يجب على الأب والأم أن يتفقا أوّلًا على تنشئة الولد الصالح، فالأمُّ إذا لم يكن لديها استعداد لتربية الطفل، أو كانت على استعداد لكنها امتنعت عن تحمل المسؤولية، والأبُ إذا كان لا يكترث بمشاكل أولاده؛ فإن مصير أولادهما الذين يقعون تحت وصايتهما هو اليُتْم، وإن كان الوالدان على قيد الحياة.

الأمهات منبع الشفقة والحنان

لقد زوّد الله سبحانه وتعالى الأمّ بالشفقة والرحمة، والرقّة والحساسية، وجعلَ تربية الأطفالِ جزءًا من طبيعتها؛ ومن ثمّ فإن عليها أن تستثمر هذه الطاقة الكامنة في روحها في سبيل الارتقاء بأطفالها إلى الإنسانية الحقيقية؛ لأنها بمقتضى هذه الفطرة معلِّمة، ومربية، ومرشدة، وأعظم مهامّها تربيتها لأولادها، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ الله بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ”[1]، وهذا الحديث يبرز بشكلٍ جلي الدور الرائع الذي تضطلع به الأم في تربيتها لطفلها.

على الأب والأم أن يتفقا أوّلًا على تنشئة الولد الصالح

الآباء أبطال التحمل

وإذا كان على الأم أن تؤدي ما تقتضيه الخصال التي زُوّدت بها فعلى الأب أن يكون حذرًا دقيقًا كيِّسًا واعيًا على الدوام وفقًا لما تقتضيه فطرته ومكانته. إن الرجل بما أوتيه من بنيةٍ مختلفةٍ وقوّةٍ وتحمُّلٍ مهيَّأٌ للقيام بأعمال أخرى، وفي الواقع فإن الرجل لم يزل هو ذاك الذي تناط به المسؤوليات الخاصة، بدءًا من تقطيع الأشجار في الغابة، وحرث الأرض وزرعها بالشعير والقمح وحصادها، حتى الاشتغال بأشقّ الأعمال في التشييد والبناء أو المصانع، وفي رأيي أن الرجل الذي يستطيع أن يتحمّل مثل هذه الأعمال الشاقّة بجسده وإرادته، عليه أن يحافظ على مكانته، وألا يشتغل بأعمال النساء، ولا يجعل امرأته تشتغل بأعمالٍ تتجاوز طاقتها.

الشفقة رابطةٌ فطرية يقرؤها الطفل في وجه أمه، ويجدها على صدرها، ويشعر بها في حِجْر أبيه.

فضلًا عن ذلك فإن الرجل هو مثالُ التحمّل، ولكنه ليس بطلَ الشفقة، فالشفقة هي أهم خصال المرأة إذ هي التي حملت ولدها في بطنها تسعة أشهر، وهي التي تحمّلت الكثير من المعاناة عند ولادتها لطفلها، وتجشّمت الصعاب في تربيته، فإنْ أنَّ ليلًا نهضت على الفور لنجدته، وإن بكى ضمّته إلى صدرها؛ إنها تعيش ليحيا الطفلُ انطلاقًا من انسياق وشوق نابعين من فطرتها، وهكذا فمن الممكن للرجل والمرأة أن يقيما بترابطهما الأسري عشَّ زوجيةٍ يحاكي قصور الجنة، ويشاهدان من خلاله جماليات الآخرة.

المربيات والحضانات ليست بديلا

في الغرب يعمل كلٌّ من الزوج والزوجة، وحينذاك يعهدان بالطفل للغير أو الحضانة، وإنّ المرأةَ حينما تقوم بالعمل إلى جانب الرجل فإن أولادهما سيتعرّضون للوحدة وعدم الرعاية، وسيتلمّسُ الأبوان لأنفسهِما أعذارًا وحججًا قائلين: إنّ مَن أودعْنا عندهم أولادَنا أولو خِبرةٍ ورحمة، وسيُحسِنون رعايةَ أبنائنا أكثر منا…إلــخ، والحقُّ أنّ هناك متطلّباتٍ أخرى يحتاجها الطفل لا يجدها في غير أبويه.

قد يغسلون ملابسَ الطفل، ويراعون الدقّةَ في مواعيد تناول طعامه، فإن أراد أن يلهوَ خرجوا به إلى الملاهي ليلعب فيها، لكن مَن يفعل هذا لا يمكنهم أن يكونوا أمًّا أو أبًا ألبتة، ولا يقدرون على أن يمنحوه الشفقة التي يحتاج إليها، فالشفقة هي رابطةٌ فطرية يقرؤها الطفل في وجه أمه، ويجدها على صدرها، ويشعر بها في حِجْر أبيه، وليس هناك شيء يُشبع الطفل سوى هذا الشعور.

يجب على الأبوين أن يجعلا البيت حصنًا منيعًا ضدّ المساوئ المفاجئة والمخاطر المحتملة

من أين يتعلم أطفالنا القسوة؟

ولنضع الآن جانبًا الأطفالَ الذين يَعهد بهم ذووهم إلى الحضانات ولنتناول الأطفال الذين أسلمتهم أُسَرُهم في سنّ الصغر لحرفيٍّ في ورشةٍ ما، فإن كان هذا الحرفيّ قاسيًا غليظَ القلب انعكس ذلك على الأطفال الذين يُعانُون من قسوته باستمرار، فيَنشؤون على القسوة من غير أن يشعروا بذلك، لا يتورّعون عن التعامل بغلظة مع آبائهم وأمهاتهم، فضلا عن الأجانب، فإذا كان فعل هؤلاء الناس غلاظ القلوب سيؤثّر سلبًا على الأرواح الرقيقة لهؤلاء الأطفال الأبرياء، ويولّد هذا القدر من النتائج السيئة في مرحلة الصبا فليس من العسير أن نجزم بالحالة التي سيكون عليها هؤلاء الأطفال الذين أسلمناهم إلى الآخرين منذ نعومة أظفارهم.

لا تلدوا للموت ولا تبنوا للخراب

في فترة ما كان هناك شبابٌ درسوا في الجامعة، بل تزوّدوا بالماجستير والدكتوراه إلا أنهم وقعوا في براثن البؤر الإرهابية؛ فنشأ جيلٌ قاسٍ بلا رحمة أو شعور، أبكى أبويه، وأحرق فؤادهما، غير أن هذا لا يمكن أن يتخذ ذريعة لعدم تعلمهم وتشجيعهم على العلم؛ إذ إن أولئك كانوا على خلاف القاعدة؛ فلا أحد يربّي ابنه لكي تتلقّفه رصاصة فتقتله، أو يزعزع من أمن المجتمع، ولكن قد لا يمكنه أن يحول دون انجرافه إلى التيارات غير المتوقعة، ولذا يجب على الأبوين أن يجعلا البيت حصنًا منيعًا ضدّ المساوئ المفاجئة والمخاطر المحتملة، وألا يسمحا بضياع أولادهما، وطريق هذا هو اتخاذُهما من التربية الأخلاقية هدفًا لتربية أبنائهما.

على الوالدين ألا يسمحا بأن يتعرض الطفل لفراغ عقلي وقلبي وشعوري ومنطقي

خطر الفراغ

والحاصل أن على الوالدين أن يبذلا وسعهما من أجل تنشئة جيلٍ حساس واعٍ، وَفِيّ لوطنه وأمته ودينه، وألا يسمحا بأن يتعرض هذا الطفل لفراغ عقلي وقلبي وشعوري ومنطقي، فلو أن الأبوين متدينان متصلان بالقرآن، ويعرفان قواعد الإسلام فسينشأ الأطفالُ بإذن الله تعالى واعين يسطع بهم نجمُ مستقبلِ أمتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] سنن الترمذي، البيوع، 52.

المصدر: من البذرة إلى الثمرة، دار النيل للطباعة والنشر

ملحوظة: بعض العناوين وبعض العبارات من تصرف المحرر.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.