القرآن ومفهوم الجهاد  | موقع الأستاذ فتح الله كولن

نعم، إن القرآن قد جاء بمفهوم مختلف لـ”الجهاد” من حيث كنهه ونكتته؛ جهادِ تحفيزِ الناس ليتعرفوا على أنفسهم وذواتهم.. وجهادِ إنشاء العلاقة مع الوجود كله.. وجهاد التمرد على الجسمانية والنفسانية.. وجهاد أن ينتصر المؤمن على نفسه ويفتحَ قلعةَ ذاتِه من الداخل.. وجهاد الاستعدادِ المستمر واتخاذِ الموقف الواضح ضد كل العواطف والغرائز التي تهبط بالإنسان من أمثال: العداوةِ والحقد والكراهية والشهوة والضغن والحرص والحسد.. وجهادِ أن يربط كلُّ أحد نفسَه بفكر سام وهدف عال.. وجهادِ تخطِّي كل المخاوف والتطلعات.. وجهادِ اعتبار الدنيا غرفةَ انتظارٍ للآخرة وإحياء الأخرويات وإعمار ما هنا كسبيل إلى ما هناك إلى غير ذلك من أنواع الجهاد الكثيرة.

كانت كل آية في عهد النـزول كأنها صوت شلالٍ هادر، وماء كوثر عذب متدفق كفواراتٍ دائمة الانبجاس، أو كالفواكه في تباشيرها الأولى القادمة من عالم الألوهية ..!

لقد ظل القرآن -قرابة ربع قرن- يقدم للناس معظم رسائل الجهاد من هذا القبيل، حتى نما بتبليغاته الباعثة على الحياة، فصار ﴿كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ﴾(إبراهيم:24) فانتشر وحوَّل مساحات واسعة إلى جناتٍ… نعم، كانت كل آية في عهد النـزول كأنها صوت شلالٍ هادر، وماء كوثر عذب متدفق كفواراتٍ دائمة الانبجاس، وبالأحرى، كالفواكه في تباشيرها الأولى القادمة من عالم الألوهية. فكان المشتاقون الطافحون رغبةً يجْنُون هذه الفواكه فور ظهورها بمنتهى الحماس، ويقدمونها لتقدير القلوب والأرواح ويتتابع التقديم والتقدير كرة بعد كرة بلا فتور، ويقعد ويقوم أولئك المحظوظون كل يوم على هذه المائدة السماوية الآخذة بالألباب. فبفضل هذه الخطوة، كان أولئك المخاطبون المتدفقون حيويةً، يعيشون -بزخاتِ غيث الوحي الهاطل كل يوم على آفاقهم- “انبعاثاتٍ بعد الموت” متشابكةً ومتداخلةً كأنهم سمعوا صوت الصُّورِ من اللانهاية، فيغدو كلٌ منهم “خضرًا”، فيَنفخ روح الحياة في كل من يمر به… وكانوا يتسلقون ذرى حظوظهم السعيدة “بانبعاثاتٍ” تترى، في حيوية عظيمة دائمة، واشتياق طافح لا يستكين، ورغبات جياشة. الله تعالى يناديهم إلى الانبعاث في العواطف والفكر والروح والقلب بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال:24)، وهم بدورهم يردون على هذا النداء من دون تردد فيقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾(آل عمران:193) ويهرولون لتلبية هذه الدعوة الإلهية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصدر: فتح الله كولن، ونحن نبني حضارتنا، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة ، طـ2، ٢٠١2، ص: 106

ملاحظة: عنوان المقال من تصرف المحرر .

 

About The Author

عالِم ومفكِّر تركي ولد سنة 1938، ومَارَسَ الخطابة والتأليف والوعظ طِيلة مراحل حياته، له أَزْيَدُ من 70 كتابا تُرْجِمَتْ إلى 40 لغة من لغات العالم. وقد تَمَيَّزَ منذ شبابه المبكر بقدرته الفائقة على التأثير في مستمعيه، فدعاهم إلى تعليم الأجيال الجديدة من الناشئين والشباب، وَبَذْلِ كلِّ ما يستطيعون في سبيل ذلك.