Reader Mode

شبّ موسى عليه السلام في قصر “فرعون”، ومع تعوده على حياة القصورِ، إلّا أنه كان أيضًا رجلَ هجرة، ولو بحثنا في حياة الأنبياء لرأينا الهجرة سمتهمً المشتركةً. ولا شك أن أكبر مهاجر ضمن هؤلاء المهاجرين المباركين هو رسولنا صلى الله عليه وسلم،لأن الهجرة – مثل جميع الأمور- وصلت عنده إلى الذروة الكاملة، لقد جمع في عبوديته البداية والنهاية معًا؛ إنه كان يجمع بين مبتدأ العبادة ومنتهاها، وكان يشاركُ الأعرابيُّ في مائدته السماوية التي يرتادها ذاتُها جبريل عليه السلام، ولقد جرت هجرته صلى الله عليه وسلم على نفس هذا النمط.

 لا شك أن أكبر مهاجر ضمن المهاجرين المباركين هو رسولنا صلى الله عليه وسلم،لأن الهجرة وصلت عنده إلى الذروة الكاملة.

أجل، كانت هجرته من مكة إلى المدينة هجرةً شاقة ولكن ذات معانٍ عميقة. وكان صلى الله عليه وسلم يعاهد ويصافح وهو يشترط ويقول “على أن تهاجر”، بل كان يُنظر في تلك الأيام إلى من يتخلّف عن الهجرة دون مانعٍ على أنه منافق، لكن لمّا لم يتمكن الوليد بن الوليد وعياش بن ربيعة وسلمة بن هشام من الهجرة لبعض الأسباب المانعة سُمح لهم بعدم الهجرة، لقد كان هؤلاء الثلاثة فقط من السعداء غير المهاجرين لذا حاول صلى الله عليه وسلم ملء هذه الثغرة الخارجة عن إرادتهم بالدعاء لهم. كان يرفع يديه بالدعاء بعد الركوع: “اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ”[1]، وظل هكذا حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: 3/128). يدعو ربه؛ لأن هؤلاء كانوا من أوائل مَن أسلموا، كان عياش رضي الله عنه أخًا لأبي جهل من جهة الأم، ولكن ما إن نطق بالشهادتين حتى وُضعت القيودُ في يديه ورجليه والأغلالُ في رقبته، وقُيِّدَ بالحديد وتعرّضَ للإهانةِ والضربِ من قِبَلِ أخيه الأكبرِ أبي جهل، ومن قِبَلِ ابنه عكرمة الذي تشرّف فيما بعد بالإسلام وأصبح من أبطال اليرموك، وبقي عياشٌ رضي الله على هذه الحالة إلى أن دخل النبيُّ مكّةَ فاتحًا منتصِرًا.

أما سلمة بن هشام رضي الله عنه فكان أخًا لأبي جهل من قِبَلِ الأب، وقُيّد هو الآخرُ بالحديد في يديه والأغلال في عنقه، أما الوليد بن الوليد رضي الله عنه فكان الشقيق الأكبر لخالد بن الوليد رضي الله عنه، وابن الوليد بن المغيرة، والغريب في الأمر أن جميعهم كانوا من قبيلة بني مخزوم، لقد بذلوا كلّ ما في وسعهم للوصول إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والهجرة معه ولكنهم لم يستطيعوا التغلُّب على الصعاب والعقبات التي وُضعت أمامهم، لذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع يديه بعد الركوع في صلاة الفجر ويدعو لهم بالنجاة، وكان أحيانًا يدعو لهم في صلاة الظهر والمغرب والعشاء أيضًا.

 لقد كانت الهجرة مهمةً بالنسبة للرسول صلى الله عليه وسلم، إذ كان يوصي كلَّ مَن يصافحه بأن يهاجر، ويدعو لكلّ مَن عجز عنها بأن ييسِّرَ الله له الهجرة.

وعندما مرض “سعد بن أبي وقاص” رضي الله عنه في مكة بعد فتحها أخذه القلقُ والرعدة الشديدة، وأعرب عن قلقِهِ هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي عاده في مرضه هذا قائلًا له: “يَا رَسُولَ الله، بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى،… يَا رَسُولَ الله، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟”[2]، أي مع أن مكّةَ مقدّسة ومباركة إلا أنهم كانوا يقلقون خشية بقائهم بعيدًا عن أرض هجرتهم.

الهجرة عملٌ صالح يستجدي رضا الله تعالى؛ لأن المهاجر يتحمّل تضحيات كبيرة في سبيل الله.

————————————————————

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 263-265.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

 

[1] صحيح البخاري، الأذان، 126؛ صحيح مسلم، المساجد، 294.

[2] صحيح البخاري، المناقب، 110؛ صحيح مسلم، الهبات، 4.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts