Reader Mode

سؤال: ما هي الغفلة، وما هي أنواع الذكر التي تمزّق حجبَ الغفلة وتجلو صدأها؟

الجواب: الغفلةُ هي الذهولُ والشرودُ، والسهوُ وقلّة الاكتراث، وعدم إدراك الإنسان لما يجري حوله، والعجزُ عن معرفة الأشياء بماهيّتها الحقيقية، بلهَ عدم القدرة على رؤيتها أو الشعور بها.. وبتعبيرٍ آخر: الغفلةُ هي عدم انتباه المرء للأمور التي ينبغي له القيام بها في الطريق الذي يسير فيه، والعيشُ دون وعيٍ أو خوفٍ من عاقبته.

وثمة عوامل مهمّة تعمل على تمزيق حجاب الغفلة؛ منها التدبّر والتذكّر والتفكّر والتأمّل.. فلو أمعنتم النظر في المؤلّفات البديعة للأستاذ النورسي رحمه الله لألفيتموها مشحونةً بمثل هذه العوامل التي تعمل على تمزيق حجاب الغفلة.

أجل، لو تفحّصتم في مؤلفاته لوجدتموه يَطّوّف بكم في أودية التفكّر المختلفة، وكلما قرأتم انفتحت آفاق بصركم وبصيرتكم، واستطعْتم دراسة وتقييمَ ما ترونه بشكلٍ سليم، ونفذت أحاسيسُكم ومشاعركم إلى أعماق قلوبكم، فتشعرون وكأن مشاعركم الغافية قد تيقَّظت من جديد وأن آليّة وجدانكم قد أخذت تتحرك فجأة.

ومن الأمور التي تُساعد على تمزيق حجاب الغفلة أيضًا العبادات إن أُدّيت بصدقٍ وإخلاص؛ فمثلًا الأذان الذي ينطلق من أعماق القلب يمزّق حجابَ غفلتكم ويوجّه أنظاركم نحو السماء، ويهيئكم للصلاة، وكذلك إن توجّهتم نحو المسجد سرتم إليه وقلوبكم مفعمةٌ بالحماس والانفعال، فإذا ما توضّأتم وتناهت إلى سمعكم الإقامة المشحونة بالصدق والإخلاص أو سورة الفاتحة التي يتلوها الإمام بصوتٍ ينبعث من أعماق قلبه أخذتكم نشوةٌ كبيرة وانجذبتم إلى عالمٍ مختلف عن عالمكم، حتى إنكم تشعرون وكأنكم تتجوّلون في بعدٍ آخر من عالمكم الذي تعيشون فيه، ولا شك أنّ كلّ ذلك يُزيح حجابَ الغفلة عن قلب الإنسان وعينه بقدرٍ ما، ويوحّده مع ذاتيته.

تقاسمُ الانفعالات والمشاعر الغافية

أما عن أهم العوامل التي تمزّق حجاب الغفلة فهو ذكرُ الله .. فمن الصوفية مَن يذكر الله تعالى عن طريق ذكرِ كلّ اسمٍ من أسمائه سبحانه وتعالى أو كل صفةٍ من صفاته على حدة أو يأتي بعددٍ منها ويذكرها مرة واحدة.. وكل طريقةٍ صوفية لها مناهج وأساليب خاصة بها، ويمكن أن يقال إن هذه المناهج والأساليب تُحدث تأثيرًا مختلفًا في كل شخص على حدة، فمثلًا نجد بعضهم يمسكون بأيدي بعضهم بحيث تكون الأكتاف حذو بعضها ويشكلون حلقة الذكر، ثم يأتي كبيرهم ومرشدهم فيدخل فيما بينهم، ويشرعون في الذكر، ومنهم من يتخذ الخفاء مبدأً له وإن كان يشكّل مثل هذه الحلقات، فإذا ما أخذت الألسن تردِّد “لا إله إلا الله، سبحان الله، الحمد لله، والله أكبر”، وأمسكت الأيدي ببعضها تحقق حينذاك تقاسُم الانفعالات والمشاعر على نحو ما.

ومن المفيد هنا أن أُذكّر بأمرٍ يتعلق بالصلاة ذكرتُه من قبل في مناسباتٍ مختلفة: لو أن الإمام حين يتلو القرآن في الصلاة يُغمض عينيه عن كلّ ما سوى الله تعالى، ويُسلِم نفسه لشلالات العشق والهيجان فسرعان ما يسري ما لديه من انفعالٍ إلى المأمومين خلفه بقدرٍ ما، وعلى نفس الشاكلة فإن الخشوع والبكاء الذي يصدر من أحد المأمومين الذين ارتبطت قلوبهم بالله سرعانَ ما يسري صداه إلى غيره من المأمومين وتتحرك اليقظة لديه؛ لأن هذا البكاء الذي تجهش به تلك الروح المنفعلة إلى هذا الحد كأنه يقول: تيقَّظوا وعوا، وانسلّوا من الغفلة”.

لكن المهمّ هو الكيفية التي يجري الذكر من خلالها. أجل، إذا ما كان الذكر ناشئًا عن صدقٍ وإخلاص سرى هذا الأمر إلى الأفراد الآخرين، وأخذ الذاكرين من هذا العالم ثلاثي الأبعاد الذي نعيش فيه وذهب بهم إلى عالم آخر، وكأنهم يتجولون دون وعي منهم في أزقّة الجنة، فيشاهدون الحقّ تعالى ويتنزّهون في ربوع الفردوس؛ فإذا ما قال لهم ربهم: “أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي[1] يشعرون بأنهم قد حازوا الرضوان الأكبر.. وكل هذا يمزق حجابَ الغفلة ويكشف عن الأشياء التي لا بد للإنسان من رؤيتها، ويُشعر بالأشياء التي لا بدّ من الشعور بها، ويفرّج الباب أمام تعرُّف الإنسان على نفسه ووصوله إلى جوهره.

ولا شكَّ أن الذكر لا يعني ترديدَ اللسان بعض الكلمات، إنما هو عمليّة تفكّرية تنشأ عن ذكر بعض الأمور والتذكير بها، فمن الذكر مثلًا الحديث عن بعض الصحابة الكرام كمصعب بن عمير وسعد ابن معاذ رضي الله عنه، والتذكير ببطولتهما ورحلتهما إلى ربهما سبحانه وتعالى، فمثل هذا التذكّر يمزق حجاب غفلة الإنسان الغافل، ويُساعده على التيقظ واستطلاع نفسه، وتحرّي موقفها وتفسير حالها؛ وبذلك يستقيم سير الإنسان إلى معرفة الله سبحانه وتعالى.

ويندرج في قائمة الذكر أيضًا كل تذكّر وتدبّر وتفكّر في الأنفس مثل تأمُّل الإنسان في نفسه بشكلٍ صحيح، وتحري موقفها، والنظر إلى ما هي عليه وما يلزم أن تكون عليه، وتقدير المسافة بين هذا وذاك.

التذكير والجلسات الإيمانية

وأذكر هنا على سبيل المثال قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا أبي ذر رضي الله عنه:

“يَا أَبَا ذَر جدد السَّفِينَة فَإِن الْبَحْر عميق

وخفف الْحمل فَإِن السّفر بعيد

واحمل الزَّاد فَإِن الْعقبَة طَوِيلَة

وأخلص الْعَمَل فَإِن النَّاقِد بَصِير”[2]

وبما أن الله تعالى يرانا ويطّلع على حالنا فعلى الإنسان أن يفعل ما يفعله من أجل الله تعالى.

