه صغيرة كانت أم كبيرة، وبذل الجهد لخنقها في موضعها. فكل واحد من هؤلاء له فهمه وطرز تلقيه الخاص، بيد أن الأخير يتعلق بالمقربين والمخلَصين أكثر.

قال عروة بن الزبير: رأيت عمر بن الخطاب t وعلى عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين لا ينبغي لك هذا، فقال -من نصب خباءته في مقام القرب-: لمّا أتتني الوفود بالسمع والطاعة، دخلتْ في نفسي نخوة -حاشاه أن تكون نخوة كما نفهمها نحن نوعاً من الكدورة- فأحببتُ أن أكسرها، ومضى بالقربة إلى حجرة امرأة من الأنصار فأفرغها في إنائها. وكذا حمله الدقيق على ظهره. ولوم نفسـه على المنـبر وسكوته عمّن عاتبه.. كل ذلك من قبيل كسـر النفس والتواضع.

ورؤي أبو هريرة t وهو أمير المدينة المنورة، وعلى ظهره حزمة حطب، وهو يقول: “طرّقوا للأمير، أي افسحوا للأمير طريقاً”.

وقيل: ركب زيد بن ثابت t فَدَنا ابنُ عباس (حبر الأمة) رضي الله عنهما ليأخذ بركابه، فقال: مه يا ابن عم رسول الله، فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا، فأخذ زيد بن ثابت يد ابن عباس فقبّلها، وقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت رسول الله

ومرّ الحسن بن علي رضي الله عنهما بصبيان معهم كِسَرُ خبز فاستضافوه فنـزل وأكل معهم، ثم حملهم إلى منـزله وأطعمهم وكساهم.

وقيل: تشاجر أبو ذر الغفاري وبلال الحبشي رضي الله عنهما، فعيّر أبو ذر بلالاً بالسواد. فشكاه إلى النبي r فقال: يا أبا ذر إنه بقي في قلبك من كبر الجاهلية شيء، فألقى أبو ذر نفسه، وحلف أن لا يرفع رأسه حتى يطأ بلال خده بقدمه، فلم يرفع حتى فعل بلال ذلك.

وأمثال هذه الحوادث كثيرة، كلها نماذج للمحوية والتواضع.

إن من يستمع إلى كتاب الله الجليل والسنة المطهرة لا تبقى لديه أية شبهة من أن العبودية الحقة هي التواضع والمحوية لكثرة حثهما على التواضع. فقوله تعالى: ]وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَـوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَـلامًا[ (الفرقان: 63)  صوت خالص زكيّ لهم، و]أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ[ (المائدة:54) نَفَسٌ رقيق لطيف تفَجّر في قلوبهم وانعكس على سلوكهم. وأيضاً ]رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا[ (الفتح: 29) التفاتة وتكرمة لهم تفوق التصور.

وينثر المثل الكامل للإنسان r درراً نفيسة أمام أنظار قلوبنا، منها:

  1. (إِنَّ الله أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَوَاضَعُوا حَتَّى لاَ يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلاَ يَبْغِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ).
  2. (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ عَلَى كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ سَهْلٍ).
  3. (مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ دَرَجَةً رَفَعَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي عِلِّيِّينَ وَمَنْ تَكَبَّرَ عَلَى اللهِ دَرَجَةً وَضَعَهُ اللهُ دَرَجَةً حَتَّى يَجْعَلَهُ فِي أَسْفَلِ السَّافِلِينَ).
  4. (اللّهمّ اجعلني شَكورا واجعَلني صَبورا واجعلني في عَيني صغيراً وفي أعيُن الناس كبيراً).

وأمثال هـذه الـدرر كثيرة وكثيرة، أمَا قضى r حياته المباركة على هـذا النمط ؟ فلنذكر نتفا منها:

أ   . كان r يمرّ على الصبيان فيسلم عليهم.

ب . وكانت الأمَةُ تأخذ بيده r فتنطلق به حيث شاءت.

ج . وكان r في بيته في خدمة أهله

د . ويشترك في العمل مع الآخرين.

ﻫ. وكان يخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب الشاة، ويعلف البعير.و. وكان يأكل مع الخادم.

ز. ويجالس المساكين.

ح . ويمشي مع الأرامل والأيتام في حاجاتهما.

ط . ويعود المريض، ويشيّع الجنائز، ويجيب دعوة العبد.

فبدءاً بالرسول الكريم r إلى سيدنا عمر وسيدنا عمر بن عبد العزيز y ثم إلى الألوف ومئات الألوف من الأولياء والأصفياء والأبرار والمقربين، وأرباب القلوب العظام في هذا العصر.. كلهم ساروا على النهج نفسه.. وأقروا: “إن مقياس العظمة في الكاملين هو التواضع. أما الناقصون القاصرون فميزان الصُغر فيهم هو التكبر”( ) وبينوا الطريق إلى الإنسان الكامل لمن لم يفقدوا مواهبهم الفطرية.

إن التواضع الحق هو أن يحدّد المرء موقعه تجاه عظمة الحق تعالى ولا تناهيه، بأنه صفر ولا شيء إلى المطلق غير المحدود، ويملّك ذاته هذا المعنى. فالكاملون الذين توغل هذا الفكر في طبعهم، وبه بلغوا فطرة ثانية، هم متواضعون في علاقاتهم مع الناس وفي محويّة معهم مع الرزانة التامة. أجل، إن الذين حدّدوا موقعهم أمام الله سبحانه، هم في توازن دائمي سواء في حياتهم الدينية أو في علاقاتهم ومعاملاتهم مع الناس أو في مراقباتهم النفسية الخاصة بهم:

  1. فهم في تواضع ومحويّة تجاه الدين، فلا إشكال لهم، لا بمنقوله ولا بمعقوله. لأنهم في استسلام تام له وإذعان بكل ما ثبت بالبيان القرآني النير والسنة الصحيحة والحسنة، لا يعارضون ما بلّغه الرسول r ولا سيما ما ثبت من أفعاله، حتى لو رأوا ما يخالف العقل والقياس والذوق والسياسة. علماً، ليس في روح الدين ما يخالف العقل القويم والقياس الصحيح والذوق السليم والسياسة الشرعية.

وعلى هذا الأساس، فما يقال: “يُرجَّح العقلُ على النقل إذا تعارضا” لا حظّ له من التواضع. فكما أنه ثرثرة أنانيين لا يعرفون المحمل الحقيقي لهذا الكلام، فإن فكراً: “يُقدِّم الرأيَ والقياسَ على النص” انحراف. والأذواق والكشوفات والكرامات الخارجة عن طريق السنة الشريفة استدراج.

  1. وهم كذلك يعتقدون أنه لا سماح حتى لأصغر البدائل في تمثيل ما عُرّف بالتبليغ؛ لذا فهم منغلقون كلياً على ما هو خارج عن بيان الشارع الجليل. وإذا ما عرضت لأذواقهم ومداركهم ملاحظات مختلفة يؤوّلونها بقصر باعهم في الأمر ويجابهونها:

وَكَمْ مِنْ عَائِبٍ قَوْلاً صَحِيحًا     وَآفَتُهُ مِنَ الْفَهْمِ السَّقِيمِ

  1. وهم كذلك مدركون تمام الإدراك أن لا خلاص في السبل المخالفة للكتاب والسنة. ويجدون أعظم منابع قوتهم في العبودية لله. وفي الحقيقة لن يكون العبد عبداً لله حقاً ويكون لما سواه مسترقاً، فالذين لا يستطيعون النجاة من ذل العبودية لغير الله لا يُنتظر منهم العبودية الخالصة لله. وما أجمل ما قاله بديع الزمان النورسي: “أيها الإنسان! إن من دساتير القرآن الكريم وأحكامه الثابتة: أن لا تحسبنَّ ما سوى الله تعالى أعظمَ منك فترفعَه إلى مرتبة العبادة، ولا تحسَبنَّ أنك أعظم من شيء من الأشياء بحيث تتكبّر عليه. إذ يتساوى ما سواه تعالى في البعد عن المعبودية وفي نسبة المخلوقية”.( )
  2. إنهم لا يكلون ثمرات سعيهم إلى أنفسهم قطعاً، ولا يعدّون ما تفضل الله عليهم من قدم للامتحان تقدماً على غيرهم، ولا يجعلون بذل الجهد -بأية نية كانت- وسيلةً للتكبّر على الآخرين. ولا يعتمدون على حُسن ظن الناس بهم وتوجّههم إليهم ولا ينتظرون العِوَض، بل يعدّون حبّ الناس وتوقيرهم لهم ابتلاء من الله. فلا يستغلون إحسان الحق عليهم وسيلة تحكّم بالناس، لما يرون من أن ألطاف الله بهم وسائل منّة وأذى بمن حولهم.

الخلاصة: إن التواضع هو الباب الرئيس لقَصر خُلُق الله. فهو أيضاً في مقدمة الوسائل للتقرب إلى الحق وإلى الخلق. فالوَردُ ينبت في التراب. والإنسان محصول الأرض لا السماء. والمؤمن أقرب ما يكون إلى الله في السـجود عندما يكون الرأس والقدم معاً في موضـع واحد.( ) وقـد كُتبت في مستهل الدعوة السماوية الموجهة إلى سـيدنا محمد r، كلمة (عَبْدِهِ) رمـزاً لتواضعه ومحويته.

اللّهم وفّقنا إلى ما تُحب وترضى،

واجعلنا من عبادك المتواضعين. آمين

فهرس الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts