تهفو نفوسنا إلى الأعياد، وتعتبرها ضرورة ماسة، ونحاول أن نشعر بهذه الأيـام المباركة بكل عمق وبكل هبـاتها وهداياها وألطافها… وتتصاعد مشـاعرنـا وانفعالاتنا بالتكبيرات والتهليلات… ويتطهر عالمنا الداخلي بالاستغفار… ونلقي بفرح ونشوة جميع همومنا وأحزاننا جانبا… ونتنفس بالمدائح النبوية والأناشيد الدينية وبصورِ وأنواع المناجاة التي تشكل بُعدا من أبعاد ثقافتنا. وما أكثر الألحان التي نستمع إليها دون كلمات أو أبيات في هذه الأيام الخصبة الغنية! أما الذين بقوا بمشاعرهم وأفكارهم على صلة بجذور هذه الأمة وبمعانيها وبقيمها، فإنهم يحسون طعما آخر ومعني آخر في هذا الشريط الزمني الزاخر بالألوان. وسـواء أكان المحتفلون بالعيد جالسين على الفرش والوسائد في خيامهم، أم جالسين قرب مواقدهم أو مدافئهم المتواضعة، أو جالسين في ظلال أغصان أشجار حدائقهم وفي حضن بساط أخضر، أو في غرف رحبة وصالونات واسعة في قصورهم، يشربون الشاي والقهوة، ويتناولون أنواع الحلوى… في كل هـذه الأجـواء يفوح عطر الاحتفال بالعيد في كل مكان، وتنتشر فرحة العيـد فوق جميع الرؤوس. الأصوات الدافئة والكلمات التي نسمعها في هذا الجو الحريري للعيد، تمس القلوب المملوءة بالإيمان، والمطمئنة به حتى تصل إلى أعماق تاريخنا المجيد مثيرة لدينا تداعيات كلٌّ منها بقيمة هذا العالم.

الأطفال وأفراح العيد

ينتهز الأطفال سـاعات العيـد ودقائقه المفتوحة على الجميع والمتميزة بالمسامحة ليشاركوا بعواطفهم الجياشة وبأصواتهم التي تشبه زقزقة العصافير وتغريد البلابل التي تنتقل من غصن لغصن فيلعبون ويمرحون في جو العيد حتى منتصف الليل حتى ينال منهم التعب بعد قيامهم بحركات لا تخطر على البال. وهكذا يجعلوننا نعيش عيدا داخل العيد.

العيد وتقوية العلاقات الإنسانية

الأعياد أكثر المناسبات العملية لتقوية العلاقات الإنسانية، وأفضل أرضية للأذواق القلبية، وأفضل جو لنشر المحبة والتعاون والامتزاج، وأفضل مسرح لسماع أدبيات الحوار والتساند. وفي ساعاته ودقائقه الزرقاء زرقة السماء نستمتع -بجانب جميع اللذائذ الجسدية المشروعة-ونأخذ نصيبنا من موائد الفكر والمشاعر ونستمع إلى تناغم أرواحنا. أما عندما نؤدي عباداتنا وطاعاتنا بإحساس وشعور… وعندما تحيطنا التكبيرات والتهليلات من كل صوب، ويأتي العيد بطعمه الفريد، ومذاقه الخاص، وجوه المتميز، وينسكب إلى أفئدتنا موجة إثر موجة، لتغرق أرواحنا بجو الآخرة… عند ذلك نشعر بأن القيود التي تربطنا مع هذه الدنيا الفانية ترتخي وتنحل قيدا إثر قيد، ونحسب أنفسنا وكأننا في عالم آخر جديـد… نحسب هذا ونرى أن كل دقيقة مستثارة بالبهجة في العيد تنـزل كغيث من رحمة الله على قلوبنا الظامئة للعيد منذ سنوات، ليغسل جوانب أرواحنا التي يبست ويرطبها، ويصبح سورا يحافظ على زهور الأمل المتفتحة في أعماق صدورنا، وينفخ فيها الحياة.

العيد وإشباع الأذواق الأخروية

نحن نرى على الدوام أن الأعياد بالنسبة لأصحاب القلوب المؤمنة تقوم بإشباع أذواقهم الأخروية، وأشواقهم القلبية، ووَلَعِهم الذي لا يعرف الفتور، وآمالهم في الحياة الأبدية الخالدة. ومن يدري عدد الأشواق التي نصل بها إليها. والحقيقة أن من الصعب للمؤمنين معرفة ما تحس به قلوبهم في الأعياد وما يشعرون بـه، ويشعرون بصعوبة التعبير عنه. لأن من الضروري لفهم الأحاسيس التي تسكبها الحياة -ضمن تجلياتها الأخرويـة-في الصدور الطاهرة، الشعور بهذه النسمات بدرجة شعور هذه الصدور والبلوغ مبلغها في هذا الأمر.

العيد والفرح الوقور

يتم تلمس أسـلوب سـحري في تصرفات المؤمنين في الأعياد، وفي سلوكهم المتوازن المطبوع بطابع الوقار، وفي نظراتهم العميقة، وأحاديثهم التي تفوح بالإخلاص حتى كأنك تستمع إلى حوار سحري من حوارات الجنة. أجل!.. إن هؤلاء الذين يفهمون جـو الأحاسيس الخاصة بالأعياد، بعد القيام بإيفاء وظائفهم ومسؤولياتهم، يبدون نضجا وسعة أفق إلى درجة أن كل نظراتهم تحمل على الدوام عمقا ربانيا، ويحمل كل تصرف من تصرفاتهم وكل حركة من حركاتهم وسكناتهم جدية سـاحرة، ويحمل صمتهم شيئا وراء هذا العالم، وبسماتهم لطافة دافئة. كل واحد يأخذ -حسب درجته-نصيبه من سحر العيد، حيث يمكن سماع هذا من كل مؤمن وملاحظته في وجه كل واحد منهم. يمكن هذا لأن أغلبية هؤلاء الناس هم من الذيـن لم يتيسر لهم التعلم والقراءة ولم يتلقوا تثقيفا جديا. ولكن ترى عليهم آثارا غنية من مكتسبات التكايـا والزوايـا والمدارس الدينية الأهلية والمدارس الرسمية، ويملكون غنى روحيا على الدوام، ويتصرفون على ضوئه. ومعظم هؤلاء على درجة كبيرة من الارتباط بالإسلام، ويتمتعون بدرجة كبيرة من الإخلاص، حتى كأنهم ليسوا أناسا عاديين، بل موازينَ دقيقة تزن كل قيم تاريخنا المجيد، ويمثلون حراسة حية للخزانة البلورية لهذه القيم المتجمعة فيها طوال عصور عديدة من التاريخ. ونحس في سلوكهم وتصرفاتهم بلذة ثمرات الجنة وبسكينة سفوح الفردوس وحلاوة مشاهدة الجمال الإلهي. نظراتهم جدية في كل شيء، وبنية تفكيرهم متينة في كل مسألة. وهذا يظهر كيف أن أعماق أرواحهم لا تزال محافظة على جذور عميقة من المعاني، مما يهمس في قلوبنا مجد الماضي وأمل المستقبل. لأن هؤلاء بتواضعهم وعزة أنفسهم وإخلاصهم وحالاتهم الروحية الممزوجة بالحزن والبهجة يقدمون أنموذجا غير موجود في الأمم الأخرى. في مظهرهم العام ترى -بجانب الألوان الخفية الناتجة عن الانتساب لأمة مجيدة ذات تاريخ عريق-صفات الأرواح التي نضجت بالقرآن من جدية ووقار. وقـد لا ينتبه بعضنا لهذا، ولكن الأمر هكذا، لذا فالنغمات التي تنساب من نظراتهم وتنسكب إلى أرواحنا على الدوام تعكس أصداء واسعة في أعماقنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن، ترانيم روح وأشجان قلب، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة

ملاحظة: عنوان المقال، والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.