ونحن نولي وجوهنا شطر أنفسنا

صار هذا العصر عصر معضلات تواجهنا ونعيشها، ولا زال. وهنالك معضلة منها تلهي عن بقية المعضلات لعمقها ومقاومتها للدواء والمعالجة واستعصائها وعاجليتها إلى درجة لا يمكن إهمالها. هذه المعضلة العملاقة هي إهمال شعبنا، وشبابنا خاصة، لقيَمنا الذاتية. فإنها إن لم تعالج قبل فوات الأوان وبما يكفي عمقها وبأيدٍ ماهرة كفوءة، فسـتواجهنا معوقات غير متوقعة، وقـد تقع هزائم في مضمار النجاح، ويسَودّ مصيرنـا بحوادث مستجدة نصاب بها في مفاجآت غير منتظرة.

إن الدمامل التي ظهرت أمس في صـور الإهمال والغفلة واللامبالاة وضعف الكفاءة وأحلام التغير، صـارت أوراماً، ثم انتشرت في جوانبنا وأخضعتنا لنفسها، بمضاعفاتها السريعة والمتلاحقة… حتى استناخت خريفاً على كل شريحة من شرائح المجتمع، وسلبت منها ألوانها الأصيلة. فكم مرة تزعزعنا بهذه الأمراض وعشنا سوء الطالع بتغلبها علينا؟ وكم مرة حسبناها حظنا الأسود المحتوم وضوينا وضنينا؟ وكم مرة صرفنا كلمات غير مناسبة ضدها تنفيساً لغضبنا -مع مناقضتها لأسلوبنا-، أو قمنا وقعدنا غضباً إذ لم نجد قولاً مناسباً عنها، فلم نـزد على “لا حول ولا قوة إلا بالله”؟ وفي خضم هذا التلاطم، اكتوى بعضنا في دوامة الأحاسيس القاتلة هذه، واكتفى بعضنا بفضح أخطاء الخائضين في “اللوثيات”.

وكان ينبغي أن نحتضن أولئك بعرض حيـاة جديدة وندية في الأفق، واحترام حماسهم والتساهل مع هذيانهم ببعض المعاذير، من أجل امتصاص حرارة الشدة والغضب فينا، بل ومجاملتهم بالمداراة في بعض الأمور لإيجاد مناخ للتفاهم في الأمور المشتركة أصلاً… بدلاً عن اتهام خـط سيرهم وتخطئتهم. والواقع أن مجتمعنا يتحمل في مبناه أكثر من فكر وفهم وفلسفة معاً. لذلك، نرى في طريق مغامرتنا “الملّيّة” الخاصة، آثاراً موضعية لفرنسا، وتوقفاً عند المتلَقّيات الألمانية، ومجاراة لنمط الفكر الإنكليزي أحياناً، واليوم نجد نشوة مع الحرية الأمريكية، وفي كل الأحوال نضغط على السواتر الجانبية لطريقنا الرئيسي.

وكان ينبغي أن نحتضن أولئك بعرض حيـاة جديدة وندية في الأفق، واحترام حماسهم والتساهل مع هذيانهم ببعض المعاذير، من أجل امتصاص حرارة الشدة والغضب فينا، بل ومجاملتهم بالمداراة في بعض الأمور لإيجاد مناخ للتفاهم في الأمور المشتركة أصلاً… بدلاً عن اتهام خـط سيرهم وتخطئتهم.

هذه المفاهيم والتلَقِّيات والفلسفات تؤثر تأثيراً سـلبيا في ثقافتنا “الملّيّة”. لكن يمكن تقييم مثل هذا التنوع في كل الأحوال بالغنى والثراء. المهم عندي هو أن يحافظ الشعب على قيَمه الذاتية ودورانه في الفَلَك الذاتي. لكن الباعث للأسى أن المقتدرين على التقويم المفيد لهذا التنوع الثقافي، قد عجزوا عن التقويم والاسـتفادة، في الوقت الذي يُعّد كل منها عنصراً لطرح بديل مستخلص من تضاد الطرحين الآخرين. فصرنا نشبه أصحاب منجم أغرار يرون الطريق إلى منجم الذهب عبر الحجر والتراب فيحارون في مسيرهم إما بالالتهاء والتعلق بالحجر والتراب أو الوقوع في حرمان الذهول عن الأصل بظن ساحة المنجم التي يجولون فيها منجم الذهب بنفسه. وكم مرة حصلنا على مصادر للنور لم نستفد منها للتنوير، بل استحوذنا على النار واللهب منها وسببنا حرائق حيث نريد التنوير.

ومن العجائب أن فينا من إذا علم مقدار قطرتين استخف بالآخرين، أو استطاع أن يفكر مقدار قطرة ظن نفسه فيلسوفا! وإن من مثّلَ القوةَ وضع العقل والمنطق في الحرز والاحتياط وانطلق في طريقه تحت وصاية القوة العمياء، وإن السياسيين جعلوا غايتهم التحزب ورهنوا كل شيء بالأحزاب، فافتدوا كل شيء للتحزب، وعجزت فعالياتنا الاقتصادية والسياسية والثقافية عن الانفلات من شِباك الدائرة الفاسدة لدور “التعارض والتساقط” بسبب الحسد والتنافس والبَرَم بالآخرين، وحتى الفتيان تضاربوا منذ نعومة أظفارهم بأغصان الزيتون التي يحملونها أو بالدمى الناعمة المصنوعة من الريش، وكأنها عصي، وصرف الشـباب اندفاع الحركية في أرواحهم إلى مجريات ضد “ملّتهم”، فهدموا وخربوا روح “الملّة” بدلاً عن تعمير اعتبارنـا المهزوز وكرامتنا المنكسرة.

فلماذا كل هذا؟ لماذا لا نتحابّ وفي إمكاننا أن نتحابّ؟ لماذا لا نقيم خلّة وصداقة دائمة؟ لماذا لا نتقاسم الفرح والترح، والسرور والحزن؟ هل المجاهدة والغيرة على فتح القلوب أشد علينا من الكفاح في ميادين الحرب؟ أم أن أثمن مضغة في الإنسان، وهو القلب، موصد الأبـواب بوجه الحب والتسامح والاحتضان والتقبل والتقاسم، ومفتوحة للبغض والحقد والغلظة والبرم وانحصار الفكر؟ كلا…كلا! قسماً بالله خالق القلب إن أثمن عمق وأغنى جانب في الإنسان، لا يمكن أن يبقى مغلقاً بوجه الفضيلة بهذا القدر، ولا مفتوحاً على اللوثيات بهذه الدرجة!

لماذا لا نتحابّ وفي إمكاننا أن نتحابّ؟ لماذا لا نقيم خلّة وصداقة دائمة؟ لماذا لا نتقاسم الفرح والترح، والسرور والحزن؟

إن أعظم الفاتحين في الدنيا، بدأوا كل عمل، من أول وقفة للفتح، وأعني القلب. ثم انتشروا من هذا الميناء إلى أصقاع الأرض في أربع جهات. فلولا أن دخلوا قلب الإنسان في الأناضول، لما تحقق الظفر في “ملازكرت”… ولولا الإحساس بالأمل في خفقان صـدور الفتيان الشجعان المحاصرين لإسطنبول، لما أخمدت المدافع المدوّية من خلف السور نار بيزنطة. نعم، إنها شبكة الشفقة والمحبة التي تظهر في قلوب المؤمنين كحسٍّ أو تعلّقٍ، ثم تسري في الصدور كلها وتملؤها، حتى إذا بلغت خيوطها أرضاً، هرع الناس إليها بقلوبهم، فتتقدم إليهم بدلال، وتستجمع نفسها بدلال، تروي لمن تضمهم إلى صدرها أساطير المحبة.

فمن أين نفذ فينا الحقد والبغض والعداء والبرم، ما دام تاريخنا بريئا من هذه الأمراض؟ لماذا يبغض بعضنا بعضاً، وننصب الفخاخ لبعضنا، ونفترس بعضنا افتراس الذئب؟ بـل لماذا نحرم الحياة بعضنا على بعض؟ مع أننا منذ قرنين نكنّ إعجابا وحباً عميقاً لفرنسا وألمانيا وإنكلترة وأمريكا، وأخيراً لليابان؟! أم أننا مصابون بمرض في “الشخصية”؟ وإلاّ، لماذا نقول بلسان الحال “لا خير فينا! فلنلجأ إلى الأرواح الأجنبية!” فنطرح القيم التاريخية لألف سنة في القِمة كطرح القُمامة، ضحية للأحلام والتخيلات؟

فلنستمر نحن في ابتكار معضلات عبثية من العدم والفراغ… ولكن إبان ذلك، نشأت أجيال عديدة بلا مستند وفَلَك وعرفان وفكر، وبدهي بلا مِقْودٍ ولا رُبّان، في ظل الأهواء والرغبـات وخيالات الأحلام! فاقدةً ملاحظاتها الميتافيزيقية، غائبةً عن صورتها وشخصيتها “الملّيّة”، هائمةً عُمراً في وهم أن تجد جواباً عن سؤال: “من أنا” في الاسمال التي استَجْدتها من سبع عوالم! فبقيت مضطربة في أسْر مَدِّ المادة وجَزْرِها، وعاشت بلا لسان ولا قلب، وخلطت أحيانا الديـن بالأساطير، وفدت الأخلاقية في مراسـيم الترحيب بالإباحية، وصبغت تلَقِّيات الفن بلون الشهوة، وحولت الشعر والموسيقى إلى رضاب يسيل من فم البذاءة… ثم وجدت نفسها في وسط الساحة القاتلة التي يتصارع فيها خمسون نوعاً من هذه الأغلاط! وبدهي ألا تكون النتيجة إلا كهذه!

فلا غرو بعد ذلك أن يعتدي هذا الجيل على اليمين والشمال، ويستخف بماضيه، ويضيع ثقته بنفسه وثقة الآخرين بـه زيادة على تضييع إيمانه، ويتجرع آلام الحسرة على الحب زيادة على مشاعره الإنسانية. بل ويعهد بتربية الأبناء إلى الأيدي الأجنبية في هذه المرحلة، ويَشُبّ فكره كأطفال في المدارس الأجنبية… هم منكوبو البعد والقرب، القريبون من الأغيار، فهم أدنى إليهم من أنفسهم، وهم الذين يحسون بحرارة بعضهم لتداخلهم، لكنهم تقشعّر جلودهم في برد التواصل بينهم. هؤلاء هم الذين انخرق إيمانُهم بألف شبهة وتذبذب، ثقتهم مهزوزة الأساس، آمالهم شذر ومذر، قلوبهم كوادٍ نضب ماء مجاريها… مشاعرهم الإنسانية في عهدة الحقد والبغض والعداوة، وقلوبهم الخاوية ساحة جولان المخاوف… مستسلمون لغياب الأهداف والغايات مَدّاً وجَزْراً، ومدحورون لمسافات غيابها قصراً وطولاً، آفاقهم مدلهمة السـواد، يعانون صعود الصعاب حتى في الهبوط! مسلوبو اللب والعصارة كأنهم قائمون بقشورهم وحدها… صاروا في حال مقزِّزٍ في كل شيء!

والواقع أن نفخ الحياة في هذه الجنازة الحية عسير. لأن مثل هذا الجيل قد صار غريباً عن حياة من نوع حياتنا، ومخالفاً لقيمه الذاتية. ومع كل ما فيه، فإن واجب النهوض به ملقىً على عواتقنا. ونحن نؤمن بأنه سينتفض على قدميه كسامع نفخة الصور، ويهتف بِجدّ إقبال وجوده كرّة أخرى، عندما تحيي المشيئة الإلهية إرادتنا. نعم، لـن يكون عملاً يسيراً ملء الفجوات والخلال المنفرجة في بناء المجتمع وإصلاح ما فسد وعطب بعد قرون من الإهمال الوبيل. لكن ورثة الأرض لفكرٍ غيّر إدبـاره وإدبار المظلومين والمغبونين الذين في وصايته إلى الإقبال مرات عديدة، سـيجتازون محنة هذه العوارض المهولة… فيقيمون جنات عامرة لغيرهم في جدب دنياهم. وسيملأون الفجوات والخلال في المجتمع الذي اُمُروا بنفخ الحياة فيه برحاب التسامح، وسينظرون إلى قصور الآخرين بالعدسة المصغِّرة التي تصغّر خطاياهم أنفسهم، وإلى أخطاء الآخرين بتحكيم وجدانهم الذي يعترف بأخطائه، وسيرشِدون إلى بدائل كثيرة لتخليص غيرهم من الأخطاء بمهارة حكيم ماهر لا يُشعر مرضاه بمرضهم، ومن غير تأنيب لأرواحهم أو إيقاعهم تحت ظلم الإشعار بأخطائهم.

ومن غير المتصور بداهة أن يتغير كل شيء في مجتمع يتعرض منذ قرنين إلى الانقلاب في القيم والتعويد على العوائق والمثبطات بحملة واحدة من خوارق الكرامات! فليس يسيراً أن يحل الإيمان محل الإلحاد، والانضباط محل الانفلات، والنظام محل الفوضى، والأخلاق محل اللااخلاقية والعشق الإلهي وحب “الملّة” محل الشهوة. نعم، ليس يسيراً إزالة آثار السنين وانتزاع الإلحاد الذي نصب عرشاً وسـط سـرادق الإيمان، واللامبالاة التي قلبت القيم الأخلاقية رأساً على عقب، واللامفيد الذي أثيرت وحشية شهيته بمنحه مكاسب على حساب الحياة المنضبطة، ثم إحلال القيم التي يريدها الله تعالى ويوصي بها رسوله صلى الله عليه وسلم محلها. فمنذ سـنين تهشمت المعايير التي تجعل من المجتمع مجتمعاً بحق، بل تحول المجتمع إلى ركام بشر، في العالم كله ونحن معه، بالأيديولوجيات المنحرفة، والتَلَقِّيات العبثية، وهذيان التمرد والعصيان… فانتُزِع حس المسؤولية من القلوب وسُـقيت القوى الحيوية بأحاسيس البوهيمية. في هذه المرحلة المشؤومة التي جرجرت فيها خيالاتٌ وأحلامٌ تتبدل كل يوم الكتلَ البشرية خلفها، ألقى من ألقى نفسه في تيارات مجهولة العواقب، فقالت أرواح منفلتة: “كم سـنة وأنا مكتوف اليدين!” وقالت جِبِلاّت هوائية: “كم استحييتُ من أمور غير جديرة بالحياء! ليتني ما وقفت في حدود لا معنى لها!” وقال نفر عديمو المحاكمة: “تمردتُ وعصيتُ فنجوت وتخلصت” أو “اجتزتُ حدود الحرام والحلال فوجدتُ الحرية!”

نعم، ليس يسيراً إزالة آثار السنين وانتزاع الإلحاد الذي نصب عرشاً وسـط سـرادق الإيمان، واللامبالاة التي قلبت القيم الأخلاقية رأساً على عقب، واللامفيد الذي أثيرت وحشية شهيته بمنحه مكاسب على حساب الحياة المنضبطة، ثم إحلال القيم التي يريدها الله تعالى ويوصي بها رسوله صلى الله عليه وسلم محلها.

والآن.. كرة أخرى يقع على كاهلنا، وعلى كواهل كل محب للوطن، حِملُ إزالة هذا التبعثر وتحريك قدرة النشاط الهامد فينا حسب آفاق فكرنا. نعم، ينبغي أن ننسحب مرة أخرى إلى حرم الروح “الملّيّة” ونستعمل حق إرادتنا إلى آخر نقطة، وننطلق في المسير مرة أخرى كالحواريين والمسلمين الأوائل، بعزم سَنَّتْه سنين الظلم والغبن الطويلة، سائحين عمراً من هجرة إلى هجرة، يدفعنا عمق الشعور بضرورة وجود الإيمان والإذعان والعرفان حيثما وجد إنسان، فنعمل على حياكة ما بقي من حياتنا نقوشاً على نسيج الفكر والحركية لأهل الحقيقة الذين كسبوا رضا الله تعالى.

نحن نؤمن بأن الجميع على سطح الأرض سَيُقَبّلون بامتنان أيادي قلوب بهذا القوام والاعتدال إذا امتدت إليهم. فإن استطاعت الإرادات الناضجة والمستقرة، القادرة على حمل رايات ديننا ولساننا ووطننا ورسالتنا، أن تسيح في الأرض بلدا بعد بلد، فسيُستقْبَلون في الأبواب التي يطرقونها باباً فباباً، كاستقبال “الخِضْر”، فتُرتَشَفُ الأفكار التي يقدمونها كإِكسير الحياة. نعم، سينطلق هؤلاء إلى اللانهاية في صداقة موسى والخضر أينما حلوا، ويبنون سداً لحماية الذين يترقبون ذا القرنين، ويرشدون المنـزوين في المغارات أعماراً منذ قرون إلى المعابر الموفية “للانبعاث بعد الموت”. ولعلهم يقدحون -أينما خطروا- الشرارات الأولى لفكر نهضة كبرى هي أشمل وأوسع نهضة تهفو إليها الأعناق منذ قرون…

المصدر: مجلة “ياني أميد” التركية، أكتوبر 1997؛ الترجمة عن التركية: عوني عمر لطفي اوغلو

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts