سورة الفاتحة | موقع الأستاذ فتح الله كولن

﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾(الفَاتِحَة:5)
كما نعلم جميعاً وكما ورد في جميع التفاسير فإن مضمون النكتة هنا من تقديم المفعول به هو باختصار: اللهم إننا لا نقر ولا نعترف إلاّ بألوهيتك ولا نذعن لأحد سواك. ولا نجد الاطمئنان والسكينة والسلوى إلاّ عندك.
والنكتة الأخرى التي تستحق التسجيل هنا هي أنه عوضاً عن استعمال صيغة الماضي “عبد”وردت صيغة المضارع للفعل نفسه “نعبد”. لأن صيغة الماضي تتضمن معاني أمثال: عبدنا… صلينا… فعلنا كذا وكذا… أي هناك بعض معاني الغرور التي لا تتناسب مع روح العبادة والعبودية.
أما في صيغة “نعبد”فلا توجد أي إيماءة لمثل سوء الفهم هذا، لأن فعل “نعبد”يشير إلى عجز الإنسان وفقره أمام الحضرة الإلهية العظمى ودوام معرفة هذا العجز وهذا الفقر، ونستطيع تلخيص ما يريد أن يقوله الإنسان هنا هكذا:
“يارب!… لقد عقدت العزم على ألا أضحي بحريتي ولا أذل نفسي لأي أحد سواك. لذا فأنا أتوجه اليك وإلى بابك بملء نفسي بنية العبودية والذل، وأقبل على عبادتك وإطاعتك بنفس ملؤها الشوق والوجد، عاقداً العزم على تجنب معصيتك وكل ما لا تحبه وما لا ترضاه… نيتي هي أكبر وأفضل من عملي، وأنا أتضرع اليك أن تقبل نيتي عملاً عندك! عملاً بمقياس ما أنوي عمله وليس بمقياس ما عملته يارب!…”
ثم إنه يؤكد بأنه ليس وحده في معرض هذا الرجاء والتضرع، بل يقول إن إخوانه يشتركون معه في هذا الرجاء والتضرع، أي يعرض هنا حسن ظن واسع وشامل. وفي الوقت نفسه يضم تأييدهم واشتراكهم إلى جانبه فيضمن اتفاقاً وإجماعاً لا يمكن جرحه وهو يتوجه إلى باب قاضي الحاجات، فيتخلص من وساوس الشيطان ويعطي صورة كاملة للعبودية الكاملة تجاه الألوهية الكاملة والمطلقة.

المقدمة

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.