إن سادتنا الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم كانوا يلتجئون إلى الله تعالى، ويعتمدون عليه عند لقاء العدو:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ: 3/173) أجل، قال سادتنا الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا “حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” في موضعٍ يستدعي خوف الإنسان ووجلَه وقلقه وحيرته في الظروف العادية، وكانوا يترقبون لقاء العدو وهم في حالة تحفزٍ قصوى.

وعلى القلب المؤمن أن يلجأ إلى الله تعالى وقت الظفر والنجاح كما يلوذ به وقت المصائب والكوارث، وهذا يعني أن مدى الكمية والكيفية في مسألة الحسبلة يختلف من شخص إلى آخر؛ فمنهم من يقول “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” في المصائب أو المشكلات المعضلة فقط، ويتوجه إلى الله تعالى بهذا الذكر عندما يقع في ورطة وتنقطع به السبل، فتُحَلّ مشكلاته بإذن الله وعنايته ومزيد فضله وإحسانه؛ ومنهم من يقوله على الدوام، ويلجأ إلى حول الله وقوته صباح مساء، لا سيما من انكشفت له الآفاق، وسما فبلغ أفق السر والروح، فإنّه يغدو وكأنه يشعر بأثر قدرة الحق تعالى حتى في أدنى أموره الخاصّة.

اللهم مُنّ علينا بأن ننسج كلّ لحظة من حياتنا أوشحةً نورانية من السُّنة السَّنيَّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

أجل، إنهم يعيشون في معارج “حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ” وإنْ في أيسر الأمور التي يُعتقد أن تحلّها الإرادةُ الإنسانية في الظاهر، مثل نظم الخيط في الإبرة أو وضع اللقمة في الفم، بل إنهم يفكرون أحيانًا كالجبرية المتوسطة، ويقولون بـــ”الاستطاعة مع الفعل”، وليس لهم من أفعالهم سوى القصد والمَيْل بل سوى التصرف في المَيل، ويكررون على الدوام: “لا خالق إلا الله”؛ وهذا في الحقيقة تعبير عن التوحيد الخالص.

والحقّ أنّ اتباعنا للسنة النبوية الشريفة بأن نكرّر سبع مرات في أدعية الصباح: “حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ” يدلّ أننا أعلنّا أنه سبحانه وتعالى هو وكيل كل شيء، الكفيلُ بحلّ ما يعرض لنا من مشكلات نهارًا، فإذا ما أقبل الليل وكررنا هذا الدعاء مرة أخرى نكون قد استودعنا ذا الرحمة الواسعة ليلَنا.

اللهم مُنّ علينا بأن ننسج كلّ لحظة من حياتنا أوشحةً نورانية من السُّنة السَّنيَّة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.

**************

المصدر: شد الرحال إلى غاية سامية، فتح الله كولن، ترجمة عبد الله محمد عنتر، وعبد الرزاق أحمد، دار النيل، القاهرة،2015، صـ20-21.

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts