ينبغي علي كل مسلم الإقتداء بالنبي ﷺ. وأن تغمره سجاياه النبوية الشريفة. ويبدأ ذلك بالإقتداء بفكره وسيرته، ودعوته ووظيفته، وفي لبها: الهداية والرحمة. وعظيمة كانت جهوده ومساعيه ﷺ، والمسلمين الأوائل الرامية لإنقاذ إيمان غيرهم.

لقد عاش ﷺ إلى يومنا هذا وسيظلّ فيما بعدُ في قلب كلِّ من آمنَ به كزهرةٍ من الجنّة، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على نفسِ الشاكلة.

فلم تكدْ المشاعر الدينية تلتهب في روحه ﷺ وأرواح صحابته الكرام حتى جعلوا غاية حياتهم نقل القضايا الدينية إلى الآخرين، وتمثل الدين، والأخذ ـ برحمةـ بأيدي الناس إلى الخلاص. ونحن مكلفون بالعمل الدءوب حتى يتحقق ما أمر به الدين، وهكذا فلو أدركنا ما نحن مكلفون به لأصبحت هناك حكمة لوجودنا ومعنى لحياتنا، وإلا كانت حياتنا فارغةً ووجودنا عبثًا.

إن لم تكن هناك خدمة للدين فلا معنى للبقاء على قيد الحياة.

حياته كلها للدعوة

لقد نال همً الدعوة منه ﷺ ما نال. وكثيراً ما سردَ القرآن الكريم: “فلعلّك”؛ حتى ينبهه، ويوجّه أنظارنا إلى قامته العالية السامقة… ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ (الْكَهْفِ: 18/6)؛ يعني أوشكتَ أن تُهلك نفسك… تنهض في الصباح فتشاهد الوجوه غير المؤمنة، وعند رُقادِك تتمثل أمامك أخيلتهم، وبهذا الشعور ينقصم ظهرُك همًّا وحُزنًا؛ فتنسى حياتك وتوشك على هلاك نفسك.

دع الأمر للقدر، وفوِّض الأمر إلى القادر، ومن إتلاف نفسِكَ حاذر: أيّها النبيّ إن روحَك عالية، وستصبح هذه الروح منهلًا يُهرول إليه الجميع بأقداحهم ليغترفوا منه ويروُوا ظمأهم… فلا تُزلزل عالَمك الفكريِّ، ولا تهلك نفسك فستؤتي دعوتك ثمارها مستقبلاُ، فوجودُك ضروريٌّ، وما عليك إلا أن تؤدّي وظيفتك، ولا تتدخّل فيما تقتضيه الربوبية.

كان ﷺ، يَئِنُّ دون توقُّفٍ لأنهم لا ينصتون لكلماته القدسيّة، ولا يتبعون دعوته الإلهية، ولا ينخرطون في هالتِهِ النورانيّة، حتى كاد أن يذوب ويتلاشى مثل الشمعة.

ومما يُستخلص أن الآلام والأحزان التي كابَدَهَا نبيُّنا ﷺ كان سببها تبليغ الحقائق العظيمة التي جاء بها، وكأنه كان مشحونًا بهذا الهمّ الدعوي على الدوام كسحابة محمّلةٍ بالمطر؛ لذا تجِدُهُ وكأنه لا يعلم بما يُمارَس ضدّه من أذًى واضطهاد، وكثيرًا ما كان يسأل أصحابه الأوفياء عمّا يجري حوله، فإذا ما سمع نحيبَهم وقف مدّةً يسيرة عند المسألة ليسرّي عنهم ويسلّيهم ثم يمضي مسرعًا.

ينبغي علي كل مسلم الإقتداء بالنبي ﷺ. وأن تغمره سجاياه النبوية الشريفة. ويبدأ ذلك بالإقتداء بفكره وسيرته، ودعوته ووظيفته، وفي لبها: الهداية والرحم.

لقد أُلقي الأذى على ذلك الوجه الشريف الذي لا تقوى الملائكة على استدامة النظرِ إليه خجلًا، ووُضع سلا الجزور على ذلك الرأس الشريف الذي طوّفَ بالملإ الأعلى، ونُثر الشوك تحت قدميه المباركتين اللتين لو اكتحلَتْ عيناي بالغبار الذي وطِئَتْهُمَا لكنت أسعد الناس حظًّا، ورُمي بالحجارة حتى سال الدم من قدميه المباركتين. ولما خَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ يومًا تَلَقَّتْهُ فَاطِمَةُ عِنْدَ بَابِ البَيتِ وَعَينَاهَا تَبْكِي، فَقَالَ لَهَا: “يَا بُنَيَّةُ مَا يُبْكِيكِ؟”قَالَتْ: يَا رَسُولَ الله، أَلَا أَرَاكَ شَعِثًا نَصِبًا قَدِ اخْلَولَقَتْ ثِيَابُكَ، فَقَالَ: “فَلَا تَبْكِي، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَ أَبَاكِ لِأَمْرٍ لَا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الْأَرضِ بَيتُ مَدَرٍ، وَلَا شَعرٍ إِلَّا أَدْخَلَ اللَّهُ بِهِ عِزًّا أَو ذُلًّا حَتَّى يَبْلُغَ حَيثُ بَلَغَ اللَّيلُ”(الحاكم: المستدرك، 3/163). وما ضيّعَ الله نبيه ﷺ، فلقد عاش إلى يومنا هذا وسيظلّ فيما بعدُ في قلب كلِّ من آمنَ به كزهرةٍ من الجنّة، ولقد كان الصحابة رضوان الله عليهم على نفسِ الشاكلة.

———————————————————

المصدر: محمد فتح الله كولن، الاستقامة في العمل والدعوة، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 39-42، بتصرف.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.