سـورة الحج | موقع الأستاذ فتح الله كولن

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾(الْحَج:11)
في القرآن الكريم هناك آيات عديدة في هذا الموضوع. أجل!… إن الله تعالى يمتحن المؤمن والمنافق والكافر على الدوام ليظهر الفروق الموجودة في عالمهم الداخلي. يمتحنهم بالمصائب والبلايـا المختلفة وبالتجارب القلبية والوجدانية، بل حتى بالأمور المتعلقة بالخير، ويطلعهم على قيمهم الذاتية. من الثابت من تجارب عديدة بأن العديديـن -حتى من المضحين في سبيل الله والمخلصين- تنتابهم أزمات مادية، وقد تبور تجارتهم، ويتعرضون إلى هزات مختلفة في حياتهم. وليس هذا سوى امتحان من قبل الله تعالى لذلك العبد. ولا يعني هذا أبدا أن الله تعالى وهو الغني المطلق سيتخلى عن الذين يحاولون بكل إخلاص وتضحية إعلاء كلمته ويتركهم وحدهم لينسحقوا في هذه الحياة. ولكن الله البارئ الذي له حكم عديدة في كل عمل يقوم به، والذي هو منـزه عن العبث يجرب عبده ليظهر في سلوكه وأمام وجدانه مدى إخلاصه ومدى ارتباطه بـه. ويحتمل أن بعضهم سيخسر هذا الامتحان فيخسر هذه الدنيا ويخسر الآخرة كذلك. وهذا هو ما يطلق القرآن الكريم عليه وصف “الخسران المبين”.
والذين يخسرون هذا الامتحان فيخسرون تبعا لذلك الدنيا والآخرة هم المنافقون في الأكثر. فهؤلاء لم يستطيعوا الوصول إلى وحدة بين اللسان والقلب، أي لم يصلوا إلى الإيمان الكامل، فهم يلوكون بعض كلمات الإيمان بأفواههم، وينظرون إلى آيات الله من طرف أعينهم. لا يكونون موجودين في مركز الدين من ناحية العمل بل في أطرافه، يحاولون تمشية الأمور، بعيدون عن الاستفادة الحقة من جميع إيجابيات الإيمان. وفي بعض الأحيان عندما تبدو أن هناك مسؤولياتٍ وأعباءَ أو أضراراً وخسائرَ تبدو في الأفق في الظاهر، نراهم وقد أخذوا جميع الاحتياطات والتدابير للابتعاد والهرب، لذا فهم يقفون على الدوام على هامش العمل الإيماني وفي زاوية منه وقد أخذوا أهبتهم واستعدوا للنكوص على الأعقاب.
وفي موقفهم الحذر هذا يخططون للاسـتفادة من كل شيء يحصل عليه المسلمون. وعندما يجدون مـا يأملونه يتشبثون به ويعضون عليه بالنواجذ، ويظهرون في غاية الأمن والاطمئنان. أما إن كان هنـاك امتحان وابتلاء فسرعان ما ينقلبون على أعقابـهم.
ليس كل المؤمنين يتحلون بجميع صفات المؤمن -ليتهم كانوا كذلك- فبعض المؤمنين يبقون تحت تأثير بعض صفات المنافقين. إذ قد يرغب هؤلاء أن تتجه الرياح حسبما يشتهون وأن تمطر السماء في الوقت الذي يحلو لهم، وأن يجري قدر هذا الكون حسب ما يهوون! وكما وجد أمثال هؤلاء في العهد الإسلامي الأول الحاملين لمثل هذه الآمال الصبيانية، والذين حولوا وجوههم عن الإسلام عندما لم يتحقق ما كانوا يشتهون، كذلك لا مفر من وجود أمثال هؤلاء حاليا، وهذا هو السبب في معظم الانحرافات الداخلية الحاصلة حاليا عندما تكون الأهواء موجودة في بعض النفوس.
﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (آل عمران: 8)

مقدمة الكتاب

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.

Related Posts