أجل، لا يليق بإنسانٍ يطّلع الله على كل أفعاله ويعامله على أساس ذلك في الآخرة أن يتردى في مثل هذه الغفلة، وعلى الإنسان ألا ينسى مطلقًا أن الموت “كَأْسٌ على كل الناس”، وأنه سيفٌ على رقاب كل العباد، فلا خلود لأحدٍ في الدنيا، فأمام الإنسان رحلة تبدأ من بطن الأم، وتستمر مع طفولته وشبابه وكهولته وشيخوخته وقبره، ثم ينتهي به الصراط إلى الجنة -جعلها الله مثوانا- أو إلى النار -حفظنا الله منها- ولا يمكن لإنسانٍ سلك هذه الرحلة العسيرةَ أن يسقطَ في الغفلة.

وفي القرآن الكريم يقول ربنا سبحانه وتعالى مخاطبًا رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/55)، والذكر الوارد هنا لا يعني الذكر الذي يجري على اللسان فقط؛ إذ إن الآية تأمر زيادة على قول “لا إله إلا الله” باتباع شتى الأساليب والطرق للتذكير بهذه الحقيقة الكبرى، كما تفيد الآية أيضًا أن مثل هذه الذكرى تنفع المؤمنين؛ بمعنى أننا في حاجة ماسة إلى مثل هذه الذكرى دائمًا، وإن شئتم فاربطوا هذا الموضوع بالجلسات الإيمانية، وحينها ستصلون إلى نتيجةٍ مفادها أن تذكير بعضنا البعض بشيءٍ من الحقائق أمرٌ يقع في إطار مسؤوليتنا، وبأداء هذه المسؤولية نصلُ إلى نتائج رائعة.

أجل، إن هذه الذكرى مهمة ونافعة للإنسان حيث تساعده على أن يظلّ بعيدًا عن الطيش ولغوِ الكلام، ولا تأخذه أحداث الساعة؛ لأن الأحداث الراهنة والموضوعات غير المجدية التي تستهويها النفسُ تبتلعُ الإنسانَ داخلها وتغرقه في ثناياها وكأنها الدوامة، فإذا ما أسلمتم أنفسكم إليها أخذَتْكم وأبعدتكم عن أنفسكم، فإن وقع ذلك تعرَّضتم لوعيد الآية الكريمة: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (سورة الْحَشْرِ: 59/19)؛ بمعنى أن الآية تقول: إن أنفسهم كانت بمثابة مرصد ومسرح ومشهد بالنسبة لهم، ولو أنهم استعملوها منظارًا ومجهرًا لشاهدوا بديع صنع الله سبحانه وتعالى والمرايا الخاصة بأسمائه ومظاهر تجلياته، ولكنهم استغرقوا في الغفلة فنسوا الله، فأنساهم أنفسهم، وحكم عليهم بأن يحبسوا أنفسهم داخل إطارهم الفكري والمنطق والجسمانية والبدن.

ومن هنا يجب على المؤمنين أن يحملوا على عاتقهم مهمة تذكير بعضهم بعضًا، ولو لاحظنا جاءت آية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
﴾ (سورة الذَّارِيَاتِ: 51/56) بعد آية “وَذَكِّرْ” مما يوحي بأهمية الأمر الذي ينبغي التذكير به، بمعنى أنه يجب على الأنظار أن تتوجَّه دائمًا إلى العبودية والمعرفة، كما لا بدّ من إفساح المجال أمام كلِّ فرد لأن يكون عارفًا بالله وفقًا لقابلياته واستعداداته، وأن ينظر ويرى ويفكر في الحوادث والأشياء بشكل مختلف، كل حسب درجته، والأحرى أن يُهيَّأ الفرد للسير إلى أفق التخلّص من الأمور التي حبس نفسه فيها، فيرى ما يُريه الله له، ويسمع ما يُسمعه الله له، ويشعر بما يُشعره الله له.

[1]  صحيح البخاري، الرقاق، 51؛ صحيح مسلم، الإيمان، 302.

[2]  الديلمي: الفردوس بمأثور الخطاب، 5/339.

فهرس الكتاب