Reader Mode

لم يقم “علي بن أبي طالب” رضي الله عنه ببيعة أبي بكر رضي الله عنه مدة ستة أشهر وكان مَن حوله مِن محبيه يريدون منه المطالبة بالخلافة، وبعد انقضاء ستة أشهر وبُعيد وفاة فاطمة الزهراء رضي الله عنها جاء إلى المسجد النبوي وذكر أمام الحاضرين في المسجد بأن امتناعه عن بيعة أبي بكر رضي الله عنه مدة ستة أشهر لم يكن مبعثه معارضته له، وأنه جاء لمبايعته رضي الله عنه[1].

يجب أن يكون الإنسان وقافًا عند الحق، وكان الصحابة يطلقون صفة “الوقاف عند الحق” على “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه، فلم يكن يُقدّسُ أو ينحازُ لرأيه الشخصيّ أبدًا.

فعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ النَّاسَ فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ: “أَلَا لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْلُغُنِي عَنْ أَحَدٍ سَاقَ أَكْثَرَ مِنْ شَيءٍ سَاقَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَو سِيقَ إِلَيهِ إِلَّا جَعَلْتُ فَضْلَ ذَلِكَ فِي بَيتِ الـمَالِ “ثُمَّ نَزَلَ, فَعَرَضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ مِنْ قَرِيبٍ، فقالت: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَكِتَابُ اللهِ تَعَالَى أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَو قَولُكَ؟ قَالَ: “بَلْ كِتَابُ اللهِ تَعَالَى، فَمَا ذَاكَ؟ “قَالَتْ: نَهَيتَ النَّاسَ آنِفًا أَنْ يُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سُورَةُ النِّسَاءِ: 4/20)، استمع عمر رضي الله عنه بكلّ أدب إليها، والحقيقة أن نصيحته لم تكن خطأً إلّا أن حساسيته وأدبه دفعه إلى قول: “كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ “مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ لِلنَّاسِ: “إِنِّي كُنْتُ نَهَيتُكُمْ أَنْ تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ أَلَا فَلْيَفْعَلْ رَجُلٌ فِي مَالِهِ مَا بَدَا لَهُ”[2].

حاشا لله فما كان عمر رضي الله عنه يجهل دينَه، ولكن كان مفهومُه للحقّ وارتباطُه به عميقًا إلى درجة أنه لم يشأ أمام كلام تلك المرأة سلوك طريق التأويل أو الاعتراض، بل قَبِلَ الحقَّ بكلّ بساطة.

لم ولن تُنجز الأعمال الكبيرة والمهامُ الثقيلة إلا من قِبل أناسٍ على هذا المستوى، وكلّما كنّا قريبين من روح الصحابة اقتربنا أكثر من توفيق الله تعالى لنا.

 الموازين:

وفقًا لقَانون السَّبب والنتيجة؛ فإن ثقلًا معينًا في عهدٍ ما يحتاج إلى عضلات قويّة لرفعه، ويحتاج إلى نفس قوة العضلات لرفعه في عهد آخر أيضًا، فالأذرع الضعيفة تعجز عن رفع تلك الأثقال. فكما نحتاج لِنَـزِنَ كيلو غرام واحد إلى وضع كيلو غرام مثله في الكفة الأخرى من الميزان؛ فكذلك هذه القوانين ثابتة لا تتغير، فكما تحققت الحقائق الكبرى والغايات المثالية على يد أناس على نمط الصحابة رضوان الله عليهم، فهي تحتاج اليوم كذلك إلى مثل هذا النمط لكي تظهر اليوم وتنتصر.

أما انتظار انتصار هذه الحقائق وظهورها بوساطة أشخاص ضعفاء لا حول لهم ولا قوة فهو محال التحقيقِ لأنه ضربٌ من ضروب الخيال، إذًا علينا أن نكون كالصحابة في التزام الحقّ وفي الشعور بالوحدة ولمّ الشمل لكي يرى الأعداء أن أبواب الفتنة موصدةٌ أمامهم، ولا بدّ أن يقضي عليهم اليأس بينما نجيشُ نحنُ بالأمل، ولا يتمّ هذا إلّا إذا فرَرْنا من عبادة النفس إلى الالتزام بالحق، فهذا هو الطريق المؤدّي إلى الوحدة وإلى لمّ الشمل.

—————–

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 219-221.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

 

—————–

المصدر: محمد فتح الله كولن:”الاستقامة في العمل والدعوة”، سلسلة أسئلة العصر المحيّرة (3)، ترجمة: أورخان محمد علي – د. عبد الله محمد عنتر، دار النيل للطباعة والنشر، ط1، 2015، ص: 217-219 بتصرف.

ملحوظة: عنوان المقال والعناوين الجانبية من تصرف المحرر.

 

 

[1] صحيح البخاري، المغازي، 40.

[2] البيهقي: السنن الكبرى، 7/380.

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts